١ - أن الله أمر نبيه محمدًا - ﷺ - أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط، وهو اتباعهم للرسول ﵊.
٢ - جواز مخاطبة المدعي بالتحدي لأن هذا هو الحق، لأنه لو كان يعرف نفسه ما ادعى اتصافه بشيء لم يتصف به، فهو الذي أذل نفسه في الواقع، فلا تخش من تحديه ليقم الدليل والبرهان على دعواه.
٣ - أنها مصداق لقول النبي - ﷺ -: "البينة على المدعي" (^١)، وهذه وإن كانت في دعوى الناس بعضهم مع بعض لكنها في الحقيقة قاعدة عامة، فكل مدَّعٍ لابد أن يقيم بينة على دعواه.
٤ - أن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى من غير المؤمن؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، رقم (١٣٤١، ١٣٤٢).
[ ١ / ١٩٣ ]
٥ - أن رسول الله - ﷺ - رسول الله حقًا، وجه ذلك: أن الله جعل اتباعه سببًا لمحبة الله للعبد.
٦ - أنه كلما قوي اتباع الإنسان للرسول - ﷺ - كان أقوى برهانًا على صدق محبته لله، فهذه من علامة محبة الإنسان لربه، فإذا رأيت الإنسان شديد الاتباع لرسول الله - ﷺ - فاعلم أنه شديد المحبة لله.
٧ - أن اتباع النبي - ﷺ - سبب لمحبة الله للعبد؛ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
٨ - أنه ينبغي للإنسان أن يجيب غيره بما هو أكثر من سؤاله إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنه لم يقل: فاتبعوني تحبوا الله، بل قال: يحببكم، ولا أحد يحبه الله إلا وهو يحب الله، لأنك إذا أحببت الله عملت فأحبك الله. فلهذا أتى بالثمرة المهمة وهي محبة الله للعبد.
٩ - إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين؛ لأنه قال: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ فأثبت أن الإنسان يحب الله، وقال: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأثبت أن الله يحب الإنسان، وهي محبة حقيقية خلافًا لمن أوَّلها. قال: تحبون الله: أي تحبون ثوابه، يحببكم الله: أي يثيبكم الله، فإن هذا تحريف. وسبب هذا التحريف القاعدة الباطلة للسمع والعقل؛ وهي تحكيم العقل فيما يثبت وينفي عن الله ﷿، فإن قومًا ادعوا العقلية قالوا: نحن الذين نحكم على الله بما يجب له أو يجوز أو يمتنع، وليس ما أخبر الله هو الذي يحكم بيننا، هذا لازم قولهم وإن كانوا لا يصرحون بهذا. والله إن الإنسان يجد طعمًا لا شيء يشبهه في محبة الله، ومحبة الله
[ ١ / ١٩٤ ]
غير محبة الثواب، فإذا وقع في قلبك محبة الله نسيت كل شيء حتى الجنة، فتحبه حتى إنك ترى أن كل شيء يضمحل ويكون عبدًا لله أمامك. ولهذا جاء في الحديث -وإن كان فيه ما فيه- "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (^١)، وكل النعم من الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وأكبر نعمة على الإنسان هي أن يهديه للإسلام كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، الإنسان الذي هداه الله للإسلام ليس أحد من الناس مثله في النعمة إلا من أنعم عليه بها، فأنت في الحقيقة تحب الله نفسه لذاته ولما أنعم عليك به من النعم، وليست محبة الله كمحبة الزوجة أو كمحبة الطعام، أو كمحبة الشراب، أو كمحبة اللباس، أو كمحبة السكن، أو كمحبة السيارة؛ كلا فإن محبة الله لا يشبهها شيء، وجرِّب تجد، اجعل قلبك صافيًا يومًا من الدهر وصلِّ وكن متصلًا بالله في صلاتك تجد شيئًا لا يخطر بالبال. وتجد شيئًا يبقى أثره مدة طويلة وأنت تتذكر تلك اللحظة التي كنت فيها متصلا بربك ﷿.
