١ - توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله.
٢ - ومن فوائد الآية الأولى أن هذا التوبيخ واقع موقعه أنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون.
٣ - الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد - ﷺ - بالكفر ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يوبخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله. وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا.
٤ - أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
٥ - أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادعون ويمكرون بلبس الحق بالباطل. وما أكثر ما يموّهون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، فيقول إن الذين آمنوا: أي المسلمين، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله منهم واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم. فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر، ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر! ويقولون: عيسى
[ ١ / ٤٠٤ ]
ابن مريم بشَّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد ولم يأتِ بعد! فالذي جاء اسمه محمد. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، فنحن ننتظر أحمد! فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون. ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبين له أنهم ملبسون. وقد ألف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حججهم ما هو كالشمس إضاءةً ونورًا يخفي ضوؤه كل ساطع.
والجواب عن هاتين الشبهتين أن يقال: في الآيات الأولى قيد الله ﷿ من له الأجر من هؤلاء الأصناف بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [المائدة: ٦٩] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي الذي أرسل إليكم قائمةً، أما وقد نسخت، فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إذن فأحمد جاءكم ولا نعلم أن نبيًا جاء بعد عيسى إلا محمد - ﷺ -. وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألف شيخ الإسلام ﵀ كتابًا سماه: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير.
٦ - أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وألا نغتر بهم لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا. ومن هذا ما حصل للمبتدعة من هذه الأمة، فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل:
[ ١ / ٤٠٥ ]