من فوائد قوله ﷿: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
١ - أن أعداء الرسل يكيدون لهم ويمكرون لهم؛ لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ وننتقل من هذا إلى:
أ - أن أعداء الرسل أيضًا يمكرون لأتباع الرسل؛ لأن أعداء
[ ١ / ٣٣٥ ]
الرسل ليسوا يمكرون للرسل أو يمكرون بالرسل من أجل أنهم فلان وفلان لكن من أجل دعوتهم، ودعوتهم إذا ورثها العلماء من بعدهم فإن الذين يمكرون للرسل سيمكرون بأتباع الرسل وورثة الرسل، وينبني على هذه الفائدة:
ب - أنه يجب على أهل العلم أن يتحفظوا تحفظًا كاملًا من أعداء الرسل الذين يتربصون بهم الدوائر، وأن يتقوا شرَّهم بما استطاعوا لئلا يمكروا بهم، والمكر وسائله وطرقه كثيرة، لكن العاقل الذكي ينتبه، ولهذا قال الله ﷿ للرسول ﵊ في المنافقين، قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، فبيّن أنهم هم العدو حقيقة، وأمر بالحذر منهم.
٢ - لا يوصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به؛ ليعود المكر صفة كمال؛ لأن المكر إذا ذكر مطلقًا صار محتملًا للنقص، فإذا ذكر مقيدًا بأن قيل: إن الله ماكر بمن يمكر به وبأوليائه، صار صفة كمال تدل على قوة الله ﷿ وإحاطة علمه، وأن علمه أدق من علم هؤلاء الماكرين الذين يأتون بالأسباب الخفية والطرق الملتوية ليوقعوا عباد الله في الشر، فيكون الله ﷾ أقوى منهم في ذلك، فإذا مكروا مكر الله ﷿، ولا يجوز أن يسمى الله بالماكر مطلقًا، ولا يوصف بالماكر على سبيل الإطلاق، وقد سبق أن الله وصف نفسه بالمكر والكيد والسخرية والخداع والاستهزاء ولم يصف نفسه بالخيانة أبدًا؛ لأن الخيانة صفة ذم بكل حال ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾
[ ١ / ٣٣٦ ]
[الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خديعة في مقام الائتمان، والخديعة في مقام الائتمان صفة ذم ونقص.
٣ - جواز المفاضلة بين الخالق والمخلوق في الوصف كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، و(خير) اسم تفضيل التفضيل فيجوز أن يفاضل بين الخالق والمخلوق، لأن هذا مطابق للواقع تمامًا، فالله تعالى أكمل من كل ذي كمال، ومنه تتفرع قاعدة وهي خطأ بعض أهل العلم ﵏ حيث يفسرون اسم التفضيل المنسوب إلى الله باسم الفاعل، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، يقولون: الله عالم حيث يجعل رسالته، ولم يتفطنوا أنهم إذا قالوا: الله عالم، لم يمنع مشاركة غيره في العلم مع المساواة، لكن إذا قالوا: الله أعلم، امتنع مشاركة غيره له في العلم الذي هو أعلم به من غيره.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾:
١ - التنبيه على أنه ينبغي أن نذكّر الناس بأحوال الأنبياء السابقين، وجه ذلك: أننا قدرنا ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بـ (اذكر إذ قال الله). فينبغي أن يذكّر الإنسان الناس بأحوال الأنبياء السابقين لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم، وغير ذلك من المصالح العظيمة.
٢ - إثبات القول لله وأنه بحروف وبأصوات مسموعة؛ لقوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وهذا خطاب من يسمع، ثم هو كلمات من
[ ١ / ٣٣٧ ]
حروف أو من غير حروف؟ من حروف، ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كلامًا مسموعًا بحرف وصوت.
٣ - الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، فإن هذا لا يسمى قولًا وإن أطلق عليه القول فلابد أن يقيد كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، فلما أراد القول النفسي قيَّده (يقولون في أنفسهم) أما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو الكلام النفسي القائم بنفسه، وأنه أزلي لا يحدث ولا يصدق بعضه بعضًا؛ لأنه معنى قائم بالنفس. والحقيقة أن هذا القول مضمونه إنكار كلام الله، ولهذا قال بعض منصفيهم: ليست بيننا وبين المعتزلة فرق؛ لأننا نقول جميعًا: إن هذا القرآن الذي في المصحف مخلوق؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم (بما يسمع) بنفسه لكن يخلق كلامًا يعبر به عما في نفسه، وعلى هذا فالمسموع والمقروء والمكتوب مخلوق، فيتفق المعتزلة والأشاعرة، بل إن المعتزلة خير منهم من جهة النسبة؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، وأولئك يقولون: هذا عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، المهم أن هذه الآية وأمثالها فيها الرد على الأشاعرة.
