١ - وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
٢ - عموم علم الله ﷿ بما أخفاه الإنسان وما أبداه.
٣ - أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب؛ لأنه قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾. وهذه المسألة اختلف فيها أهل الكلام. هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ ولكن من تأمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجد أن العقل في القلب.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وهذه الآية نصٌّ صريح على أن العقل في القلب، ونصٌّ صريح على أنه ليس المراد بالعقل القوة المعنوية التي في المخ، وإنما المراد بالقلب القلب الحقيقي، قطعة اللحم التي في الصدر؛ ولهذا قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ والخالق أعلم بما خلق. ولكن الدماغ لا شك أن له تأثيرًا؛ لأن الدماغ يتصور الشيء ويرتبه ويجهزه، ثم يرسله إلى القلب، وينتظر الأوامر، ثم يصدر القلب الأوامر إلى المخ، والمح يوجه الأوامر إلى الجوارح. ولهذا قال النبي ﵊: "ألا وإن في
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا، رقم (١٨٧).
[ ١ / ١٧٩ ]
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (^١).
وأما ما اشتهر عند الأطباء الآن أن القلب مضخة فقط، مضخة يصفي الدم ويرسل، ويستقبل الدم الفاسد وينظفه ويرسله إلى العروق والشرايين، فهذا ليس بصحيح. نوافقهم على أن للدماغ تأثيرًا، ولكن وجه التأثير فيه أنه -بإذن الله- قابل لكل ما يأمر به القلب.
٤ - في هذه الآية أيضًا ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله وليس له فيه إرادة. ووجه الرد عليهم: أن الله أضاف الفعل إلى الإنسان فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾، إن تبدوا.
٥ - أن الله محيط بكل شيء علمًا، حتى ما بين جوانح الإنسان؛ لقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فلا يخفى عليه شيء مما في نفس الإنسان؛ بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم يحدث به الإنسان نفسه، بأنه سيحدث به نفسه، في الوقت والمكان المعين.
٦ - التحذير من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله؛ لأن الله إنما أخبرنا عن علمه بذلك تحذيرًا لنا من أن نخفي في صدورنا ما لا يَرضَى.
٧ - عموم علم الله في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والآيات في العلم متنوعة؛ تارة تكون مجملة، وتارة
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٥١).
[ ١ / ١٨٠ ]
تكون مفصلة، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الإنسان، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الله ﷿؛ لأن صفة العلم متى آمن بها الإنسان أوجب له ذلك أمرين:
الأمر الأول: الهروب من معصية الله، فلا يجده الله ﷿ حيث نهاه.
الأمر الثاني: الرغبة في طاعة الله، فلا يفقده حيث أمره؛ لأنه يؤمن بأن الله تعالى يعلمه.
٨ - إثبات السموات، وأنها جمع، وقد صرح الله في كتابه أنها سبع؛ فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]. وأما الأرض فإنها تأتي مفردة، ولم تأت في القرآن مجموعة، لكن جاءت في السنة مجموعة، وفي القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإن المثلية هنا بالكيفية متعذرة، وإذا تعذرت المثلية في الكيفية، لزم أن تكون المثلية في العدد؛ كما نقول: "سبحان الله عدد خلقه، والحمد لله مثل ذلك" يعني عدد خلقه.
٩ - إثبات قدرة الله ﷿؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾.
١٠ - إرشاد الإنسان إلى أن يتعلق بربِّه؛ لأنك متى علمت أن الله على كل شيء قدير، فإنه لن يمنعك مانع من أن تلتجئ إليه ﷾ بسؤال ما تريد. لا يستبعد شيئًا، ولهذا قال الله تعالى منبهًا على هذا الأمر: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧]،ومعلوم أن العداوة بين المؤمنين
[ ١ / ١٨١ ]