١ - تأكيد أن ما أخبر الله به عن عيسى ابن مريم هو الحق، ويتفرع من هذه القاعدة أن كل ما خالفه مما تكلمت به النصاري في شأن عيسي فهو كذب باطل لا يوافق الواقع.
٢ - أن من بلاغة الكلام أن يكون مطابقًا للواقع أو موافقًا لمقتضي الحال، وجه ذلك أن هذه الجملة ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، أكدت بثلاثة مؤكدات؛ لأن المقام يقتضي هذا، إذ إن
[ ١ / ٣٦٢ ]
دعاية النصاري قوية لا يبطلها إلا كلام مؤكد، إما باللفظ وإما بالحال، يعني إما بالمقال وإما بالحال، وهكذا ينبغي لكل إنسان أن يتكلم بكلام تقتضيه الحال، فإن كانت الحال تقتضي أن يكون الكلام مؤكدًا فإن مقتضى البلاغة أن يؤكد.
٣ - أن القصص قد يكون حقَّا وقد يكون باطلًا، القصص من حيث هو، بِغَضِّ النظر عن القاص، قد يكون حقًّا وقد يكون باطلًا كذبًا، ويؤخذ هذا من وصف القصص بالحق؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون لِما عدا الموصوف، هذا هو الأصل، ولهذا لو جاءت صفة غير مخرجة لما سوى الموصوف يسمونها صفة كاشفة لا مانعة.
٤ - أنه لا إله في الوجود إلا الله، ولكن يراد لا إله حق، ويتعين أن يكون ذلك هو المراد لأن هناك آلهة باطلة موجودة تعبد من دون الله وتسمي آلهة، وينكر حصر الآلهة بواحد، قالت قريش في مخاطبتها للنبي ﵊: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥]، الله أكبر، العُجاب أن تكون الآلهة إلهًا واحدًا أو تكون آلهة متعددة؟ !
٥ - أن في سلامة العقيدة الراحة التامة؛ لأنك إذا سلمت عقيدتك وآمنت بأنه ما من إله إلا الله، فإنك لن تتجه إلي من سوي الله، ولا شك أن هذا راحة، انحصار الهدف والمقصود من أكبر أسباب راحة الإنسان، وإذا تعددت الأهداف والمقاصد تبلبل الإنسان، ولهذا يذكر عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: (من بورك له في شيء فليلزمه) (^١)، أي شيء يبارك لك فيه، وتري
_________________
(١) رواه ابن ماجه من حديث أنس وعائشة ﵄.
[ ١ / ٣٦٣ ]
أنك مطمئن إليه سواء كان سيارة أو بيتًا أو زوجةً أو صاحبًا فالزمه، فإنه خيرٌ مِنْ أن تنتقل إلي غيره، بعض الناس يقول: أقرأ اليوم زاد المستقنع، وغدًا المنتهى، وبعده الإقناع، وبعده المهذب، وبعده المدونة لمالك، كل يوم له كتاب، فهذا يفوت عليه الوقت ولا يستفيد شيئًا لماذا؟ لأن الهدف لم يتحدد، وهكذا هؤلاء المشركون أيضًا، هذا يعبد اللات، فإذا لم تنفع راح للعزي، وإذا لم تنفع لمناة، وإذا لم ينفع عجن عبيطًا من التمر وجعله إلهًا، وإذا لم تنفع راح للشمس أو القمر.
وعلي كل حال إذا كانت العقيدة سليمة بأن لا يتجه الإنسان إلا إلي الله، ولا يعبد إلا الله، فإنه يجد الراحة التامة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، وفي هذا ردّ علي النصاري الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، لأنه قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، والعجيب أنه من سفه النصاري وضلالهم أنهم يقولون: الآلهة ثلاث لكنها واحد، كيف ثلاث وواحد؟ هل يمكن أن يكون الثلاثة واحدًا؟ إذا جعلت الثلاثة واحدًا صار الإله الأول ثُلُثًا، والإله الثاني ثُلُثًا، والإله الثالث ثُلُثًا، أما أن يكون كل واحد مستقلًا ثم نقول: هم واحد، فهذه مكابرة وضلال.
٦ - إثبات العزة بل تمام العزة لله؛ لقوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، و(ال) هنا تفيد الاستغراق، أي: جميع أنواع العزة ثابتة لله ﷾، وفيه إثبات الحكمة لله في قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ وإثبات الحكم أيضًا، فيتفرع علي هذا أنه لا حاكم إلا الله، الحكومة السلطانية القدرية والحكومة الشرعية هي لله وحده، فمن سيطر علي الخلق بالحكم السلطاني ولم يراقب الرب فقد
[ ١ / ٣٦٤ ]
شارك الله أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله في هذا الحكم، ومن شرع للناس قوانين مخالفة لشرعه فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، واتخذ لنفسه منصبًا لا يستحقه؛ لأن الذي يشرع ويحكم هو الله ﷿: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ﴾، لا سواه، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ويتفرع علي هذا أيضًا أن واجبنا نحو أحكام الله الكونية والشرعية التسليم والرضا والقناعة وأن لا نطلب سواها؛ لأننا نعلم أنها مبنية علي الحكمة، ولهذا كان السلف الصالح ﵃ بل كل مؤمن إذا قضي الله ورسوله أمرًا لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، حتى إنهم يجيبون إذا سئلوا عن الحكمة بقال الله وقال رسوله، عائشة ﵂ لما سألتها المرأة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^١)، والمؤمن حقًّا، والعابد حقًّا هو الذي يقتنع بما لا يعرف حكمته كما يقتنع بما يعرف حكمته، هذا هو المؤمن حقًّا، أما الذي لا يقتنع بحكم الله إلا إذا عرف حكمته فهو في الحقيقة ليس عابدًا لله علي وجه الكمال، بل هو عابد لهواه، إن تبينت له الحكمة اقتنع، وإن لم تتبين لم يقتنع، ولهذا نري أن في إيجاب رمي الجمرات -وهي الحصي- في مكان معين نري أن فيها مع إقامة ذكر الله ﷿ الذي نصَّ عليه الرسول - ﷺ - تمام العبودية وكمالها؛ لأن كون الإنسان يحمل حصي يرميها في مكان معين تعبدًا لله هو من كمال العبودية، أما كون الإنسان -مثلًا- يصلي أو يتجنب الزني خوفًا من الله،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم علي الحائض دون الصلاة، رقم (٣٣٥).
[ ١ / ٣٦٥ ]