من فوائد قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ
[ ١ / ٢٥٠ ]
الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
١ - أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا ﵊ لم يشك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين، وخبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين.
٢ - جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾.
ونظيره أن رسول الله - ﷺ - قال: "أما أبو جهم فلا يضع العصى عن عاتقه" (^١)، وهذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول - ﷺ - أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان على بصيرة.
٣ - إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ومذهب أهل السنة والجماعة: إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره؛ أفعال الله الاختيارية: يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره مثل الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين، ويقولون بلا شك: إنَّ الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل، وغالبُ الأشاعرة إن لم أقل كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره، إلى آخر ما يقولون في
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، رقم (١٤٨٠).
[ ١ / ٢٥١ ]
نفي الأفعال الاختيارية، وعلتهم أوهى من أي علة حيث قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله ﷿ أزلي أبدي.
فيقال لهم: أولًا: من قال لكم أن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، فهذا قياس عقلي فاسد، فإن الحوادث لا يلزم أن لا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدِث سابق عن الحدث، وإذا كان المحدِث سابقًا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدِث حادثًا، أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث وقت حدوثه وأنت موجود من قبل، فالرب ﷿ يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها وهو لم يزل موجودًا. لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله ﷾ لا يفعل أي فعل، معطل عن الأفعال، وهذا عيب؛ لأن من يفعلُ أكملُ ممن لا يفعلُ باتفاق الناس، وليس يعتري الله ﷿ من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه، والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. والنصوص في هذا كثيرة، والحمد لله أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
٤ - إطلاق الجمع على الواحد، على أن قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ يدل على أن القائل واحد، وأن قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني واحدًا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
٥ - إثبات المشيئة لله ﷿؛ لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾. وهي مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
[ ١ / ٢٥٢ ]
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
١ - جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودًا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
٢ - تمام قدرة الله ﷾ بخوارق العادات، فإن كون زكريا ﵊ لا يكلم الناس إلا رمزًا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
٣ - أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشِّر به، والآية كانت على العكس؛ كانت إعدام موجود وهو الكلام.
٤ - أن الإشارة تقوم مقام العبارة؛ لقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ وهذه الفائدة مبنية على أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، ووجه المأخذ: أن الاستثناء هنا منقطع، فلا يكون كلامًا لكنه يقوم مقامه عند العجز، وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام ولاسيما عند العجز.
٥ - أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله ﷿؛ لأنه لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزًا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزًا سوف لا يكون حريصًا على مكالمتهم لئلا
[ ١ / ٢٥٣ ]