٤ - فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك خصوصًا أنه قال له: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. . . إلخ.
٥ - أن الله ﷾ رفع عيسى بجسمه؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، والخطاب لعيسى المكون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه.
[ ١ / ٣٣٨ ]
٦ - إثبات منقبة لرسول الله - ﷺ -، وذلك أن النبي - ﷺ - أسري به إلى السموات السبع حتى اخترقها كلها وهو يقظان، وعيسى لم يُرفع إلا وهو نائم؛ لأن قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: منيمك على أحد الأقوال وهو أقربها، ومعلوم أن ثبات قلب من يباشر الشيء وهو يقظان أقوى من ثبات من يباشره وهو نائم. ولهذا تجد بعض الناس إذا سمع الرعد الشديد والبرق الخاطف يغمض ويضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع ويقول: ليتني نمت قبل هذا، والإنسان الثابت الذي يقول: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، تجده لا يهتم.
المهم أن النبي - ﷺ - أسري به يقظة بروحه وبدنه، وعيسى عندما أراد الله أن يرفعه أنامه.
٧ - منقبة لعيسى أخرى حيث قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، فأضاف رفعه إلى نفسه ﷿، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمَّه إليه ورفعه إليه، ليكون أقرب إليه مما لو كان في الأرض.
٨ - أن الله ﷿ منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يلحقه من الكفار حيث قال: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وذلك بالدفاع عنه، فإن الذين كفروا قالوا: إنه ولد زنا، قاتلهم الله، فطهره الله لما قالوا: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٧، ٢٨]، من أين جاءك الزنا؟ ! لأن هذا تعريض، يقولون: أبوك ما كان امرأ سوء بل هو نزيه وأمك كذلك فمن أين جاءك الزنا؟ أعوذ بالله. لم تجاوبهم بل أشارت إليه: اسألوا الطفل، قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فأجابهم قبل أن يسألوه، ماذا
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال؟ قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] هذا تطهير عظيم له ولأمه ﵂.
٩ - أن كلَّ من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر؛ لأنه لم يقل مطهرك من الذين قدحوا فيك، قال: من الذين كفروا، فيستفاد من هذا أولًا كفر هؤلاء، وثانيًا: أن كل من رماه بذلك فهو كافر.
١٠ - أن نصرة الأتباع نصرة للمتبوع.
١١ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وسبق لنا أن أتباعه بعد بعثة الرسول - ﷺ - هم أمة محمد، ومن كفر بمحمد فإنه لم يتبع عيسى، وذكرنا وجهًا آخر أن النصارى سيكونون فوق غيرهم من ملل الكفر، لكن الإسلام فوق الجميع، ولكن متى يكون الإسلام فوق الجميع؟ إذا رجع المسلمون إلى الإسلام حقيقة، أما إذا لم يرجعوا إلى الإسلام حقيقة فيخشى أن يكون النصارى فوقهم، والواقع الآن مع الأسف الشديد هو هذا.
١٢ - إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ويوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس للجزاء إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
١٣ - إطلاق الفوقية على الفوقية المعنوية، يعني معناه أنهم يكونون فوق رؤوسهم فوقية معنوية، لا حسية، وفي هذا إثبات للفوقية المعنوية كالفوقية الحسية.
١٤ - أن مرجع الخلائق إلى ربهم ﷿ الذي ابتدأ خلقهم وستكون النهاية إليه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾، ولابد.
[ ١ / ٣٤٠ ]
ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الانشقاق: ٦]، الإنسان -كل إنسان- مخاطب وليس فقط المؤمن: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ و(إلى) للغاية، أي النهاية إلى الله، ثم أكد هذه النهاية بقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ يعني فاستعد لهذا اللقاء.
١٥ - إثبات حكم الله في الدنيا والآخرة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، هذا في الآخرة، وفي الدنيا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فالحكم كله راجع إلى الله ﷿، والله تعالى هو الحكم في الدنيا وفي الآخرة.
١٦ - بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، وقد أخبرنا الله ﷿ أن الخاصم الغالب هم المؤمنون، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، الحمد لله، انظر (سبيلًا) نكرة في سياق النفي.
