من فوائد قوله ﷿: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
١ - تعظيم هذه القصة؛ لأن الله أمر رسوله أن يبيِّنها للناس إذ إن التقدير (اذكر إذ قالت امرأة عمران).
٢ - جواز النذر في الأمر المجهول؛ لقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، ينبني على ذلك أن يقول القائل: لله علي نذر أن أتصدق بما في بطن هذه الشاة أو هذه الناقة، وينفذ النذر.
٣ - جواز تصدق المرأة بدون إذن زوجها، ووجهه: أنها نذرت تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج.
فإن قال قائل: ما دليلكم أنه بدون إذن زوجها، أفلا يمكن أن تكون استأذنت؟
الجواب: بلى، لكنه لم يذكر.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فإن قال قائل: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، فرق بين أن أسكت عن الشيء وبين أن أنفي الشيء، نفي الشيء ذكر لعدمه، لكن السكوت عنه ليس ذكرًا لعدمه.
قلنا: نقول: هذا ليس في كل مكان، بل نقول: هذا فيما إذا كان هناك نصوص عامة ثم ادعى أحدٌ إخراجها أو تقييدها أو ما أشبه ذلك. هذا هو الذي نقول له: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وأما إذا جاءت قصة مرسلة ولم يذكر فيها قيود فالأصل عدم القيد. وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤيدة لهذا؛ أي أن المرأة تتصرف في مالها، فالرسول - ﷺ - لما خطب النساء يوم العيد وقال: "يا معشر النساء، تصدقن"، فجعلن يلقين من الخواتم والخروص في ثوب بلال (^١). ومن القرآن قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، طبن: أي: النساء. إذن المرأة حرة تتصرف وليس لزوجها أن يمنعها من أي تصرف شاءت، اللهم إلا في مسألة واحدة قد يقال إنه يمنعها من التصرف مثل أن يشتري لها حليًّا وثياب زينة تتجمل بها له، فهنا ربما نقول: إن له أن يمنعها من التصرف في هذه الثياب وهذا الحلي من بيع أو هبة؛ لأن ذلك يضر بمقصوده.
٤ - أن الولد يخدم والده من أم أو أب؛ لأنها قالت: ﴿مُحَرَّرًا﴾ يعني محررًا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.
_________________
(١) رواه البخاري، في كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، رقم (١٤٦٦).
[ ١ / ٢٢٦ ]
٥ - طرد الإعجاب بالنفس؛ وذلك بأن الإنسان إذا عمل عملًا لا يُدِلُّ به على الله يقول: أنا عملت وأنا عملت، بل يعمل ويشعر أنه مفتقر إلى الله ﷿ في قبول ذلك العمل، ولهذا قالت: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، وقال إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، والإنسان إذا علم أنه مفتقر إلى ربه ﷿ في العمل وفي قبول العمل زال عنه الإعجاب، وإذا زال عنه الإعجاب صار حريًّا بأن الله تعالى يقبل منه ويثيبه.
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع، والعليم، والسميع يكون بمعنى استجابة الدعاء وبمعنى إدراك المسموع، والعليم هو: إدراك الشيء على ما هو عليه.
ومن فوائد قوله ﷿: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
١ - أن الأم تتكلف الحمل كما يشعر به كلمة (وضعتها) أنها حاملة لها، وهو كذلك لا شك أنها تتكلف الحمل، وإذا قدَّرنا أن هذا الطفل الذي في بطنها سيبقى تسعة شهور وهي حاملة له في بطنها، في أرق ما يكون من البدن، قائمة وقاعدة ومستيقظة ونائمة، فماذا نتصور من التعب؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، ثم مع ذلك هذا الطفل فى البطن يتحرك وهي تحس به، ولولا لطف الله بعباده ما استطاعت أن تحمل هذا ولكن الله ﷿ يعينها. فيتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي:
[ ١ / ٢٢٧ ]
٢ - عظم حق الأم على ولدها؛ لأن من أحسن إليك وأتعبته كان أحق الناس ببِرك، ولهذا جعلها النبي ﵊ أحق الناس بحسن الصحبة.
