١ - تهديد من تولى عن دين الله ﷿، ووجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم، وسيعاقبهم بما تقتضيه حالهم.
٢ - أن التولي عن دين الله فساد كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وهل التولي نفسه فساد أو أنه يسبب الفساد؟ الجواب عن هذا أن نقول: هو فساد وسبب للفساد، ووجه كونه فسادًا أنه إذا تولي عن دين الله حلَّ محله ما سواه، ومعلوم أن دين الله صلاح وما سواه فساد، ولهذا نجد القوانين المحكّمة في عباد الله لا تصلح الخلق، لا يصلح الخلق منه إلا ما وافق الشرع، وأما ما خالف
[ ١ / ٣٦٧ ]
الشرع، فإنه فساد مهما كان وضع القوانين في الذكاء والفهم لأحوال الناس، فإنهم إذا وضعوا من القوانين ما يخالف شرع الله فإنه فساد بكل حال، إذن نفس التولي فساد، ثم هو أيضًا سبب للفساد؛ لأن الجدب والقحط وضيق الرزق والفتن كلها سببها المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، إذن التولي عن دين الله فساد وسبب للفساد.
٣ - أن كل من تولي عن دين الله فهو مفسد، ولو زعم أنه مصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، ولهذا قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، قال: أي لا تفسدوها بالمعاصي، فكل عاصٍ فهو مفسد شاء أم أبي، وكل مطيعِ فهو مصلح؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كان العاصي مفسدًا فالطائع مصلحًا، لكن الطائع في الحقيقة قد يكون صالحًا بنفسه غير مصلح لغيره، وقد يكون صالحًا في نفسه مصلحًا لغيره، وإذا كان عابدًا داعيًا إلي الله صار صالحًا مصلحًا، وإذا كان عابدًا غير داعٍ لله صار صالحًا غير مصلح لكنه ليس علي وجه التمام في صلاحه؛ لأنه من تمام الصلاح أن تدعو إلي الله ﷿.
[ ١ / ٣٦٨ ]
• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
الخطاب في قوله: ﴿قُل﴾ للرسول - ﷺ -. وقد مرّ بنا قاعدة أن الله تعالى إذا صدر الشيء بقل الموجه للرسول - ﷺ - فإنه يقتضي زيادة العناية به؛ لأنه أمر بأن يبلغ هذا الشيء بخصوصه وإلا فإن جميع القرآن مأمور النبي - ﷺ - أن يقوله.
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، أهل الكتاب يعني بهم اليهود والنصاري، وعلي هذا فالمراد بالكتاب الجنس ليكون شاملًا.