١ - حكمة الله ﷿ في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات لهم في هذه الأمور السبعة.
ووجه الحكمة: أنَّه لولا هذه الشهوات التي تنازع الإنسان في اتجاهه إلى ربه لم يكن للاختبار في الدين فائدة. فلو كان الإنسان لم يغرس في قلبه أو في فطرته هذا الحب لم يكن في الابتلاء في الدين فائدة؛ لأن الانقياد إلى الدين إذا لم يكن له منازع يكون سهلًا ميسرًا، ولهذا أول من يستجيب إلى الرسل الفقراء الذين -غالبًا- حرموا من الدنيا، لأنه ليس لديهم شيء ينازعهم لا مال ولا رئاسة ولا غير ذلك.
٢ - أنَّه لا يذم من أحب هذه الأمور على غير هذا الوجه، وهو محبة الشهوة، وذلك لأنه إذا زينت له محبة هذه الأمور لا
[ ١ / ٩١ ]
لأجل الشهوة لم يكن ذلك سببًا لصده عن دين الله، لأن أكثر ما يفتن الإنسان الشهوة إذا لم يكن هناك شبهة، فإن كان هناك شبهة واجتمع عليه شبهة وشهوة حصلت له الفتنتان. ويدل لذلك أن النبي - ﷺ - قال: "حبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب" (^١)، ويدل لذلك أيضًا أن النبي - ﷺ - رغَّب في النكاح وحثَّ عليه وأمر به الشباب (^٢)، والنبي - ﷺ - حثّ على تزوج المرأة الولود (^٣)، والولود كثيرة الولادة، وإذا كانت ولودًا كثر نسلها، ومن نسلها البنون. فالمهم أن محبة هذه الأشياء لا من أجل الشهوة أمر لا يذم عليه الإنسان.
٣ - قوة التعبير القرآني، وأنه أعلى أنواع الكلام في الكمال، ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ولم يقل: حبّ النساء، أو حبّ البنين، أو حبّ القناطير المقنطرة، بل قال: حبّ الشهوات من هذه الأشياء، فسلّط الحب على الشهوات، لا على هذه الأشياء، لأن هذه الأشياء حبها قد يكون محمودًا.
٤ - تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدَّم النساء، ففتنة شهوة النساء أعظم فتنة، ولهذا قال النبي ﵊: "ما
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٨٦).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي - ﷺ -: "من استطاع. . ."، رقم (٥٠٦٥). ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم (١٤٠٠).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٨). وأَبو داود، كتاب النكاح، باب النهي من تزوج من لم يلد من النساء، رقم (٢٠٥٠). والنَّسائي، كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، رقم (٣٢٢٧).
[ ١ / ٩٢ ]
تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (^١). ولهذا بدأ بها فقال: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾.
٥ - أن البنين قد يكونون فتنة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، والأولاد أعم من البنين.
٦ - أن الذهب والفضة من أشد الأموال خطرًا على الإنسان، ولهذا قدَّمها على بقية الأموال، فقال: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ لأنها أعظم المال فتنة، لاسيما الموصوفة بهذه الصفة، أنَّها قناطير مقنطرة.
٧ - أنَّه كلما كَثُرَ المال ازدادت الفتنة في شهوته؛ لقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾.
ولهذا نجد بعض الفقراء يجود بكل ماله، والغني لا يجود بكل ماله، بل بعض الأغنياء -نسأل الله العافية- يبتلون كلما كَثُر مالهم اشتد بخلهم ومَنْعهم.
٨ - أن الخيل أعظم المركوبات فخرًا، ولاسيما إذا كانت مسومة أي: معلمة معتنى بها، أو مسومة مطلقة في المراعي معتنى بها في رعيها، فإنها تكون أعظم المركوبات فتنة.
٩ - أنَّ فتنة الأنعام -الإبل والبقر والغنم- دون فتنة الخيل بناءً
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾، رقم (٥٠٩٦). ومسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنَّةَ الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان فتنة النساء، رقم (٢٧٤٠).
[ ١ / ٩٣ ]
على الترتيب، والترتيب في هذه الآية يكون من الأعلى إلى الأدنى.
١٠ - أن من الناس من يفتن في الحرث بالزراعة، فيفتن بها ويزرع على الوجه المشروع وغير المشروع.
١١ - أن هذه الأشياء كلها لا تعدو أن تكون متاع الحياة الدنيا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
١٢ - التزهيد في التعلق بهذه الأشياء؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وكل ما كان للدنيا فلا ينبغي للإنسان أن يتبعه نفسه لأنه زائل، فلا تتبع نفسك شيئًا من الدنيا إلَّا شيئًا تستعين به على طاعة الله. وأنت سوف تنال منه ما يناله من أتبع نفسه متاع الحياة الدنيا للدنيا، فمثلًا: الطَّعام، من الناس من يأكله لأجل أن يحفظ بدنه امتثالًا لأمر الله، واستعانة به على طاعة الله، فيؤجر على ذلك، ومن الناس من يأكله لمجرد شهوة ليملأ بطنه فيحرم هذا الأجر، لأنه نوى به مجرد الشهوة فقط.
١٣ - تنقيص هذه الحياة؛ لقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فوالله إنها لناقصة، إن دارًا لا يدري الإنسان مدة إقامته فيها، وإن دارًا لا يكون صفوها إلَّا منغصًا بكدرٍ، وإن دارًا فيها الشحناء والعداوة والبغضاء بين الناس وغير ذلك من المنغصات؛ إنها لدنيا.
١٤ - أن ما عند الله خير من هذه الدنيا؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
١٥ - ما أشار إليه بعضهم من أن من تعلق بهذه الأشياء تعلُّق شهوة فإن عاقبته لا تكون حميدة؛ لأن الله عندما ذكر التعلق على وجه الشهوة بهذه الأشياء قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فكأنه
[ ١ / ٩٤ ]