الشوائب والأذى ثم يطهر، من قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ثم قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾.
٩ - أن الإنسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع، وإن شئت فقل في الجلب والدفع، لأنهم سألوا أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وسألوا أن يهب لهم منه رحمة. فدعاؤهم أن لا يزيغ قلوبهم دعاء بالرفع، ودعاؤهم بـ ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ دعاء بالدفع، يعني هب لنا من لدنك رحمة ندفع بها السوء، ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا ترفع عنا الهداية بعد أن اهتدينا.
١٠ - أن العطاء يكون على قدر المعطي، لقوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ هذا من باب التوسل بحال المدعو، ومن باب التوسل بصفات الله ﷿.
١١ - التوسل بأسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فإنه من مقتضى كونه وهابًا أن يهب لنا من لدنه رحمة.
١٢ - أن الإنسان مفتقر إلى رحمة الله ﷿، ولهذا سأل الله أن يهب له من لدنه رحمة.
* * *
• قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].
﴿جَامِعُ﴾: اسم فاعل. وهنا لم يعمل لأنه أضيف، ولولا الإضافة لكان يقول: ربنا إنك جامعٌ الناسَ، لكن بالإضافة لا يعمل إلَّا الجر. وقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ المعنى: أنَّه يجمعهم لهذا الوقت. فاللام هنا للتوقيت، فهي كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: وقت دلوكها. أو
[ ١ / ٥٦ ]
كقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: وقت عدتهن.
فالله تعالى جامع الناس لهذا الوقت، ليوم لا ريب فيه، أي لا شك. ولكن الريب أبلغ من الشك، وإن كان معناهما متقاربًا، لأن الريب فيه زيادة قلق واضطراب مع الشك، والشك خال من ذلك. ولهذا جاءت كلمة (ريب) الدالة بمفهومها اللفظي على أن هناك نوعًا من القلق والاضطراب الحاصل بالشك، لأن من الشكوك ما لا يولد همًا، ولا غمًا، ولا اضطرابًا، ولا يهتم به الإنسان، ومن الشكوك ما يهتم به الإنسان، ويضطرب، ويقلق، مثل هذه الأمور العظيمة الواردة في الأخبار باليوم الآخر، فإن الإنسان لابد أن يطمئن اطمئنانًا كاملًا.
و﴿لَا﴾: نافية للجنس، و﴿رَيْبَ﴾ اسمها. و﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها، وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ تأكيد لما سبق من كونه تعالى جامع الناس ليوم لا ريب فيه.
في هذه الآية يقول الله تعالى عن هؤلاء الراسخين: إنهم بعد أن يدعوا الله بما سبق يخبروا هذا الخبر المعبر عن إيمانهم ويقينهم بأنهم يؤمنون بأن الله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومن ثَمَّ دعوا الله أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يهب لهم منه رحمة، لأنهم يؤمنون بأن هناك يوما يجمع الله فيه الناس، فيجازيهم بعملهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. ما أكثر الناس الذين سبقونا! وما أكثر الناس الذين يلحقون بنا! والله أعلم.
[ ١ / ٥٧ ]
ومع هذا كل هؤلاء الناس سوف يجمعون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، يسمعهم الداعي؛ لأنه لا يحول بينهم وبين صوته لا شجر ولا جدر ولا جبال ولا أودية، وكذلك ينفذهم البصر؛ لأنهم في أرض مبسوطة غير كروية، فيكون البصر يرى أقصاهم مثلما يرى أدناهم، وهذا ظاهر، فالأرض كلها مبسوطة بسط الأديم كما أخبر بذلك النبي - ﷺ - (^١)، وأخبر الله تعالى أنَّه يجمع الناس كلهم في ذلك اليوم من أولهم إلى آخرهم، ويجمع الجن، بل ويجمع الوحوش والبهائم: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٤ - ٥]، ويجمع الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وهذا اليوم العظيم دلَّ عليه السمع، ودلَّ عليه العقل، ودلَّت عليه الفطرة، ودلَّ عليه إجماع المسلمين واليهود والنصارى وكل متدين بدين. فالأدلة مجتمعة على وجوب الإيمان باليوم الآخر؛ ولهذا قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيْهِ﴾.
أما دلالة الكتاب فهي دلالة واضحة في عدة آيات لا تحصى، ودلالة السنّة أيضًا بأحاديث كثيرة لا تحصى.
