١ - أن الله تعالى لا يصدر منه إلا الحق ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
٢ - فضيلة رسول الله - ﷺ - بإضافة الربوبية إليه، وذلك لأن الربوبية هذه خاصة، والربوبية الخاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة.
٣ - النهي عن الشك فيما أخبر الله به؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
٤ - أن الممترين كثيرون؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، لكن الظاهر الأول، ولا شك أن الممترين من بني آدم كثيرون؛ لأن ذرية بني آدم منهم تسعمائة وتسع وتسعون كلهم من أهل النار.
٥ - جواز التعريض، أو جواز المخاطبة بالتعريض؛ لأن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيئ، فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
﴿حَاجَّكَ﴾ أي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: "تحاجَّ آدم وموسى" (^١)، أي: طلب كل
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد، =
[ ١ / ٣٥٤ ]
واحد منهما أن يَحُجَّ الآخر، وأيهما الذي حجَّ؟ آدم، حاجك إذن بمعني جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته ليغلب الآخر.
وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾، (مَنْ) هذه شرطية، وجواب الشرط ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾.
وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾، الضمير يعود علي عيسي والمراد بالمحاجة في عيسي ليس في ذاته؛ لأن عيسي معلوم أنه بشر لكن في شأنه وقضيته.
وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ مَنْ الذي يمكن أن يحاجَّ النبي - ﷺ - في عيسي؟ هم النصاري، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصاري.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: يعني بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنت، فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة.
وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أتي بـ (من) الدالة علي أن النبي - ﷺ - أمر بالمباهلة بعد أن تروي من العلم؛ لأن ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: (فمن حاجك فيه بعدما جاءك)، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل علي التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به علمًا ويقينًا.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، عن أي طريق؟ عن
_________________
(١) = رقم (٣٤٠٩). ورواه مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسي ﵉، رقم (٢٦٥٢).
[ ١ / ٣٥٥ ]
طريق الله ﷿، فإن الله تعالي أوحي إلي نبيه محمد - ﷺ - في شأن عيسي من العلم ما لم يكن عند غيره، فقال تعالي: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، قلنا: إن (قل) جواب الشرط. (وتعالوا) فعل أمر مبني علي حذف النون، والواو فاعل. وفيه إشكال؛ لأن (تعالوا) جمع و(من حاجك) مفرد فكيف صحَّ أن يكون الجمع عائدًا علي مفرد؟
الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة التي تصلح للمفرد وغيره يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعني، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعني صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، قال تعالي: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١].
﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾.
كيف قال: ندع، ولم يقل: أدع؟ نعم لم يقل ذلك لأنهم إذا جاءوا معه صاروا جماعة.
﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾.
هذه الآية كما ترون بصيغة الجمع ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ والرسول واحد ﵊ ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ هم جماعة لا بأس ﴿وَنِسَاءَنَا﴾، الرسول واحد ولم يقل: نسائي ﴿وَنِسَاءَكُمْ﴾ جماعة واضح. ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الرسول واحد وهم عدة أنفس؟
اختلف المفسرون في ذلك، فقال بعض المفسرين: المراد بقوله: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾، المراد بنسائنا فاطمة بنت الرسول - ﷺ - ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ المراد بالأنفس علي بن أبي طالب، فيكون العدد أربعة
[ ١ / ٣٥٦ ]
﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة، ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ علي بن أبي طالب، أما هؤلاء النفر الوافدون فليس معهم نساء وليس معهم أولاد، كلهم رجال بالغون عاقلون، إما أربعة عشر أو اثنان، المهم أنهم رجال ليس معهم أحد. وقال بعض أهل العلم: المراد ندع نحن المسلمين أبناءنا، يعني أبناء المسلمين، يعني ننتخب طائفة منا تأتي هي وأبناؤها ونساؤها وأنتم كذلك تنتخبون جماعة يأتون بأبنائهم ونسائهم وأنفسهم نجتمع ونبتهل. وهذا القول لا شك أنه موافق تمامًا لظاهر الآية؛ لأن الآية بصيغة الجمع، والعادة جرت بأن التباهل وكذلك التفاخر وغيره يكون بين جماعات. وقد ذهب إلي هذا محمد رشيد رضا في "تفسيره" وهو لا شك تفسير مطابق لظاهر الآية تمامًا، لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك، والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية، أولًا: أن أبناء جمع ونساء جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صار اثنين، ابنان لجمع أو لواحد؟ لواحد، أيضًا النساء لم يرد في اللغة العربية أن المراد بالنساء: البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية الزوجات، وأيضًا أنفسنا كيف يعبر الرسول ﵊ عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما أقرب؟ الحسن والحسين حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه فقال: "إن ابني هذا سيد" (^١) ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن، رقم (٢٧٠٤).
[ ١ / ٣٥٧ ]
بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليهم، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل علي أن لها أصلًا، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لكن انطباقه على الآية في النفس منه شيء.
علي كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟ المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون، نفسه، أبناؤه، زوجاته يحضرون، ويحضر الخصم أيضًا نفسه وأبناؤه ونساؤه.