• ثم قال ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
الظاهر أن هذا من جملة قول الراسخين في العلم. يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. والدعاء غالبًا يُصَدَّر بالربِّ، لأن الدعاء يتطلب الإجابة، والإجابة من الأفعال، والأفعال علاقتها بالربوبية أكثر من علاقتها بالألوهية، ولهذا غالب الأدعية يأتي مُصَدَّرًا بالربِّ ﴿رَبِّنَا﴾.
وقوله: ﴿رَبِّنَا﴾: منصوبة بيا النداء المحذوفة. وأصل الكلام (يا ربنا) لكن حذفت يا النداء تخفيفًا، وتيمنًا بالبداءة باسم الله ﷿.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾:
﴿لَا تُزِغْ﴾: هذه جملة دعائية وإن كانت بصيغة النهي؛ لأن النهي لا يمكن أن يرد من المخلوق للخالق. إذ النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، ولا يمكن للمخلوق أن يطلب من ربه أن يكف على وجه الاستعلاء أبدًا. وإذا وُجِّهَ الطلبُ من أدنى إلى أعلى سُمِّيَ دعاءً، فلهذا نقول: (لا): دعائية، ولا نقول: (لا): ناهية، لأنه لا نهي من المخلوق للخالق.
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾:
أي: لا تزغها عن الهداية، بل اهدها هداية دلالة وهداية توفيق.
وقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ سلط الفعل على القلب؛ لأن القلب عليه مدار العمل، لقول النبي - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا
[ ١ / ٥٠ ]
صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (^١)، والقلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وبهذا القلب يكون العقل؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وبناء على هذه الأدلة يتبين أن العقل في القلب وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديمًا وحديثًا، هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ والذي دلَّ عليه القرآن أنَّه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالق ﷿ أعلم بما خلق. فالعقل بالقلب لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير، ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ. فالمخ يتصور ويعقل، وهو بمنزلة المترجم للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يبلغ الأوامر الدماغ. ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسلة، والذي يتصور ويدرك وفيه عقل الإدراك هو الدماغ، وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد فهو عقل القلب.
وحينئذ يزول الإشكال، وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي محله هو الدماغ، والعقل التصرفي الإرشادي الذي به الرشاد والفساد هو القلب.
يقول الله ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وإذا استقامت
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢). ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الحرام، رقم (٤٠٩٤).
[ ١ / ٥١ ]
القلوب ولم تمل، استقامت الجوارح عقيدةً وقولًا وعملًا.
وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: هذه الجملة لا يراد بها الافتخار، وإنَّما يراد بها التوسل بالنعم السابقة إلى النعم اللاحقة، فكأنهم يقولون: ربنا إنك مننت علينا بالهداية أولًا، فنسألك أن تمن علينا بثبوت هذه الهداية فلا تزغها، فيكون في هذا الدعاء ثناء على الله ﷿ بالهداية السابقة، وأنه ﷿ أهل للفضل والإنعام.
وقوله: ﴿هَدَيْتَنَا﴾: هداية دلالة وتوفيق. فهداية الدلالة أن بيّن لهم الحق، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وهداية التوفيق أن وفَّقهم لسلوك الحق، فمن الناس من يحرم الهدايتين كالنصارى، فهم ضالون لم يعرفوا الحق، ولم يعملوا به. ومن الناس من يحرم الهداية الثانية، هداية التوفيق كاليهود؛ فاليهود علموا لكن لم يعملوا به. ومن الناس من يرزق الهدايتين كالمؤمنين الذين أنعم الله عليهم، فهم هدوا إلى الحق بالدلالة عليه، واهتدوا إلى الحق بالتوفيق.
وقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾:
(هب): بمعنى أعط، والهبة: هي العطاء بلا عوض، وكمالها بلا منة. والله ﷾ له المنة علينا، كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. والصيغة هنا للدعاء.
﴿وَهَبْ لَنَا﴾: يعني أعطنا ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي من عندك،
[ ١ / ٥٢ ]
وأضافوا هذه الهبة إلى الله لئلا يكون لأحد عليهم منّة سواه، هذا من وجه، ولأنها إذا كانت من عند الله وهو أكرم الأكرمين صارت هبة عظيمة، لأن العطاء على قدر المعطي، ولهذا قال النبي - ﷺ - لأبي بكر حين سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني" (^١).
﴿رَحْمَةً﴾: الرحمة صفة من صفات الله ﷿، وتطلق على نِعَمِه، لأنها من آثار رحمته، كما قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
وقال الله تعالى للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (^٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، فتطلق الرحمة على هذا وهذا. وفي هذه الآية: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ هي النعم وهي من آثار رحمته.
والرحمة يحصل بها المطلوب، وينجو بها الإنسان من المرهوب، فإن جمعت مع المغفرة صار بالرحمة حصول المطلوب، وبالمغفرة النجاة من المرهوب.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، رقم (٨٣٤). ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، رقم (٢٧٠٥).
(٢) حديث قدسي، أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، رقم (٤٨٥٠). ومسلم، كتاب الجنَّةَ وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، رقم (٢٨٤٦).
[ ١ / ٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾:
الجملة هنا استئنافية للتعليل والتوسل. يعني إننا إنما طلبنا منك هبة الرحمة لأنك أنت الوهاب، وأُتي بالضمير (أنت) ويسمى ضمير الفصل لثلاث فوائد:
١ - الفصل بين الصفة والخبر.
٢ - التوكيد.
٣ - الحصر.
و﴿الْوَهَّابُ﴾ يعني الكثير العطاء، وهذه صفة لازمة له، والذين يعطيهم الله كثيرون لا يحصون.
قال النبي - ﷺ -: "يد الله ملأى، سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه" (^١).
وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلَّا كما ينقص المخيط إذا غُمس في البحر" (^٢). وهذا لا ينقص البحر شيئًا! فالله ﷿ لا يحصي أحد هباته أبدًا حتَّى بالنسبة لك أنت بنفسك لا تحصي هبات الله لك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، رقم (٧٤١١). ومسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، رقم (٩٩٣).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم (٦٥٧٢).
[ ١ / ٥٤ ]