١ - بطلان الأماني وأن النفس قد تُمني الإنسان ما لا يكون، لأن هؤلاء منتهم أنفسهم حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
٢ - تحذير الإنسان أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى. وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي، ويمنون أنفسهم بالمغفرة إذا وقعوا في المعصية.
صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال أيضًا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨].
فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمغفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة، لأن المقام مقام سلطان وعلو.
يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهو يريد أن يزني ويسرق ويشرب الخمر ويعمل كل شيء دون الشرك، ثم يقول: إن الله يقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا خبر من الله ﷿ وهو أصدق القائلين! !
فنقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى، أو أعور لا تنظر إلا
[ ١ / ١٤٨ ]
بعين واحدة. فالله يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، وأنت لا تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له، إذن أنت على خطر. على أن الذي يستخف بالمعصية، ويُلَبِّس على نفسه وعلى الناس، قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له -والعياذ بالله- لأن هذا مستهتر مستهين.
٣ - أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان؛ لقوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ويتفرع على هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله، وباليوم الآخر، دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا، فمجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، ودليل هذا نصوص كثيرة، منها: أن أبا طالب عم رسول الله - ﷺ - كان يقر بأن رسول الله - ﷺ - حق، ويقول:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعني بقول الأباطل
ويقول:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
ومع ذلك: لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان. وختم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: هو على ملة عبد المطلب (^١)، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن النبي - ﷺ - أذن الله لنبيه محمد - ﷺ - أن يشفع له، فشفع، فكان في ضحضاحٍ من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، رقم (٤٧٧٢). ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، رقم (٢٤).
[ ١ / ١٤٩ ]
الآبدين (^١)، وهذا أهون أهل النار عذابًا -أجارني الله وإياكم منها- ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق، بمعنى أنه سلم من العذاب أبدا، ولم نعلم أن كافرًا خفف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب.
٤ - أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين؛ لقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، فيغتر بأنه يصلي ويزكي ويصوم ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذب. وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يقبل منك هذ العمل. كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطل سابق أو لاحق.
فالسابق كعدم الإخلاص مثلًا، واللاحق: كالإعجاب بالعمل، والإدلال به على الله ﷿، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربِّه.
وقد يبتلى الإنسان بالبدعة! ! كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن لجهلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيكون عملهم مردودًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول ﵊؛ لقوله - ﷺ -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٣). ومسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم (٢٠٩).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ومحدثات الأمور، رقم (١٧١٨).
[ ١ / ١٥٠ ]