١ - أمر الرسول ﵊ أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء؛ لقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهنا سؤال: هل الرسول قال بذلك؟ نعم قالها حتى كان يكتب بها إلى الملوك، لم يكتب إلي كسري ولكنه كتب إلي غيره: يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم، لكنه يقول: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، من كمال أدبه، إذا قال: قل يا أهل الكتاب، فكأنه يقول: إنما كتبت لكم هذه الآية بأمر الله، لكن لو قال: يا أهل الكتاب بدون (قل)، لكان فيها احتمال أنه كتبها من عند نفسه، فالمهم أن الرسول ﵊ قال ذلك، ودعاهم إلي هذه الكلمة، لكنهم أبوا وامتنعوا لأنهم مصرُّون معاندون إلا من هدي الله، فقد هدي الله من النصاري أقوامًا، ومن اليهود أقوامًا، ومن المشركين أقوامًا.
٢ - التنازل مع الخصم لإلزامه بالحق، كيف ذلك؟ لأنه
[ ١ / ٣٦٩ ]
قال: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والحق بلا شك مع الرسول - ﷺ -، لكن من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه تنازل معه.
٣ - وجوب استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو؛ لأن الرسول أمر بأن يعلن هذا، وإذا كان هذا واجبًا في مناظرة المسلمين مع الكفار، فهو في مناظرة المسلمين بعضهم مع بعض أوجب وأوكد، ولهذا نقول: من الخطأ العظيم أن بعض الناس إذا رأي رأيًا قال عما سواه: خطأ، وخطّأ غيره، هو قد يكون خطأ باعتبار اعتقاده لا ننكر عليه، لأنه من المعلوم إذا اختار ضده فهو عندهم خطأ ولا ينكر عليه، لكن الإنكار أن يُخَطِّئ من قال به، وهذا فرق دقيق، فرق بين أن أعتقد أن هذا القول خطأ ولا آخذ به، وبين أن أخطّئ من قال به؛ لأني إذا خطّأته ادعيت العصمة لي والزلل له وهذا خطأ، ولهذا يجب في المناظرة بين المسلمين كما يجب في المناظرة بين المسلمين والكفار أن تكون بالعدل، ومن المعلوم أن الميزان العدل في ذلك كتاب الله وسنة الرسول - ﷺ -، لكن المشكل أنه ليس كل أحد يفهم الكتاب والسنة كما ينبغي، يعني من الناس من يكون ظاهريًا محضًا لا ينظر إلي مقاصد الشريعة ومعانيها العظيمة التي يقصد بها إصلاح الخلق، فتجده مثلًا يريد أن ينفذ شيئًا من المسائل التي لا تعتبر ذات شأن كبير في الإسلام وإن فات بذلك مصلحة عظيمة كبيرة، منها مسائل الخلاف التي يظهر فيها النزاع والمباينة بين المسلمين.
ولهذا أمثلة كثيرة، تجد مثلًا بعض الناس يقول: لابد أن ننفذ هذا الشيء وإن كان سنة، وإن كان يلزم علي تنفيذه تفرق المسلمين وعدوانهم وحدوث البغضاء بينهم، لا ينظر إلي أن الشرع في الحقيقة مبني علي الألفة وائتلاف القلوب، فالشرع حرَّم
[ ١ / ٣٧٠ ]
البيع علي بيع المسلم لأن ذلك يؤدي إلي العداوة والبغضاء، وحرَّم النجش، والخطبة علي خطبة أخيه، أشياء كثيرة إذا تأملتها وجدت أن هذا الشرع يرمي إلي أن يأتلف الناس وتتفق القلوب وتتحد الأهداف. وأن المسائل الجزئية إذا خيف منها فتنة تترك والحمد لله، أنت هل عليك لوم إذا تركت الأدني للأعلي؟ ليس عليك لوم بل لك مدح، اللوم أن تفعل الأدني لتفرط في الأعلي، ولهذا نعلم علم اليقين أن الصحابة أفقه منا بكثير، وأقوم منا في أعمالهم، وأشد منا حبًّا لشريعة الإسلام، ومع ذلك يتوافق بعضهم مع بعض في أمور لا يرونها ولكن من أجل المصلحة وائتلاف الناس واتفاق القلوب، ولا يخفي عليكم أن رسول الله - ﷺ - امتنع عن هدم الكعبة وبنائها علي قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به؛ خوفًا من الفتنة؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر (^١).
