١ - تعظيم شأن مريم عليها الصلاة والسلام حيث أمر الله نبيه أن يذكر قصتها لهذه الأمة؛ لأنه قلنا: ﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ قالت).
٢ - فضيلة مريم حيث خاطبتها الملائكة بقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
٣ - دليل على ما ذهب إليه بعض أهل العلم أن مريم نبية؛ لأن الملائكة أوحت إليها وقالت: إن الله اصطفاك إلخ، ولكن في هذا الاستدلال نظر؛ لأنه ليس بصريح في أنها نبئت، ومجرد خطاب الملائكة لها لا يثبت نبوتها؛ لأن النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون، بل لمن أوحي إليه بشرع وهي لم يوحَ إليها بشرع، فالأمر ليس بصريح، ولدينا آية تدل على أنه لا يبعث من النساء نبية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ وإلا تفيد الحصر، فتدل على أنه لا يمكن أن تكون امرأة من النساء نبية، وكذلك أيضًا قول النبي ﵊ حين بلغه أن الفرس أمروا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم
[ ١ / ٢٥٨ ]
امرأة" (^١)، فكيف يمكن أن يرسل الله تعالى امرأة ليفلح الناس على يديها. صحيح أن المرأة تكون عالمة، وتكون داعية كما هو الواقع، أما أن تكون نبية يوحى إليها لتتولى السلطة كما يقولون التشريعية والتنفيذية فهذا بعيد، فالصواب أن مريم من الصالحات القانتات، وليست من الأنبياء والرسل.
٤ - أن الله تعالى يصطفي من الناس من يشاء؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾، أي اختارك اختيارًا لم يشاركها فيه أحد؛ لأنها صارت خادمة لبيت المقدس مع أنه لا يخدمه عندهم إلا الرجال، فهذا نوع من الاصطفاء.
٥ - براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًا؛ لقوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، واليهود -قبَّحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه وقتلوه إثمًا لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا به عيسى وصلبوه ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، فكانوا قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن.
٦ - أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة، أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل معنيين: إما أن المراد نساء العالمين في زمنها ويكون قول الرسول - ﷺ -: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى، رقم (٤٤٢٥).
[ ١ / ٢٥٩ ]
النساء إلا آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد" (^١)، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلَّغت مريم ما بُلِّغت به.
٧ - جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله ﷿، وهي أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفات الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمالات، وصفات النفي نقائص تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة.
٨ - بيان أنه كلما منَّ الله ﷾ على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، أمرتها بالقنوت والسجود والركوع، فدلَّ هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات.
٩ - فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة، والخشوع، والاشتغال بالطاعة عما سواها. ولهذا لما نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٢٢١).
[ ١ / ٢٦٠ ]