١ - في الآية دليل علي أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ و﴿أَوْلَى﴾ اسم تفضيل، والتفضيل يدل علي المفضل والمفضل عليه. ولا شك أن الولاية درجات .. فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذي اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين، وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه. ولهذا قدم الذين اتبعوه علي النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي - ﷺ - والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام لله ﷿. وإلا فلا شك أن النبي محمدًا - ﷺ - أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم.
٢ - شرف النبي - ﷺ - ومن آمن معه، لكونهم أولي الناس بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول أنا أولي به.
٣ - الرد علي اليهود والنصاري حيث ادعوا أنهم أولي الناس بإبراهيم فكذبهم الله.
٤ - تشريف النبي - ﷺ - بالإشارة إليه من رب العالمين في قوله: ﴿وَهَذَا اَلنَّبيُّ﴾.
٥ - إثبات نبوة الرسول - ﷺ -. وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]،
ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾
[ ١ / ٣٩٤ ]
[النساء: ١٦٥]، فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول بدليل آية النساء ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥].
٦ - إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الولاية كما قلنا آنفًا ولاية خاصة تقتضي عناية تامة.
٧ - كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل، هذه فائدة أخذناها من قاعدة معروفة عند أهل العلم وهي: [أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه] هذه قاعدة مفيدة .. كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليَّ؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوي إيمانًا، كانت ولاية الله له أتم وأخص.
ويتفرع علي هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته، من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان عاقل يسعي في الحقيقة إلي أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل .. حقق الإيمان يكون الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك. وإلا فكلنا يطلب ذلك .. ونسأل الله ﷿ أن يجعلنا وإياكم من أوليائه. كلنا يطلب هذا، لكن فقط حقق الإيمان. من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالي في الله، وعادي في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك (^١) .. هذه من أسباب الولاية أن يكون
_________________
(١) رواه الطبراني في معجم الأوسط (٩/ ٤١)، رقم (٩٠٨٣).
[ ١ / ٣٩٥ ]
حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله ﷿ لا للدنيا.
٨ - إثبات الأسباب .. وجه ذلك: أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية؛ فالأسباب الشرعية: ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا: الإيمان سبب لدخول الجنة. هذا سبب شرعي، ودخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي .. والعسل سبب للشفاء (^١)، هذا سبب قدري علمنا به من طريق الشرع يعني من طريق الوحي .. كذلك كون الماء سببًا لنبات الأرض سبب حسي. فما شاهدناه بأنفسنا فهو سبب حسي، الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية.
أما الأسباب العقلية: فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب علي شيء عقلًا فهو سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها، حيث أودع الله فيها التأثير. وإنما قلت ذلك لأن بعض الناس غالي في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثر بذاتها وإنما يكون الأثر عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار لكن حصل الاحتراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق فحصل الاحتراق. أما النار فلا
_________________
(١) قال تعالى في سورة النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ. . .﴾ [النحل: ٦٩]. وقال - ﷺ -: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهي أمتي عن الكي". هذا الحديث رواه البخاري، كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث، رقم (٥٦٨٠).
[ ١ / ٣٩٦ ]