وكان ﵊ يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر، فلما قيل: إن الناس قد شق عليهم، أفطر بعد العصر ورفع الماء وهو علي بعيره علي فخذه وشربه والناس ينظرون (^٢)، لم يقل: لم يبق إلا جزء يسير من النهار فأريد أن أكمل.
والصحابة ﵃ في خلافة عثمان، حيث بقي
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، رقم (١٣٣٣).
(٢) رواه الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في السفر، رقم (٧١٠). والنسائي، كتاب الصيام، باب ذكر اسم الرجل، رقم (٢٢٦٣).
[ ١ / ٣٧١ ]
- ﵁ - سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في مني وبعد مضي أكثر خلافته رأي - ﵁ - لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه قالوا: كيف يقصر الرسول - ﷺ - وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك والآن تتم، حتى إن ابن مسعود - ﵁ - لما بلغه ذلك استرجع، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون (^١)، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعًا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، وذلك من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق، ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعًا، قال: (الخلاف شر). هذا والله هو الفقه، وهذه هي الشريعة.
أما أن يتفرق الناس، ويتخاصمون، ولا يتعاملون بالعدل، ويقول كل واحد للآخر: قولي هو الحق، وقولك الخطأ، وأنت مخطئ، فهذا ليس من طريق الشرع، بل هذا خلاف الشرع، وإن زعم من تمسك به أنه علي الشرع، وأنه هو الذي يصدع بالحق، وأنه هو المعصوم، فإن دعواه هذه هي التي جعلته مخطئًا، من ادعي العصمة فأول زلل زل به ادعاؤه العصمة، وأنه هو الصواب وغيره علي خطأ.
٤ - أن جميع الرسل متفقون علي هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لأنه ما دام أنها كلمة سواء بيننا وبينهم، معناه أنها عندهم كما هي عندنا، وهذا هو الواقع، أن جميع الرسل متفقون علي هذه الكلمة، لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، بل إن الله تعالى قال في كتابه العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بمني، رقم (١٩٦٠).
[ ١ / ٣٧٢ ]
وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، الخلق الذين خلقوا من آدم، ومن قبل آدم الجن، ما خلقوا إلا لهذا الأمر العظيم، لعبادة الله. لم يخلقوا ليتمتعوا في الدنيا، ولينالوا الشهوات، لا والله ولكن لعبادة الله وحده لا شريك له. ومع هذا فإنهم إذا عبدوا الله صلحت دنياهم، والغريب -لكن ابن آدم نظره قاصر- أنه إذا صلح الدين صلحت الدنيا، لكن لا يلزم من صلاح الدنيا صلاح الدين. بل إنها ربما إذا اعتني بها أكثر من الدين فسد الدين، كما قال الرسول ﵊: "والله ما الفقر أخشي عليكم وإنما أخشي عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كلما أهلكتهم" (^١).
٥ - أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
٦ - أن الحكم بين الناس والعبادة مقترنان؛ لأن الله قرن بينهما، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، لأنك لن تعبد الله إلا بشريعته، إذن يلزم أن يكون المشرع هو المعبود. ما دمت تعبد الله فلن تعبده إلا بشريعته. فالمشرع هو المعبود الذي يعبد، لأنه سنَّ طريقًا أو وضع طريقًا وقال: اسلكوا هذا لتصلوا إلي، إذن كل طريق يخالفه فلن يوصل إلي الله، وهذا وجه التلازم بين قوله: (أن لا نعبد) وقوله: (ولا يتخذ)، فإن من اتخذ ربًّا من دون الله يتبعه في التحليل والتحريم فإنه لم يعبد الله؛ لأن عبادة الله لا تكون إلا بموافقة الشرع.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا، رقم (٤٠١٥). ورواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، رقم (٢٩٦١).