وأما دلالة العقل فهي ليست على إمكانه فحسب، بل دلَّ العقل على وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، إن الذي فرض عليك القرآن، وأوجبه
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٥). وابن ماجه، تصريف أَبواب الفتن، باب فتنة الدجال، رقم (٤٠٨١).
[ ١ / ٥٨ ]
عليك، لابد أن يردك إلى معاد، فلا يمكن أن يدعك سدى. إذ لا فائدة في قرآن ينزل، ورسل ترسل، ودماء تراق للمخالفين، والنتيجة لا شيء! ! فالعقل يدل على أنَّه لابد من أن نحشر إلى الله ﷿، وأن نجازى بعملنا، وأنه لا يمكن أن تخلق السموات والأرض، ويرسل الرسل، وتنزل الكتب، وتكون النتيجة والغاية أن نُرْمَسَ (^١) في الأرض ولا نعود، لابد من عودة. ولهذا نقول: إن العقل دلَّ على وجود اليوم الآخر ووقوعه.
ودلَّت عليه الفطرة: فإن الإنسان لو ترك وفطرته لعَلِمَ أن له ربًّا يجازيه، وأن الجزاء يكون في الآخرة، ويكون في الدنيا.
ودلَّ عليه الإجماع، فإجماع المسلمين أمر متواتر معلوم بالضرورة من الدين، بل وإجماع اليهود والنصارى؛ ولهذا إلى يومنا هذا إذا مات منهم ميت يصلون عليه ويدعون له بالرحمة والمغفرة؛ لأنهم يؤمنون بيوم الحساب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾:
هذه الجملة موقعها مما قبلها لتأكيد وقوع ذلك اليوم. ووجه ذلك: أن الله وعد به وهو لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف ما وعد به ﷿ من وقوع هذا اليوم.
وهذه الجملة أيضًا إذا تأملتها وجدتها أنَّها تخالف ما قبلها في السياق؛ لأن ما قبلها السياق فيه للمخاطب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وأما السياق هنا فهو للغائب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، ولم يقل: (إنك لا تخلف الميعاد)، فهل هذا
_________________
(١) أي: ندفن.
[ ١ / ٥٩ ]
من باب الالتفات والكلام من متكلم واحد، أو هذا من باب الاستئناف وهو من الله لا من قول الراسخين في العلم؟ على قولين للمفسرين:
١ - منهم من قال: إن قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ من كلام الله، وليس فيه التفات على هذا التقدير.
٢ - ومنهم من قال: إنه من كلام الراسخين في العلم، وعلى هذا التقدير يكون فيه التفات.
ولكل منهما مرجح، فمن رجَّح الأول قال: إن الالتفات خروج بالكلام عن المألوف، والأصل عدمه، وعليه فيكون الكلام من كلام الله.
ومن قال: إنه من كلام الراسخين وفيه التفات قال: لأن الأصل أن الكلام من متكلم واحد، لاسيما وأن بعضهم مرتبط ببعض ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فهو مرتبط بعضه ببعض، وهذا القول عند التأمل أرجح، وتكون فائدة الالتفات:
أولًا: تنبيه المخاطب، لأنه إذا كان الكلام على نسق واحد بقي الإنسان منسجمًا معه لا يتفطن، وتمرُّ به الأشياء، فإذا اختلف أسلوب الكلام وتغيَّر عليه الأسلوب فحينئذ ينتبه.
ثانيًا: أما من حيث المعنى فلأن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم، كأنَّ الربَّ ﷿ الذي هو الله، وهو ملك عظيم ﷾ يتحدث عنه بصيغة الغائب تعظيمًا وتفخيمًا، كما يقول الملك الذي يعظم نفسه للجنود: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، أو يقول القائد: إن القائد يأمركم بكذا وكذا، بدل أن
[ ١ / ٦٠ ]
يقول: إني آمركم. وعلى كل تقدير فالصفة هنا من باب الصفات السلبية، لأنها صفة نفي، ولا يوجد في صفات الله صفة سلبية محضة، والنفي الموجود في صفات الله متضمن لثبوت كمال ضده، وأنه لكمال ضده لا يوجد هذا الشيء، فهنا ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لأنَّ إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد أو لعجزه، والله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه، وكمال قدرته ﷿.