١ - تعليم الله ﷿ نبيه محمدًا - ﷺ - أن يفوض الأمر إليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، والخطاب الموجه للرسول - ﷺ - موجه لأمته، إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإِمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه، إلا إذا دلَّ الدليل على أنه خاص به، فيكون خاصًّا به.
٢ - بيان تمام ملك الله ﷾ وسلطانه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾.
٣ - أن الله ﷾ يؤتي الملك من يشاء؛ لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾.
٤ - أن ملك المخلوقين ليس ملكًا استقلاليًا، بل هو بإعطاء؛ لقوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾، والملك الذي بإعطاء لا شك أنه ناقص عن ملك المعطي. وقد جاء في الحديث الصحيح: "اليد العليا خير من اليد السفلى" (^١).
٥ - إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾، وكل أمر قرنه الله بالمشيئة، فإنه مبني على الحكمة؛ متى اقتضته شاءه الله. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
٦ - تمام ملك الله وسلطانه أيضًا، في كونه يحرم الملك من يشاء، وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء؛ لقوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلَّا عن ظهر غنى، رقم (١٤٢٧). ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، رقم (٢٣٨٦).
[ ١ / ١٦٠ ]
٧ - بيان تمام ملك الله وسلطانه، لكون العزة من عنده ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾.
٨ - أن الله ﷾ تام الملك والسلطان لكونه يذل من يشاء، ولو بلغ ما بلغ من العزة البشرية، فإن يد الله فوقه مهما بلغ الإنسان من العز. فالله قادر على إذلاله. ولذلك أمثلة كثيرة، منها: قصة فرعون، فإن فرعون طغى وقال: أنا ربكم الأعلى، وافتخر بما عنده من الأنهار، فأهلكه الله بمثل ما افتخر به، فأغرقه بالماء. وعاد استكبروا في الأرض وقالوا: من أشد منا قوة، فأهلكهم الله تعالى بالريح، وهي من ألطف الأشياء، لكنها من أشد الأشياء مع لطافتها، فالله ﷿ يذل من يشاء.
ويتفرع على هذه الفائدة: أننا متى علمنا أن الإعزاز والإذلال بيد الله، فإننا لا نطلب العزة إلا به ﷿. ولهذا نقول: من ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل.
وكذلك يتفرع على هذا: أنه ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله دائمًا من الذل الحسي والمعنوي؛ لأن الله تعالى هو الذي بيده الإذلال؛ من شاء أذله، ومن شاء أعزه.
٩ - أن الله ﷾ بيده الخير.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان الخير بيده، فلا يطلب الخير إلا منه؛ لأنه لا أحد بيده الخير إلا الله ﷾، فهو الذي يطلب منه الخير.
١٠ - أن الشر لا يضاف إلى الله، وإن كان ﷿ هو الذي خلق كل شيء؛ لأن أفعاله كلها خير، والشر في
[ ١ / ١٦١ ]
المفعولات. ثم هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرًا؛ فكم من مرض صار سببًا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها، صارت أسبابًا للنمو الاقتصادي من جهة أخرى.
١١ - عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذا يشمل ما كان من أفعاله، وما كان من أفعال الخلق، فيكون في ذلك رد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الإنسان مستقل بإرادته وعمله، فإذا كانت بقدرة الله قلنا: يلزم أن يكون مرادًا ومخلوقًا لله؛ لأنه مادام الأمر بقدرته، فلابد أن يكون مخلوقًا له، ومرادًا له.
١٢ - الرد على كلمة وقعت من بعض المفسرين، ومنهم الجلال السيوطي ﵀، في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، حيث قال: خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فإن هذه كلمة باطلة؛ هو أراد معنى حقًّا والله أعلم، لكن التعبير بهذا خطأ. فنقول: إن الله قادر على كل شيء يتعلق بفعله أو بفعل عباده، فكل شيء يفعله الله فهو بقدرته ﷾، وكل شيء يفعله العباد فهو أيضًا بقدرته. وهذا التخصيص غير صحيح بل العقل يشهد لله تعالى بكمال القدرة وعمومها، وأنه على كل شيء قدير.
١٣ - الاستغناء بالثناء عن الدعاء؛ لأنك إذا تأملت الآية هذه لم تجد فيها دعاء أي طلبًا، لكن الثناء مما يتوسل به إلى الله. فهنا الثناء يتضمن ما تدل عليه هذه الجملة؛ فإذا قلت: أنت الذي تعز، وأنت الذي تذل؛ فمعنى هذا، أو فمقتضى هذا: أنك تسأل الله أن يعزك ولا يذلك، ولهذا قال الشاعر:
[ ١ / ١٦٢ ]