قالحاصل: أننا نقول: لا أحد ينكر محبة الله نفسِه إلا من حُرمها، والله لو نعتقد أننا نحب ثواب الله دون الله ما حرصنا كل الحرص على الأعمال الصالحة، مع أننا مقصرون لم نعمل شيئًا، لكننا نقول: إن الإنسان يعمل العمل الصالح لله، لا يعني ذلك أننا لا نلاحظ ونحتسب الثواب. لسنا صوفية يقولون: من عمل للثواب فهو للتراب، بل نقول: نحن نحب الله ونحب ثوابه. لكن الأصل
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي - ﷺ -، رقم (٣٧٨٩).
[ ١ / ١٩٥ ]
هو محبة الله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والحسنى: الجنة كلها بما فيها من نعيم، والزيادة: هي النظر لوجه الله. فجعل النظر لوجه الله أمرًا زائدًا على النعيم؛ لأن الإنسان -جعلني الله وإياكم ممن ينظر إليه- إذا نظر إلى ربه جل وعلا فهذا أكمل ما يجد من النعيم واللذة. فلهذا نقول: إن محبة الله ﷿ حقيقة ولا مانع منها.
أما قولهم: إن المحبة لا تكون إلا بين متلائمين ولا ملاءمة بين الخالق والمخلوق.
فالجواب عنها أن نقول لهم: إن هذه دعوى باطلة يبطلها الواقع، ألستم تحبون منازلكم وثيابكم ومركوباتكم، ولو أن إنسانًا عنده بعير صلف شديد لا يحجزه اللجام، وبعير سهل الانقياد سلس المشي فأيهما أحب إليه؟ الثاني أحب إليه، ثم على فرض أن هذا يكون بين المخلوقات، وليس بين الخالق والمخلوق، فيقال: إن الله أثبت وهو أعلم أنه يُحِب وُيحَب. إذن في هذه الآية رد على من ينكر محبة الله، المحبة بين الإنسان وبين الرب. والناس في هذا ثلاثة أقسام:
قسم قال: لا محبة بين العبد والرب من الجانبين، وقسم قال: لا، بل تثبت المحبة بين العبد والرب من الجانبين. والثالث قال: إن الله يُحَب ولا يُحِب. والقرآن والسنة يرد على طائفتين ويؤيد طائفة، من نفى المحبة بين الطرفين فقوله باطل، ومن تناقض فأثبتها من جانب العبد دون الرب فقوله باطل أيضًا، فالأول قوله باطل وإن كان قوله مطردًا، فقوله مطرد لكنه باطل. والثاني قوله متناقض وهو باطل أيضًا، ومن أثبتها بين العبد
[ ١ / ١٩٦ ]
والرب فهذا هو الذي على الحق؛ لأن الله أثبت ذلك.
١٠ - الثمرة الجليلة باتباع رسول الله - ﷺ - وذلك بمحبة الله للعبد.
١١ - أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل أن يستشعر أنه متبع بذلك لرسول الله - ﷺ -.
١٢ - أن الجزاء من جنس العمل لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾، حيث جعل الاتباع برهانًا على صدق دعوى المحبة، وجعل الجزاء من جنسها، أن الله يحب العبد.
١٣ - أن اتباع رسول الله - ﷺ - سبب لمغفرة الله للذنب؛ لقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
١٤ - كمال إحسان الله ﷾ لجزائه على العمل أكثر منه؛ لأن الذي يتبع الرسول له محبة الله ومغفرة الذنوب.
١٥ - إثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ففيهما إثبات الاسمية لله في هذين الاسمين، والثاني إثبات الصفة التى تضمناها. ومن المعلوم أن كل اسم من أسماء الله يدل على معناه الخاص به، لكن اجتماع الاسمين يدل على معنى ثالث؛ هو: الجمع بين مغفرة المعائب والرحمة بالعناية بالفضائل؛ لأن المغفرة مقابل الذنوب، والرحمة مقابل العناية بالإنسان، إن الله تعالى يرحم الإنسان، فيحصل من اجتماع هذين الاسمين صفة ثالثة، وهي جمع الرب ﷾ بين الإحسان والوقاية من الذنوب وآثارها بالمغفرة.
[ ١ / ١٩٧ ]