١ - بيان قدرة الله ﷿ حيث يصور المخلوقات في الأرحام.
٢ - أن صور المخلوقات يكون تصويرها بأمر الله وإذنه كيف يشاء، هذا أبيض وهذا أسود، وهذا جميل وهذا قبيح، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا غليظ وهذا دقيق وهكذا، بل ويشمل أن هذا ذكر وهذا أنثى؛ لأن صورة الذكر تختلف عن صورة الأنثى.
٣ - بيان رحمة الله ﷿ حيث يتولى شؤون الجنين ويصوره، لا يخرج غير مصور. لو شاء الله لخرج الجنين غير مصور ثم يصور شيئًا فشيئًا، كما ينمو عقله، ولكن من حكمة الله ورحمته أنه لا يخرج إلا على الصورة التي أرادها الله ﷿.
فإذا قال قائل: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يستفاد منها أن هذا التصوير لا يرجع إلى فعل العبد وإنما يرجع لمشيئة الله ﷿ وهو كذلك، ولكن هذا لا ينافي أن تكون الصورة قريبة من صورة الأب أو من صورة الأم أو الجد أو الجدة، يعني أن يكون هذا الجنين قد نزعه عرق من آبائه وأمهاته وأقاربه، هذا لا يمنع، لأن الله ﷿ قد جعل لكل شيء سببًا، ويدل لهذا قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود -وكان الرجل وزوجته أبيضين- كأنه يعرِّض بزوجته
[ ١ / ٢٧ ]
ما الذي أتى بالأسود لها؟ فقال له النبي - ﷺ -: "هل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ (الأورق: الفضي بين البياض والسواد) "، قال: نعم، قال: "أَنَّى لها ذلك؟ "، قال: لعله نزعه عرق، فقال الرسول - ﷺ -: "فابنك هذا لعله نزعه عرق" (^١). فاقتنع الرجل، لأن هذا قياس جلي واضح.
الشاهد قوله: "لعله نزعه عرق"، فيستفاد من ذلك أن هذه الكيفية التي يريدها الله ﷿ في الأرحام لا يمنع أن يكون قد نزعها عرق من آبائه أو أمهاته أو أجداده أو جداته.
٤ - إثبات المشيئة لله تعالى؛ لقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقد سبق لنا أن المشيئة إذا أطلقت فهي مقرونة بالحكمة، فما من شيء يشاؤه الله إلا لحكمة.
فإن قال قائل: هل في الآية دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يعمل عملية تجميل لقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾، حيث جعل التصوير راجعًا إلى مشيئته وحده. قد يقال ذلك، وقد لا يقال؛ لأن الله تعالى أخبر في آيات كثيرة بأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يعني يضيق، ولا نقول: إن الإنسان ممنوع من أن يفعل الأسباب التي يكون بها بسط الرزق؛ لأن البسط راجع إلى مشيئة الله! ولكن هناك فرق بين مسألة بسط الرزق وطلب البسط وهذه المسألة؛ لأن النصوص وردت بمنع التجميل، فقد ثبت عن النبي ﵊، أنه "لعن النَّامصة
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب إذا عرض بِنَفي الولد رقم (٥٣٠٥). ومسلم، كتاب اللعان، رقم (١٥٠٠).
[ ١ / ٢٨ ]
والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة، والواشمة والمستوشمة" (^١). وهذا يدل على أن الإنسان ممنوع من التجميل، والمراد التجميل الذي يكون دائمًا. أما التجميل الطارئ كتجمل المرأة بالحناء وشبهه فلا بأس به.
فإذا قال قائل: هل في الآية ما يدل على منع إزالة العيوب لقوله: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾، كما إذا خرج صبي له ستة أصابع في كل يد فهل يجوز أن نقطع الإصبع الزائد؟
فهذا ليس من باب التجميل ولكنه من باب إزالة العيب. وإزالة العيب جاءت السنّة بجوازه، فإن الرجل الذي قطع أنفه أذن له الرسول ﵊ أن يتخذ أنفًا من وَرِق -يعني من فضة- فأنتن! فأذن له أن يتخذ أنفًا من ذهب (^٢). فهذا يدل على أن إزالة العيب ليست كجلب الجمال. وعلى هذا فيجوز قطع الإصبع الزائدة، ولكن بعض أهل العلم صرح بالتحريم إلا أنهم علَّلوا ذلك بأنه يُخشى على من قطعت إصبعه أن يموت بنزيف
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب المتفلِّجات للحسن، رقم (٥٩٣١). ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة، والمتفلجات والمغيرات خلق الله، رقم (٢١٢٥). وليس عندهما لعن الواشرة والمستوشرة. وقد أخرج أحمد (١/ ٤١٥) لعن الواشرة. وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٢). وأبو داود، كتاب الخاتم، باب ما جاء في ربط الأسنان بالذهب، رقم (٤٢٣٢). والترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في شد الأسنان بالذهب، رقم (١٧٧٠)، وقال عنه: هذا حديث حسن غريب.
[ ١ / ٢٩ ]