١ - ضرب الأمثال بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة، ويتفرع على ذلك أنَّه ينبغي للواعظ والداعي
[ ١ / ٨١ ]
إلى الله ﷿ أن يضرب المثل للمدعوين بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ.
٢ - أن الإنسان مهما بلغ من الصدق فإنّ عَرْضَه الأمثال الواقعة تجعل كلامه حق اليقين.
والمراتب ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
علم اليقين: هو خبره الصادق.
وعين اليقين: ما تراه بعينك مشاهدًا.
وحق اليقين: ما تدركه بحسك.
فإذا قال لك قائل: في جيبي تفاحة، وهو رجل صادق، فالذي أدركت من وجود التفاحة علم اليقين، فإذا أخرجها ونظرت إليها فهذا عين اليقين، فإذا أكلتها فهو حق اليقين، لأن هذا هو الواقع.
٣ - أن النصر ليس بكثرة العدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله؛ لأن الله لما ضرب هذا المثل قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ والوسيلة الحقيقية لنصر الله الذي به التأييد ما ذكره الله ﷿ بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ -إلى الآن لم يأت سبب النصر- ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. هذا واحد، إخلاص العبادة لله ﷿، هذا من أسباب النصر. وهناك أسباب أخرى ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
[ ١ / ٨٢ ]
٤ - أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلَّا إذا كان في سبيل الله، إخلاصًا، وموافقةً للشرع، واجتنابًا للمحارم، فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة فهذا هو الذي في سبيل الله.
٥ - أنَّه لا ألفة بين المؤمنين والكافرين؛ لقوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فمن حاول أن يجمع بين المؤمنين والكافرين فقد حاول الجمع بين النار والماء. وهذا شيء غير ممكن؛ لا يمكن لأولياء الله أن يكونوا متآلفين مع أعداء الله، ومن حاول أن يؤلف بين أولياء الله وأعداء الله فمعنى ذلك أنَّه سوف يقضي على ولاية الله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] واتخاذهم أولياء معناه: أن يتولاهم وينصرهم، لا أن يتقرب إليهم لدعوتهم، وكيف يمكن لشخص يقول إنه من أولياء الله، وإنه مؤمن بالله أن يوالي أعداء الله الكافرين بالله؟ ! هذا لا يمكن. ولهذا نجد أن الصراع بين أتباع الرسل وأعداء الرسل قائم دائم، إما بالقول، وإما بالفعل؛ إما بالقول: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]. وإما بالصراع المسلح كما هو معروف.
٦ - أن الله تعالى قد يري المجاهدين الأمر على الواقع، أو على خلاف الواقع؛ لحكمة. كما تشهد بذلك آية الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، لأن الإنسان إذا رأى عدوه قليلًا نشط على القتال، وإذا رآه كثيرًا تخاذل، فالله ﷾ أرى المؤمنين الكفار
[ ١ / ٨٣ ]