[ ١ / ٣٧٣ ]
٧ - أن من دعا الناس إلى حل أو حرام، لكن بإذن الله وشرعه، فهو علي حق، تؤخذ من قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فهو ﷾ لم يقل: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ فحسب بل قال: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
فائدة:
بعض الناس إذا زلَّ بعض العلماء مثلًا ووقعوا في أخطاء أخذ هؤلاء يكتبون في المجلات والصحف أخطاءهم بحجة أنهم يبينون الحق. وهذا من الغلط، والحقيقة أن هذا الفعل فيه مضرة من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنها مضرة على الكاتب؛ لأن الذين يثقون بالشخص الآخر يرون أن هذا مخطئ ويقل وزنه عندهم.
الوجه الثاني: أن فيه أيضًا إضعافًا للثاني المردود عليه، ومعلوم أنه إذا ضعفت منازل العلماء في الأمة ضاعت الأمة؛ لأن العلماء هم القادة، فإذا ضعفت منازلهم عند العامة ضاعوا وصاروا كالإبل التي ليس لها راع، أو كالغنم التي ليس لها راعٍ.
الوجه الثالث: أن فيها أيضًا إضعافًا للشرع؛ لأن العالم الذي ردَّ أو المردود عليه إذا قال قولًا غير هذه المسألة شكَّ الناس فيه وقالوا: لعل هذه من خطأ فلان، فصار فيه مضرة من ثلاثة وجوه، والواجب على العلماء فيما بينهم إذا أخطأ أحدهم أن يتصلوا به فيناقشوه، فإن كان الصواب معه تبعوه، وإن كان الصواب معهم يتبعهم، ثم لو فرض أنه أصرَّ على ما هو عليه وله وجه -لأن المسألة مسألة اجتهاد- فلا أري أن يرد عليه أبدًا؛
[ ١ / ٣٧٤ ]
لأن الرد والأخذ والمناقشة في مسائل الاجتهاد بين العامة -لا شك- أنه ضرر، خصوصًا في هذا الوقت حيث يوجد أناس يدعون إلي التقليل من شأن العلماء، والكلام فيهم في المجالس؛ لأنهم فقدوا الزعامة التي يريدونها فصاروا مثل الزعماء الآخرين الذين عارضوا دعوة الرسول ﵊ لما فقدوا الزعامة التي يريدونها، ليس لهم سبيل إلي ما يريدون إلا أن يضعفوا الجانب الآخر. وهذا علي خطر عظيم جدًا، فأنا أري أنه إذا وجد خطأ من أي عالم -والإنسان غير معصوم، فقد يخطئ ولا يتبين له الخطا إلا بالمناقشة- أن يتصل به ويبحث معه، فإن تبين الحق وجب علي من تبين له الحق أن يتبعه، وإن لم يتبين وصارت المسألة فيها مساغ للاجتهاد فالواجب عَدم الرَّدِّ عليه.
٨ - أنه إذا تولي الخصم بعد إقامة الحجة عليه فإنه يعلن له بالبراءة منه، والتزام الحق؛ لقوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
٩ - أنه ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه، وأن يعلنه، ويشهره، خلافًا للضعفاء الذين عندهم ضعف في الشخصية، وقلة الدين، الذين يتسترون بدينهم مخافة أن يعيروا به، حتى إن بعضهم كما قيل لي يخجل أن يصلي بين الناس، يقول: أخشي أن أنسب إلي الدين، والعياذ بالله. وهذا يدل علي قلة الإيمان، وعلي ضعف الشخصية، وأن الإنسان ليس عنده رصيد يفتخر به ويعتز به.
١٠ - إشهاد الخصم علي الحال التي يكون عليها خصمه؛ لقوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. لما في ذلك من الغضاضة عليه، وكسر جبروته، وعدم انقياده للحق.
[ ١ / ٣٧٥ ]