قال تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
١ - أن عيسى ابن مريم قد جاء بالبينة من الله؛ لأن كل رسول يرسله الله إلى البشر لابد أن يأتي بآية، يؤخذ من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
٢ - الإشارة إلى وجوب قبول رسالته؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ يعني فإذا كان ربكم وجب أن تكونوا له عبيدًا فتتقبلوا ما جاءت به رسله.
٣ - قدرة الله ﷿ حيث جعل عيسى ابن مريم يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله في الحال، بينما في الأحوال العادية لا يكون طيرًا إلا بعد مدة، بعد أن يفقس من البيضة ويترعرع فيطير.
٤ - أن ما فعل بأمر الله فهو حلال مباح وإن كان نظيره بدون أمر حرامًا كقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾،
[ ١ / ٢٨٦ ]
فلو أن أحدًا أراد أن يصنع تمثالًا من الطين على هيئة الطير لكان ذلك حرامًا، لكن لما كان بأمر الله صار هذا حلالًا، ولهذا نظائر، السجود لغير الله شرك، والسجود لغير الله بأمر الله طاعة، ولهذا سجد الملائكة لآدم فكانوا طائعين، واستكبر عن ذلك إبليس فكان من الكافرين. قتل النفس المحرمة ولاسيما ذو الرحم من كبائر الذنوب، وإذا كان بأمر الله كان مما يقرب إلى الله، فإبراهيم ﵊ أمر بذبح ابنه إسماعيل فامتثل، وكان امتثاله لذلك طاعة لله ﷿. هكذا خلق عيسى كهيئة الطير لينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، هذا من الأمور التي أبيحت له بأمر الله ﷿.
٥ - إطلاق وصف الخلق على المخلوق، أي أن المخلوق يكون خالقًا؛ لقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ وهذا له نظائر، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال النبي - ﷺ - في المصورين: "يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (^١)، لكن خلق غير الخالق جل وعلا ليس خلقًا في الحقيقة، ولكنه تغيير أو تحويل، فالإنسان مثلًا يخلق من الطين صورة لكن الذي خلق الطين هو الله ﷿، لا يمكن أن يخلق جميع الخلق شيئًا على وجه الاستقلال، وإنما خلقهم الأشياء يعني تغيير صور الأشياء أو تحويلها من شيء إلى شيء أو ما أشبه ذلك.
٦ - هذه المعجزة العظيمة لعيسى ابن مريم وهو أنه ينفخ في هذا التمثال حتى يكون طيرًا، وفي قراءة طائرًا، والفرق بينهما هو أن الطير قد يطير وقد لا يطير، ولكنه يصير طيرًا يطير بإذن الله في الحال.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٩٨).
[ ١ / ٢٨٧ ]
٧ - أنَّ من آيات عيسى ﵊ أنه يبرئ الأكمه والأبرص لكن لا استقلالًا بل بإذن الله، وإلا فلا أحد يشفي من المرض -أي مرض كان- إلا بإذن الله ﷿ حتى الأشياء التي جعلها الله تعالى بطبيعتها شفاء للأمراض لا تشفي إلا بإذن الله، وكم من دواء كان مفيدًا ونافعًا لهذا المرض المعين ثم يستعمله المريض فلا ينتفع به.
