الأولى: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة: النبيئين.
الثانية: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة: ويقاتلون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعرابي ونحوهم، رقم (٥٥٠٧).
[ ١ / ١٣٨ ]
الآيات: جمع آية، وهي في اللغة العلامة، وهي كونية وشرعية، فالآيات الكونية هي التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها. وهي تدل على أن الخالق واحد لا شريك له، وعلى أنه لا يشبهه شيء.
والآيات الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]
وهي دالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة.
والكفر بالآيات الكونية أن يجحد أن الخالق ﷾ خلقها، فيدَّعي أنَّ الذي خلقها غير الله، أو أن له شريكًا في خلقه، أو أن له معينًا في خلقه.
والكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها وبتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها: تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك.
وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾:
يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق. والنبيون هنا تشمل: الرسل ومن لم يرسل من النبيين، وما أكثر ما توجد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم من قتل الأنبياء بغير حق، وعبد الطاغوت.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما
[ ١ / ١٣٩ ]
خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع. والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا وظلمًا.
وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾:
والذين يأمرون بالقسط من الناس يشمل الرسل وغير الرسل من أهل العلم والخلفاء الراشدين، فحينئذ عطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خصَّ الأنبياء؛ لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم.
وذكر الخاص بعد العام من باب ذكره مرتين: مرة بطريقة العموم، ومرة بطريقة الخصوص. ولكن خصّ من بين سائر الأفراد، وأعيد الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: أي بالعدل.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
الخطاب إما للرسول - ﷺ -، أو لكل من يتأتى خطابه.
وبشرهم: أي أخبرهم بعذاب أليم.
والعذاب: العقوبة.
والأليم: بمعنى المؤلم، وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء أو هي من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسر، بجامع أن كلًا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير؟
يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا إنها من باب التهكم، استفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشرين؛ كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ
[ ١ / ١٤٠ ]
الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٧ - ٤٩].
﴿ذُقْ﴾: يعني قولوا له: ذق، إنك أنت العزيز الكريم. وهذه الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ، لأنه سيتذكر: أين العزة وأين الكرم، أين العزة التي بها أغلب، وأين الكرم الذي به أجود، فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا.