١ - إثبات ألوهية الله ﷿، لقوله: ﴿اللَّهُ﴾.
٢ - انفراده بهذه الألوهية، لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
٣ - إثبات اسمين من أسماء الله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال.
٤ - إثبات حياته وقيوميته؛ لأنَّ كل اسم فإنه متضمن للصفة، وقد يتضمن أمرًا زائدًا وهو الحكم الذي يسمى الأثر.
٥ - أن كل شيء مفتقر إلى الله، وأن الله غني عما سواه، ووجه ذلك: أنّ كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].
٦ - إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾. والنزول لا يكون إلا من أعلى.
٧ - أن القرآن الكريم منزل؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾، ومجرد كونه منزلًا لا يستلزم ألا يكون مخلوقًا؛ لأن الله قد ينزل المخلوق. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الرعد: ١٧] والماء مخلوق. لكن بالنظر لكون القرآن كلامًا يستلزم ألا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة.
إذن فيؤخذ أن القرآن غير مخلوق لكونه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.
٨ - فضل رسول الله - ﷺ - وميزته؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ
[ ١ / ١٧ ]
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، والله ﷾ قد يضيف الإنزال إلى الناس كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]، لكنه أنزل إلى الرسول مباشرة وإلينا بواسطة الرسول - ﷺ -، وهو الذي بلغه إلينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.
٩ - أن هذا الكتاب الذي أنزله الله على محمد - ﷺ - مشتمل على الحق، لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾. فقد جاء بالحق، ونزل به. قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
١٠ - أن القرآن نفسه حق. يؤخذ من قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنه نزل نزولًا بحق ليس نزولًا كذبًا باطلًا.
١١ - فضيلة القرآن لوصفه بالحق نزولًا وتضمنًا، ولوصفه بالتصديق لما بين يديه.
١٢ - الإشارة إلى أن هذا القرآن قد أخبرت عنه الكتب السابقة.
١٣ - جواز التعبير بما يخالف الظاهر إذا دلّ عليه السياق كما في قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، لأن الكلمة دلت على معناها في سياقها، وإن كان يخالف أصل الوضع.
١٤ - أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق؛ لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
[ ١ / ١٨ ]
١٥ - الإشارة إلى أن التوراة والإنجيل قد نسخا بالقرآن، وقد صرح بذلك في سورة المائدة. قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
مسألة: المعروف عند السلف أن التوراة والإنجيل من كلام الله، لكن لا أذكر حتى الآن دليلًا على وصفهما بأنهما من كلام الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، والله تعالى يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وجاء في الحديث: "إن الله كتب التوراة بيده" (^١). فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله. ويكفي أن نؤمن بأنها نازلة من عند الله.
١٦ - رحمة الله ﷿ بعباده، وعنايته بهم حيث كان ينزل الكتب على رسله هدى للناس.
١٧ - إثبات الحكمة لله تعالى في أحكامه الشرعية كما تثبت في أحكامه الكونية، لقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾.
ومن أسماء الله تعالى الحكيم، وهو ذو الحكمة. والحكمة هي إصابة الصواب، وإن شئت فقل: وضع الشيء في موضعه، وإن شئت فقل: إتقان الشيء وإحكامه. فإذا وقع من أفعال الله أو من شرع الله ما لا نعلم له حكمة فليس ذلك إلا لقصور فهمنا، وعجزنا عن إدراك الحكمة. وإذا وقع ما نظن أنه على خلاف الحكمة فما ذاك إلا لسوء فهمنا، فالذي يظن أنه ليس له حكمة قاصر الفهم،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉، رقم (٢٦٥٢).
[ ١ / ١٩ ]
والذي يظن أنه على خلاف الحكمة سيئ الفهم، أما سليم الفهم الذي يعطيه الله تعالى فهمًا فستتبين له الحكمة، ومع ذلك لا يمكن أن ندرك كل وجوه الحكمة؛ لأن حكمة الله ﷿ لا تدرك غايتها، والإنسان بشر ناقص، وكم من أحكام شرعية تظن أن حكمتها كذا وكذا ثم يتبين لك أن لها حِكَمًا أخرى، أو ربما يتبين لك أن هذه ليست الحكمة بل الحكمة شيء آخر، إنما يجب عليك أن تؤمن بأنه ما من حكم لله كوني أو شرعي إلا وله حكمة.