٣ - اعتذار الإنسان عند ربِّه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، فإن هذا شبه اعتذار لقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، والأنثى لا تخدم المساجد عندهم فلهذا اعتذرت.
٤ - التوسل إلى الله تعالى بربوبيته.
٥ - أنه من تمام البلاغة الاحتراز عن كل موهم لأمر خطأ، سواء كان في المقال أو في الفعل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ على قراءة الضم.
والمقال كما هنا، وفي الفعال: لما خرج النبي - ﷺ - بصفية ﵂ يقابلها حين جاءت إليه وهو معتكف وتحدثت معه، فقامت لتخرج بالليل فخرج بها ﵊ وإذا برجلين من الأنصار يمران فأسرعا، فقال لهما ﵊: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله، ثم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفت أن يقذف في قلوبكما شرًّا -أو قال: شيئًا-" (^١). لا شك أن أبعد الناس عن سوء الظن هو الرسول - ﷺ - ولاسيما من أصحابه، لا يمكن أن يظنوا به سوء الظن، ومع ذلك خاف
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد، رقم (٢٠٣٥). ورواه مسلم، كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رُئي خاليًا بامرأة، رقم (٢١٧٥).
[ ١ / ٢٢٨ ]
أن الشيطان يلقي في قلوبهما شرًّا أو شيئًا. ولهذا ينبغي للإنسان أيضًا أن يدرأ الغيبة عن نفسه ما استطاع، لا يقول: أنا لا أبالي بالناس "حسبنا الله ونعم الوكيل" هذا طيب، لكن افعل الأسباب التي تدرأ عنك الشر حتى لا يظن الناس بك سوءًا.
٦ - إثبات التفضيل في أوصاف الله من قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ خلافًا لمن منع ذلك وفسَّر أعلم بـ (عالم).
٧ - أنه لا يستوي الذكور والإناث ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لا في الطبيعة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان؛ فالذكر ليس كالأنثى، وإذا كان الذكر ليس كالأنثى، فالأنثى أيضًا ليست كالذكر.
٨ - تسمية المولود حين يولد؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ وهذا هو السنة، أن يسمّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة، فإن النبي - ﷺ - لما ولد إبراهيم قال: "ولد لي الليلة ولد وسميته إبراهيم" (^١). وفي حديث العقيقة قال: "تذبح يوم سابعه، ويحلق ويسمى" (^٢) فيكون الجمع أن من كان مهيأ الاسم قبل الولادة فالأفضل أن يسميه حال الولادة، ومن لم يهيأ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - بالصبيان والعيال، رقم (٢٣١٥).
(٢) رواه أبو داود، كتاب الضحايا، باب في العقيقة، رقم (٢٨٣٧، ٢٨٣٨). ورواه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب العقيقة بشاة، رقم (١٥٢٢). ورواه النسائي، كتاب العقيقة، باب متى يعق، رقم (٤٢٢٠).
[ ١ / ٢٢٩ ]
٩ - في قوله: ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ دليل على التصدق الفضولي.
١٠ - مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله ﷿ من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
١١ - جواز الدعاء للمعدوم من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ لأن ذريتها لم تأتِ بعد، فيجوز أن يقول: (أصلحك الله وذريتك) (وغفر الله لك ولذريتك) وما أشبه ذلك.
١٢ - أن الشيطان عدو لبني آدم حيث يطلب الإنسان من الله ﷿ أن يعيذه منه.
١٣ - بيان قدرة الله ﷾ على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا.
ومن فوائد قوله ﷿: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
١ - أن الله ﷿ سميع، قريب، مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
٢ - أن الله ﷿ منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول
[ ١ / ٢٣٠ ]
الحسن، والنبات الحسن؛ فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.
٣ - أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب، وهو المكوِّن للإنسان والمنُبت له.
٤ - أن الله ﷿ قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير، فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم، لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
٥ - إثبات الحضانة للطفل؛ لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
٦ - أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.
٧ - أن الله ﷿ قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
٨ - أن لكل ضعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منَّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسَّر الله لها من يأتيها بالرزق.
٩ - أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
١٠ - أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
١١ - إثبات أن الله ﷿ يرزق بغير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
[ ١ / ٢٣١ ]