٨ - الآية العظيمة وهي إحياء الموتى، وهذا من آيات الله، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، في الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض، وإحياء الموتى وإن كانوا في القبور وإخراجهم منها أحياء، يعني إذا ضممت هذه إلى هذه استفدت فائدتين، أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وفي هذه الآية الكريمة إثبات الحكمة لله ﷿، ووجهه أن الله جعل لعيسى من الآيات ما يكون مناسبًا لزمنه وعصره، حيث أوتي من الآيات ما يعجز عنه من كانوا محل تعظيم للناس في ذلك الوقت وهم الأطباء، ففي عهد عيسى ﵇ ترقَّى الطب ترقيًا عظيمًا ولكن مع ترقي الطب فإنه لم يصل إلى ما وصل إليه عيسى، فإن الأطباء لا يبرئون الأكمه ولا الأبرص ولا يحيون الموتى ولا يخرجونهم من القبور، لكن عيسى يأتي بهذه الآيات بإذن الله ﷿، قال أهل العلم: وفي عهد موسى ﵇ ترقى السحر ترقيًا عظيمًا فكانت آياته معجزة تقهر السحرة وذلك بالعصا واليد. ومحمد - ﷺ - أتى وبُعث في قوم يفخرون بالبلاغة والفصاحة ويرونها هي محل التقدير
[ ١ / ٢٨٨ ]
والاحترام، فكانت آياته أن جاء بكلام يعجز عن مثله البشر في بلاغته وفي معانيه وأحكامه. . . إلى آخر وجوه الإعجاز في القرآن.
وفي هذه إشكال، وهو أن الله تعالى قال لعبد الله بن حرام: (إني قضيت إنهم إليها لا يرجعون) (^١)، وهنا ذكر أنه أحيا الموتى لعيسى في الدنيا، الظاهر والله أعلم أن يقال: إن عبد الله بن حرام طلب الرجوع من أجل العمل، وأما ما وقع آية لعيسى فليسوا يرجعون على أنهم يعملون، على أن المسألة فيها أيضًا نظر من جهة أخرى؛ لأن الله تعالى لما أخذت الصاعقة أصحاب موسى الذين كانوا معه دعا الله ﷿ فبعثهم من بعد موتهم وبقوا وعملوا. فيكون المراد -والله أعلم- أنه إذا لم يكن هناك سبب مثل أن تكون آية فهذا لا مانع، أما عبد الله بن حرام فليس هناك سبب.
٩ - إثبات الإذن لله، لا الأُذُن، الأُذُن هي الجارحة أو العضو الذي يكون في الإنسان لتلقي الأصوات، وأما الإِذْن فهو الإباحة والترخيص وما أشبه ذلك، أما الأُذُن فلا يجوز أن نثبتها لله ولا أن ننفيها عنه؛ لأن الصفات توقيفية، والله ﷿ لم يثبت لنفسه أذنًا ولم ينفِ عنه الأذن، وإنما أثبت لنفسه السمع، والسمع ليس بشرط أن يكون من ذي أذن، فهاهي الأرض تسمع وتحدث أخبارها وليس لها آذان، المهم أن الإِذْن هنا غير الأُذُن. وإذن الله
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، رقم (٣٠١٠). ورواه ابن ماجه، في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، رقم (١٩٠).
[ ١ / ٢٨٩ ]
﷿ ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي، وإذن كوني، فما تعلق بالخلق فهو إذن كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي، هذا هو الضابط، ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، الإذن هنا شرعيًا وليس كونيًا؛ لأنه قد أذن الله فيه كونًا لكن لم يأذن به شرعًا، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إذن كوني، وكذلك هنا ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
١٠ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون شيئًا من الربوبية، وذلك لتقييد فعل عيسى بإذن الله.
١١ - الردُّ على النصارى في زعمهم أن عيسى ﵊ له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك فعيسى عبدٌ، عبد الله ورسوله، قال لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: ٥١]، وقال الله تعالى عنه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]، فهو عبد لا يملك من الربوبية شيئًا أبدًا؛ لأن الربوبية من حق الله الخاص الذي لا يشركه فيه أحد.
١٢ - أن الله تعالى أطلع نبيه عيسى ابن مريم على ما يأكل قومه وما يدخرون مما يخفى على غيره؛ لقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾.
١٣ - إثبات الحكمة لله ﷾ في أن الله أطلع نبيه عيسى على ذلك حتى يخافوا أن يخفوا شيئًا لا يرضاه الله ورسوله. يعني إذا كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم معناه أنه يطلع على أسرارهم البيتية، وهذا يلزمهم أن لا يبيتوا شيئًا لا يرضاه.
[ ١ / ٢٩٠ ]