١ - أنه ليس كل من أعطي علمًا يوفَّق للعمل به؛ لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾.
٢ - التعجب من حال هؤلاء؛ حيث إنَّ عندهم العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله ﷿.
٣ - أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دُعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا بالحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق.
٤ - أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله؛ لقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾.
٥ - أنه لا حكم إلا لله، بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرِّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرَّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله ﷿. اللهم إلا أن يعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فِعْلُه من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره.
٦ - أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال؛ لأنه لم يخصص منها شيء.
ويتفرع على هذه الفائدة: الردُّ على من قال: إن الشرع إنما
[ ١ / ١٤٥ ]
جاء في تنظيم العبادات فقط. أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي - ﷺ - قدم المدينة ورأى الناس يؤبرون النخل -أي يلقحونها- فقال الرسول ﵊: "ما أرى ذلك يغني شيئًا" هذا أو معناه، فتركوا التأبير، ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يؤبر فسد، فلما حصلت الثمار جاءوا إلى النبي - ﷺ - يخبرونه، فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (^١).
قالوا: فوكَّل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا؛ وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع. ولكن هذا فهم خاطئ، بل باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية، كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب والتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة. فكم من عالم عنده علم واسع غزير في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب، وإبرة من أحسن الإبر.
ومسألة الصحابة ﵃ في التأبير مسألة فنية بلا شك، تدرك بالتجارب. والنبي ﵊ كما نعلم ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فأهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، كانوا أعلم منه بذلك.
ولا يعارض هذا أننا نرجع إلى العرف فى أمور كثيرة؛ لأنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي، رقم (٢٣٦٣). وقوله: "ما أرى ذلك يغني شيئًا" ليس في رواية مسلم، وإنما ورد عند ابن ماجه، رقم (٢٤٧٠) بلفظ: "ما أظن. . .".
[ ١ / ١٤٦ ]