من فوائد قوله ﷿: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
١ - أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (١٤٢٢٠) بلفظ: "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني".
[ ١ / ٢٣٦ ]
٢ - إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر أن يرزقه، فيكون الانتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس؛ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
٣ - أن الصيغة التي يتوسل بها غالبًا في الدعاء هي اسم الرب لقوله (ربه)، ولم يقل: (الله)، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية لأنها فِعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا باسم الرب، قال النبي ﵊: "يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، يا رب" (^١).
٤ - أن زكريا ﵊ بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، يؤخذ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]
٥ - يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا، حيث أضاف الهبة إلي الله ﷿، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله - ﷺ - فيما علمه أبا بكر، الدعاء الذي يدعو به في صلاته، قال: "فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، رقم (١٠١٥).
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، رقم (٨٣٤). ورواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، رقم (٢٧٠٥).
[ ١ / ٢٣٧ ]
٦ - أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
٧ - أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة، ومنها الدعاء؛ دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله ﷾ عن الرجل يبلغ أشده أنه يقول: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة وفي الممات؛ لقول النبي - ﷺ -: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (^١).
٨ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الغفور وبالرحمة، والداعي بالرزق يتوسل باسم الرزاق وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ دعاء المسألة أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه (غفور) فتعرَّض لمغفرته، وإذا علمت أنه (رحيم) كذلك وهكذا.
٩ - إثبات سمع الله وكرم الله وقدرته.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب في الوقف، رقم (١٣٧٦). ورواه النسائي، كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت، رقم (٣٦٥١).
[ ١ / ٢٣٨ ]
وجه ذلك: أنه يسمع الدعاء، ويجيب من دعاه، وقادر على الإجابة.
فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه، وهنا زكريا - ﷺ - يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
فالجواب: أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء؛ إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي، فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].فإذا دعا الإنسان ربَّه وقلبه لاهٍ يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، لكن قلبه مشغول بشيء آخر، فهذا فيه سوء أدب مع الله، فهنا قد تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط.
ومن الموانع: أن يكون الإنسان آكلًا للحرام والعياذ بالله، فإن أكل الحرام من أكبر موانعِ إجابة الدعاء؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالي ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر النبي - ﷺ - الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب -أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء- ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأني يستجاب لذلك" (^١) -والعياذ
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٢٣٧).
[ ١ / ٢٣٩ ]
بالله- أستبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا قد تخلفت إجابة الدعاء لوجود مانع. وقد تكون لمصلحة الداعي يدخر الله له عنده أعظم مما سأل، أو يعلم الله ﷾ أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه مثل أن تكون إجابته سبب لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر؛ فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك: لم يستجب له، فزال الإشكال الذي قد يرد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وبقي أيضًا إشكال آخر: وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعو به إن كان قد كتب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، فنجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله، لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله ﷿ يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٠]، فكيف يأمر الله ﷿ بأمر لا فائدة منه؟ هذا مستحيل! ثم نقول: الشيء يكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بالدعاء.
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هذا لا يقوله عاقل، بل نقول: إن الله قدر الولد بالنكاح، فتزوج يأتك الولد، وهكذا الدعاء. إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب في حصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله
[ ١ / ٢٤٠ ]
تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك مقرونًا بهذا السبب -أي بالدعاء- فيكون الدعاء مقدرًا والمدعو به مقدرًا من عند الله ﷿، لكن أنت لا تدري فعليك فعل السبب، ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، فإذا رفعت يديك إلى ربك يا رب، هذا ذلٌّ وخضوع لله ﷿، وهو من أجلِّ العبادات.
ومن فوائد قوله ﷿: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
١ - إثبات الملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله ﷿ لما أعدَّهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم ﷿، يسبحون الليل والنهار لا يفترون. وأخبر النبي ﵊ بقوله: "أطَّت السماء وحُق لها أن تئط -الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملًا ثقيلًا- ما من موضع أربع أصابع إلا وفيه مَلَك قائم لله أو راكع أو ساجد" (^١). وإنكارُ الملائكةِ حكْمُهُ الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول فيهم ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير، والشياطين هي قوى الشر، فأجعلهم معانٍ لا ذوات.
نقول: هذا أيضًا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب قول النبي - ﷺ -: "لو تعلمون ما أعلم"، رقم (٢٣١٢). ورواه أحمد، في مسنده، رقم (٢١٠٠٥).
[ ١ / ٢٤١ ]
رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١] كيف تكون قوى ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾؟ !
٢ - أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
٣ - جواز تكليم المصلي من قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، لكن المكلَّم وهو يصلي لا يخاطب الآخر وإنما يجيبه بالإشارة.
والأفضل تركه إلا لحاجة، وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه وربما ينسى ويخاطبك.
٤ - مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، وهذا أمر مشروع في نوعه وجنسه؛ ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، قال الله في إسماعيل: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] وفي إسحاق ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣].
٥ - يستفاد من هذأ أَيضًا جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مُهيَّأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
٦ - الثناء على من صدَّق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدَّق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود حتى في الأمور الدنيوية، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال وسفه في العقل وضلال في الدين.
[ ١ / ٢٤٢ ]
٧ - أن يحيى ﵊ سيكون سيدًا، وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
٨ - أن يحيى ﵊ مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه كان ممنوعًا من مساوئ الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ فإن أصح وأعم ما قيل فيه أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
٩ - أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾ وكل من وصف بالنبوة في القرآن الكريم فإنه رسول، قال الله تعالي: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال تعالي: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصه بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
١٠ - أن الأنبياء من الصالحين بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: وهي النبوة، والصديقية، والشهادة، والصلاح، هذا إذا ذكرت جميعًا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعًا صار الصلاح عامًا؛ لقول النبي - ﷺ -: "إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم علي كل عبد صالح في السماء والأرض" (^١).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، رقم (٨٣١، ٨٣٥). ورواه مسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، رقم (٤٠٢).
[ ١ / ٢٤٣ ]