١ - توبيخ أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم ﵊.
٢ - علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف .. اليهود والنصاري والمسلمين.
٣ - بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾، فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده. وهذا خلاف العقل. ويتفرع علي هذه الفائدة:
_________________
(١) = ٢ - أن الفاء حرف عطف، وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، والمناسب هنا أن يقدر أسفهتم مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه أفلا تعقلون.
[ ١ / ٣٧٨ ]
٤ - أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص. فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط: طرف غَلا فيه حتى قدَّمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء من أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص .. وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون علي العقل ويدعون السمع. مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات. لكنهم ينظرون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلي السمع، ومن ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم. كل من نفي صفة أثبتها الله لنفسه بشبهة عقلية فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل ..
الطرف الثاني: من أنكر الاعتماد علي العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم أو أي خبر. فأنكروا القياس. وهذا مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيًا، وقالوا: لا يمكن أن نرجع للعقل في شيء ..
ومن الناس من هم وسط: رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، واستدلال الله تعالى على إحياء الموتي بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به علي نظيره الذي لا يخالفه تمامًا.
[ ١ / ٣٧٩ ]
فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلًا؛ ولكن بشرط أن لا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالفه فإما أن تكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح، ملوث بالشبهات والشهوات.
٥ - إثبات أن التوراة والإنجيل منزلة من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية علي أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؟ مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾، يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية علي أن التوراة والإنجيل نازلة من عند الله مع أن الفعل مبني للمجهول؟ .
الجواب: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وفي هذه السورة نفسها، وفي أولها ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذٍ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل وهو الله، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] الخالق هو الله ﷿ لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] الشر لم يضيفوه إلي الله مباشرة قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾، والرشد أضافوه إلي الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
٦ - إثبات علو الله؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلي.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة. ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك، وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ليس فيه أن الله تعالى كتبه، وإنما قال أنزله وهو كلام فيكون كلامه. أما التوراة فقد قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
٧ - النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول. ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان] لابن القيم ﵀، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة. الأمة الغضبية هم اليهود، والأمة الضالة هم النصارى. ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعي عليهم عقولهم في هذه الآية، وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، فاليهود أمة غضبية جاهلية في أبعد ما يكون عن الرشد.
٨ - الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا علي السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد يعني عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصاري عندهم عقل، العقل الذي هو عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف، هذا ثابت عند اليهود والنصاري، ولولا ذلك ما كلفوا.
[ ١ / ٣٨١ ]