١٧ - ثبوت علو الله تعالى بذاته، لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، لأن الرفع معروف أنه الصعود إلى أعلى، فإذا قال: (إلي) علم يقينًا أن الله ﷿ فوق وهو كذلك، هو فوق كل شيء بذاته، ولا ينافي هذا ما ثبت من أنه ﷿ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر (^١)، هو النازل وهو عالٍ، ولا ينافي هذا أيضًا أنه مع الخلق كما قال ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، رقم (١١٤٥). ورواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، رقم (٧٥٨).
[ ١ / ٣٤١ ]
مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فهو مع الخلق وهو عالٍ عليهم كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: "عليٌّ في دنوه، قريب في علوه". ولا ينافي هذا أيضًا أنه يأتي يوم القيامة للفصل بين العباد، فهو يأتي ولكنه فوق كل شيء، ولا ينافي هذا أنه يدنو عشية يوم عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة (^١).
فإذا قال قائل: كيف لا ينافي هذا، أنا لا أتصور أن شيئًا يكون عاليًا نازلًا أبدًا.
قلنا: تبًّا لك، أنت لا تتصور هذا بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق، حق لا يتناقض وليس فيه غير ممكن أبدًا، إذا قلت: لا يمكن، معناه أنك لن تصدق أخبار الله ورسوله إلا إذا وافقت هواك وإلا فلا، ولهذا ضلَّ مَنْ ضلَّ من الناس في مثل هذه الأمور حيث قالوا: هذا غير ممكن، وهذا غير ممكن، وبنوا عقيدتهم على أهوائهم. إذا كنت تريد أن تبني عقيدتك على هواك فما الفائدة من الرسل؟ لا فائدة من الرسل، إذا كنت أنت تريد أن تبني العقيدة على ما تهوى أنت وإذا جاءت الرسل بكلام يخالف ما عندك ذهبت تحرِّفه، إذن لا فائدة من الرسل. ولهذا أنصح دائمًا وأبدًا وأكرر أن يقبل المسلم كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله ﷿.
ومن صفات اليوم الآخر أيضًا -لأنه في اليوم الآخر أشياء لا تكون في الدنيا- دُنُوُّ الشمس من الناس قدر ميل يوم القيامة، ولو كان في الدنيا لاحترقت الأرض ومن عليها، لكن أحوال
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده، رقم (٧٠٤٩).
[ ١ / ٣٤٢ ]
الآخرة شيء آخر، وأحوال الناس مختلفة، هذا في نور وهذا في ظلمة والموقف واحد. أما في الدنيا فغير ممكن لو أتيت بأدنى سراج معك لانتفع به مَنْ إلى جانبك، وفي الآخرة الناس يُعرفون على قدر أعمالهم، فمنهم من يلجمه العرق، ومنهم من إلى كعبيه والمقام واحد، فأمور الآخرة وأمور الغيب كلها لا يجوز لك أن تقيسها بما تشاهده في الدنيا؛ لأن القياس هنا ممتنع، فهو قياس مع الفارق لاسيما في صفات الخالق ﷿، فإن الفارق بعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولذلك حذار أن تقيسَ ما أثبت الله لنفسه من صفات جل وعلا بما تعرفه من صفات المخلوقين؛ فإنك ستضل لا محالة.
١٨ - أن مرجع الخلائق إلى الله نهايةً وحكمًا، فإن الناس يبعثون يوم القيامة إلى ربهم حكمًا يحكم بينهم.
١٩ - إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وهذا حكم جزائي.
٢٠ - أن الخصومة تقع بين المؤمنين والكافرين في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، ويحتمل أن يقال: إن هذا حكم سبقت الخصومة فيه في الدنيا حيث كان الكفار والمنافقون يختصمون، ولكن الأول أقرب ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١].
٢١ - أن الاختلاف بين المسلمين والكفار اختلاف جوهري يحكم الله فيه بين هؤلاء وهؤلاء يوم القيامة، وأما الاختلاف بين المسلمين فيما مصدره الاجتهاد، فإنه لا يحكم بينهم؛ لأن المجتهدين وان اختلفوا في الحكم فإنهم لم يختلفوا
[ ١ / ٣٤٣ ]
في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهم يعذر الآخر ولا يرى أنه مخالف له، وإن خالفه في القول والرأي لكنه لم يخالفه في المنهج والطريقة، كل واحد منهم يريد الحق ولكن اختلفوا في كيفية الوصول إليه.
٢٢ - إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ إذ لا حكم إلا بعد علم، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "إنما أقضي بنحو مما أسمع" (^١).
