١ - في هذه الآية دليل على عِظَم ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾.
٢ - وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، حيث خسروا دينهم ودنياهم.
٣ - إثبات اليوم الآخر؛ لقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
٤ - أن من كفر باليوم الآخر أو شكَّ فيه فهو كافر؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
٥ - أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. والإنسان قد يوفى شيئًا من عمله في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] مخرجًا من كل ضيق، وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء. وهناك جزاء آخر أعظم وأنفع وهو الهدى. قال الله
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٧٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. الهدى والعمل الصالح أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان منه انشرح صدره، واستنار قلبه، واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه، وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: "جعلت قرة عيني في الصلاة" (^١)، والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح بأمرين عظيمين:
الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح، فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له، وإنابة إليه.
الأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله - ﷺ -، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمَّد - ﷺ -، فيزداد محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا لقوله، وتعظيمًا لهديه وسنته. وهذا أعظم كسب؛ أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى.
٦ - انتفاء الظلم عن الله ﷿؛ لأن قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾ وقوله: ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ فاعلهما معروف، فالموفي الله، والذي لا يظلم الله، وانتفاء الظلم عن الله ﷾ هو من الصفات التي يسمونها بالسلبية، ويكون نفي الظلم لكمال العدل، فنأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات، وهي: (أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضد).
_________________
(١) أخرجه أحمد، رقم (١١٨٨٤). والنسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، رقم (٣٩٣٩).
[ ١ / ١٥٤ ]