ولا يلزم على هذا أن تذهب مذهب المعتزلة في وجوب فعل الصلاح، أو وجوب فعل الأصلح، على الله لأمرين:
الأول: قد تظن أن هذا هو الأصلح، وليس الأصلح. ولنضرب لهذا مثلًا: نحن نظن أن الأصلح نزول الغيث، وخصب الأرض، فإذا امتنع المطر وأجدبت الأرض فقد يكون هذا هو المصلحة! ونحن لا نعلم.
إذن لا يمكن أن نقول: يجب على الله كذا لأنه أصلح، إذ قد يكون ما قلنا إنه الأصلح هو الأفسد! .
الثاني: إذا تحققنا أنه الأصلح فإنه يجب بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العقل. فنحن لا نوجب على الله بعقولنا، والعقل لا يوجب على الله شيئًا، لأن العقل مخلوق ناقص، فلا يوجب على الكامل الأزلي الأبدي شيئًا، فإذا وجب فعل الأصلح فإنما الذي أوجبه على نفسه الله. قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]. فأوجب على نفسه أن يهدي الناس ويدلهم، فإذا ثبت أن هذا هو الأصلح فقد وجب على الله بمقتضى حكمته وإيجابه على
[ ١ / ٢٠ ]
نفسه، لا بمقتضى عقولنا وإيجابنا عليه، وبهذا ننفك عن قول المعتزلة الذين يرون أن العقل هو الذي يوجب الشيء أو الذي يمنع الشيء، أو الذي يقبح الشيء أو الذي يحسِّن الشيء. ومن ذلك مثلًا: البيان للخلق، بيان الشرائع للخلق وما يجب عليهم نحو ربهم، وما يجب عليهم نحو عباد الله، واجب على الله بمقتضى الحكمة، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢].
١٨ - أن هداية القرآن نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة مثل هذه الآية: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾. والخاصة مثل قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] والفرق بينهما أن الهداية التي بمعنى الدلالة عامة؛ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، والهداية التي بمعنى التوفيق والاهتداء خاصة بالمتقين.
١٩ - أن الكتب كلها فرقان تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المؤمن والكافر، وبين الضار والنافع، كل ما يمكن أن يكون فيه فرق فإن الكتب تفرقه.
٢٠ - أنه يمتنع أن تجمع الكتب السماوية بين مختلفين، أو أن تفرق بين متماثلين أبدًا؛ لأن الفرقانَ هو الذي يفرق بين شيئين مختلفين. أما شيئان لا يختلفان فلا تفريق بينهما، ويتفرع على هذه الفائدة إثبات القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فهو جمع بين متماثلين، وعدم الأخذ بالقياس تفريق بين متماثلين.
٢١ - أنه كلما اهتدى الإنسان للفروق كان أعظم اهتداء بالكتب المنزلة من الله؛ لأن الكتب كلها فرقان. فمثلًا: إذا كان
[ ١ / ٢١ ]
الإنسان يفرق بين الشرك الأصغر والأكبر، وبين النفاق الاعتقادي والعملي، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين الحلال والحرام، كان أشد اهتداء بالكتب ممن لا يفرق.
وربما يؤخذ من هذا أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا فن أخذ به بعض أهل العلم ولاسيما في كتب الفقه، فيذكرون مثلًا: الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، فرجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك. ورجل عبد صنمًا نقول -أيضًا-: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم. العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر إلا أن يضاف إلى حلفه بغير الله جَعْله المحلوف به كالله تعالى في التعظيم، فحينئذ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق.
٢٢ - بيان عقوبة الكفار وهي العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر تستلزم التحذير من الكفر.
٢٣ - الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين:
كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل، لأنه إذا ذكر عقوبة الضد، فإن ضده تثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله - ﷺ -: "وفي بضع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: "أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في
[ ١ / ٢٢ ]