١ - بيان أن الله اصطفى هؤلاء المخلوقات على بقية المخلوقات.
٢ - أن الله يختار من خلقه ما شاء كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨].
٣ - أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان، وكما يكون في الأعمال والأوصاف يكون كذلك في الأشخاص، ولهذا نقول: إن جنس العرب أفضل من غيرهم من الأجناس، لكن هذا الجنس الفاضل إذا اجتمع معه التقوى صار له الفضل المطلق، وإن تخلفت التقوى صار معدنه طيبًا وعمله خبيثًا؛ فيزداد
[ ١ / ٢٠٨ ]
خبثًا لكون أصله طيبًا ثم ارتد بنفسه إلى الخبث؛ لأن من كان أصله طيبًا ثم نزل بنفسه إلى المستوى الأدنى صار أكثر لومًا ممن لم يكن كذلك. ولذلك لو زنت الحرة لجلدت مائة جلدة إن كانت غير محصنة، ورجمت إن كانت محصنة، ولو زنت الأمة لم ترجم ولو كانت متزوجة، ولم تجلد مائة جلدة بل تجلد خمسين؛ لأن هناك فرقًا بين إنسان أصله كريم وشريف ثم يضع نفسه موضع الوضيع، وبين شخص كان في الأصل على خلاف ذلك، ويدل لهذا أي: أن الناس يختلفون في أجناسهم قول الله في كتابه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقد جعلها الله تعالى في العرب؛ في محمد - ﷺ -، فإذا كان محمد أطيب الخلق وأشرفهم لزم أن يكون جنس العرب أطيب الأجناس وأفضلها وأشرفها، وهو كذلك. وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" (^١).
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
فالجواب: أن نقول: إن الله تعالى أراد أن يمحو ما كان أهل الجاهلية يعتادونه من الفخر بالأحساب، حيث يقول: أنا من القبيلة الفلانية، أنا من القبيلة الفلانية. فبيَّن الله أن هذه الشعوب والقبائل. جعلها الله من أجل التعارف لا التفاخر، وأن فخركم لا يقربكم إلى الله، فالذي يقربكم إلى الله هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، رقم (٣٣٧٤).
[ ١ / ٢٠٩ ]
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهذا لا ينافي أن يكون جنس العرب أفضل من غيرهم كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وأدلته ما سبق.
٤ - ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، لقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. والملائكة عالم فيكون المصطفون من هؤلاء أفضل من الملائكة، واستدلوا بأدلة أخرى، كأمر الله للملائكة بالسجود لآدم وغير ذلك. وعندي أن البحث في هذه المسألة من فضول العلم؛ لأنه أيُّ فائدة لنا إذا قلنا: إن فلانًا أفضل من جبريل أو جبريل أفضل من فلان، أو إن الصالحين من بني آدم أفضل من الملائكة أو الملائكة أفضل من الصالحين؟ نحن نعلم أن الملائكة مقربون عند الله ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم كرام ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١]، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، أما أنهم أفضل من الصالحين من بني آدم أو الصالحون من بني آدم أفضل منهم فهذا شيء لم نكلف به. ولذلك لم تأتِ السنة بالتمييز بين هؤلاء وهؤلاء أو بالتفضيل، أعطت لهؤلاء فضلهم ولهؤلاء فضلهم، ولو كان هذا من الأمور التي لابد من اعتقادها ولا يتم الإيمان إلا بها لكان الله ورسوله قد بيَّناه. ولكن إذا ابتلينا بمن يقول: بيِّن أيهما أفضل؟ فنقول: العلماء في ذلك اختلفوا، وجمع شيخ الإسلام ﵀ بين هذين القولين؛ فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالح
[ ١ / ٢١٠ ]
البشر أفضل باعتبار النهاية. كيف هذا؟ نقول: نعم لأن النور أفضل من الطين، والملائكة خلقوا من النور من مادة مشعة مضيئة محبوبة بخلاف الطين، وأما في النهاية فإن الجنة تكون للصالحين من بني آدم ومن الجن على القول الراجح، وقد ذكر الله ﷿ أن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، يهنئونهم ويبشرونهم. ومع ذلك فإني أرى أن الإمساك عن هذا أولى.
٥ - بيان أن البشر جنس واحد بعضه من بعض؛ لقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾.
٦ - الرد على من زعم أن البشر متطور من جنس لآخر، من القردة إلى الآدميين إلى البشر، وجدير بأن نسمي هذا القائل قردًا؛ لأنه رضي لنفسه أن يكون أصله القرد، أما نحن فنقول: إن أصلنا آدم ﵊ الذي خلقه الله بيده من تراب، وأنه جنس مستقل بنفسه لا متطور.
٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع، والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بكل شيء بالأصوات والأحوال والأعيان. وأسماء الله ﷿ يتضمن الإيمان بها ثلاثة أشياء إن كانت متعدية، وشيئين إن كانت لازمة. إن كانت متعدية يتضمن الإيمان بها:
الأول: إثباتها اسمًا من أسماء الله.
الثاني: إثبات ما تضمنته من صفة أو استلزمته.
الثالث: إثبات الحكم الناتج عن هذه الصفة.
فمثلًا: الاسم (الخالق)، والصفة المتضمنة: (الخلق)
[ ١ / ٢١١ ]