ومن فوائد قول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
١ - إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
٢ - ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: إن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يعذب الكفار في الدنيا ويهزمون ويؤسرون، وتسبى ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.
٣ - إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾.
٤ - أن الجزاء من جنس العمل، فكلما كان العمل أسوأ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، رقم (٧١٦٩).
[ ١ / ٣٤٤ ]
كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
٥ - أن العذاب -عذاب الكافرين- يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات وما أشبه ذلك، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وهذا يكون بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله ﷿، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.
٦ - أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك لأن هؤلاء الكفار إذا عذبوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يقتلون، والنساء والذرية يسبون، والأموال والأراضي تغنم، وهذا لا ناصر لهم فيه.
فإذا قال قائل: أليس الإمام يخير في الأسرى بين أمور أربعة: إما القتل أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو بالاسترقاق يجعله رقيقًا يباع ويشترى، أو بالمنّ مجانًا، ولا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، وإنما الإشكال في الأخير وهو المن وهذا ليس بعذاب.
فالجواب على ذلك نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة. فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهٍ واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلابد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين، فلأن
[ ١ / ٣٤٥ ]
كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
٧ - بلاغة القرآن وحكمة القرآن، بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة، لأن الإتيان بالمعاني المتقابلة توجب نشاط الإنسان حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله، فيزداد نشاطًا وشغفًا. وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء.
٨ - أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان، والعمل الصالح.
فالإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من عملٍ صالح ينمّي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (^١).
٩ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين:
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢). ورواه مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩).
[ ١ / ٣٤٦ ]
أ - الإخلاص لله.
ب - المتابعة لرسول الله - ﷺ -.
أي: ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض ﵀.
١٠ - منّة الله ﷾ على عباده حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، والفرق بين التعبيرين ظاهر هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.
١١ - إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم، ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي ﵀ على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا، وهذا واضح.
١٢ - شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك.
١٣ - أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رتّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله ﷾، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير.
[ ١ / ٣٤٧ ]
١٤ - ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ .
الجواب: نعم هناك فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر، ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى.
الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة تستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بـ (أُعذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله ﷾ للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: (فيوفيهم أجورهم) ولم يسند الإيفاء إلى نفسه ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن هناك فرقًا بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم وأن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ١ - ٣]، فقال: (عبس) ولم يقل: (عبست) وقال: (وما يدريك) ولم يقل: (وما أدراه) أو (وما يدريه) فهذه -والله أعلم- الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يشكرون عليه ويحسن إليهم مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله ﷿ وثوابه وجزائه، قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢]، فصار في تغيير
[ ١ / ٣٤٨ ]
الأسلوب في الآيتين فائدتان: لفظية ومعنوية، اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والمعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
١ - أن الله ﷿ تكلم في القرآن فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذ كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول - ﷺ -، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نسب فعله إلى الله فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل.
٢ - أن القرآن الكريم آية بل آيات كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله له قلبه بالإيمان والعمل، واعتقد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مرَّ الكرام، ولا يتحرك بها قلبه، ولا يتأمل هذه الآيات؛ فإنه لا ينتفع بما في القرآن من الآيات، لابد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر.
٣ - أن القرآن ذِكْرٌ، لكن هل هو ذكر يتقرب إلى الله به أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله لأن من تلاه فله بكل حرف عشر حسنات،
[ ١ / ٣٤٩ ]
وهو ذكر يتذكر به الإنسان .. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، قيل: هو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر ثلاثة معان:
أ - ذكر يتقرب به إلى الله بتلاوته.
ب - وذكر يتذكر به الإنسان.
ج - وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به.
٤ - وصف القرآن العظيم بهذا الوصف العظيم وهو الحكمة والذكر الحكيم، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمُحْكم؛ لأن القرآن حكم بين الناس ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، أي: إلى كتابه، فهو حَكَم، وهو أيضًا محكم متقن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.
٥ - أنه لا يوجد حكم دلَّ عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من الحكيم؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكم حَكم به القرآن فإنه في موضعه لا يقول العاقل: ليته لم يحكم به، أبدًا سواء كان ثبوتيًا أو سلبيًا.
٦ - فضيلة الرسول ﵊ في قوله: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه - ﷺ - بالتلاوة عليه لأنه - ﷺ - أشرف من يتلقى القرآن، وأقوم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾.
[ ١ / ٣٥٠ ]