١ - في هذه الآية دليل على أن النبي - ﷺ - له من يحاجه من أعدائه، وهو كذلك فإنهم حاجوه في أصل الدين، وفي فروع الدين، وسخروا منه، وأوجدوا الشبهات الكثيرة.
٢ - أن هؤلاء الذين يحاجون الرسول ﵊ لا يحتاجون إلى كبير عناء؛ لأنهم يحاجون على أمر واضح،
[ ١ / ١٣٥ ]
ولهذا أمره الله أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، فإن أسلمتم فهو لكم، وإن لم تسلموا فعليكم.
ويتفرع على ذلك أنَّ من علمت أنه إنما يحاجك لقصد نصر قول، ولو كان باطلًا، فلك أن تعرض عنه؛ ولتقل: هذا ما أدين الله به، وهذا ما أستسلم له وتدعه؛ لأنه معاند مكابر، وليس أهلًا لأن تدخل معه في محاجة أو خصومة.
٣ - أن أتباع رسول الله - ﷺ - يحذون حذوه في إسلامهم لله، وتفويض الأمر إليه؛ لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.
٤ - أن الوجه أشرف الأعضاء، وهو الذي يكون به الانقياد وعدمه؛ لقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. ولهذا كان أقرب ما يكون العبد من ربِّه إذا كان ساجدًا؛ لأنه يضع أشرف أعضائه على موطئ الأقدام.
٥ - أن النبي - ﷺ - متبوع لا تابع؛ لقوله: ﴿. . . وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، ويتفرع على ذلك أن الواجب على من تبين له الحق أن يأخذ به، إذا كان يريد أن يكون من أتباع الرسول - ﷺ -، أما من يلوي أعناق النصوص إلى قوله، فهذا ليس بمتبع حقيقة؛ لأن بعض الناس إذا قال قولًا، وجاء في النص القرآني أو النبوي ما يخالف قوله، حاول أن يلوي عنق النص، ويحرف النص من أجل أن يكون موافقًا لقوله، وهذا حرام؛ لأنك أنت تابع، ولست بمتبوع.
٦ - أنه لا يمكن أن يكون قول أحد من أهل العلم حجة على الآخرين؛ لأن الكل تابعون لا متبوعون.
٧ - النداء بالسفه والبلاهة على من جادل وعارض دون أن
[ ١ / ١٣٦ ]
يستسلم لله؛ لقوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾، وإن جعلناها أمرًا فالأمر واضح.
٨ - بيان عظيم منة الله ﷿ على العرب ببعثة الرسول - ﷺ -، ووجه ذلك: أنه قال ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وفرق بين الوصفين، بين من أوتي الكتاب، وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكنهم ببعثة الرسول ﵊ كانوا هم أهل الكتاب حقًّا؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل على رسول الله - ﷺ - وصفه الله بأنه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾ [المائدة: ٤٨].
٩ - وجوب الإسلام لله سواء قلنا إن الاستفهام للإنكار على هؤلاء، أو قلنا إنه للأمر؛ فإنه يدل على وجوب الإسلام والاستسلام لله ﷿.
١٠ - أن أهل الهدى هم المسلمون؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.
١١ - أن من لم يسلم فهو ضال؛ فإن كان قد علم بالحق كان من الضالين المغضوب عليهم؛ لأن كل من علم الحق ولم يتبعه فهو مغضوب عليه.
قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
١٢ - في هذه الجملة تحذير من تولى بعد أن دعي؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
١٣ - أنه لا يجب على الداعية إلا البلاغ، أما الهداية فإلى الله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.
[ ١ / ١٣٧ ]
١٤ - وجوب البلاغ على رسول الله - ﷺ -؛ لقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، وكذا من آتاه الله علمًا بهذا الوحي وجب عليه البلاغ، خلفًا لرسول الله - ﷺ -.
١٥ - الإشارة إلى أن الإنسان لا يُسْأَلُ عن عمل غيره، فيقوم بما يجب عليه، وأما غيره فأمره إلى الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، ولم يقل: فإنما عليك إثمهم. وقد أشار النبي ﵊ إلى ذلك حين قال له قوم: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال لهم: "سموا أنتم وكلوا" (^١)، تنبيه إلى أنك إنما تطالب بفعلك، أما فعل غيرك فلست منه في شيء.
١٦ - عموم علم الله ﷿، لقوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: بجميع أحوالهم، ويتضمن التحذير من مخالفة الله.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].