* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه مَعطوفة على ما سبَق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يَعنِي: واذكُرْ هذه القَوْلةَ المُنكَرة ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائِفة: الجامِعة من الناس ﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يَعود على المُنافِقين، كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [أَيْ: مِن المُنافِقين] ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يَثرِب يَقول: أهي أرض المدينة،، وقيل: هي المدينة نَفسُها، فأهل العِلْم بالتاريخ اختَلَفوا: هل يَثرِبُ اسمٌ للمَكان والمَنطِقة التي فيها المدينة، أو أن يَثْربَ هي نفس المدينة؟ وظاهِر الحديث أن يَثرِب هي المدينة.
وقوله ﵀: [﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ هي أرضُ المدينة، ولم تُصرَف للعَلَمية، وَوَزْن الفِعْل]، يَعنِي: أنها مَمْنوعة من الصَّرْف لهاتين العِلَّتين، العَلَمية، ووزن الفِعْل، ويَدُلُّنَا على أنَّها مَمنوعة من الصَّرْف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنها مُضافٌ إليه، وحقُّ المُضاف إليه أن يَكون مَجرورًا، وهنا الكلِمة مَفتوحة، لأنها تُجَرُّ بالفتحة كسائِر الأَسْماء التي لا تَنْصرِف.
[ ١١٤ ]
وقول المُفَسِّر ﵀: [للعلَمية ووَزْن الفِعْل]؛ لأن يَثرِبَ التي هي على وَزْن يَفْعِل، الذي هو فِعْل، ولها عِلَّة أخْرَى غير وزن الفِعْل، وهي التَّأنيث، العلَمية والتَّأْنيث؛ لأنها اسمٌ لحمعة، وكأن المُفَسِّر ﵀ قال: [العلَمية ووَزْن الفِعْل]؛ ليُشير أن هذه الكلِمةَ يَثرِب مَأخوذةٌ من التَّثريب، وهو اللَّوْم والتوبيخ، وما أَشبَه ذلك من الكلِمات التي فيها عَتَب.
ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ؛ وَهيَ المَدِينَةُ" (^١)، وهذا دليل على أن الرسول ﵊ كَرِه أن تُسمَّى يَثرِبَ، وهو أحَد القولين في المَسأَلة، وأمَّا الحديث الذي روِيَ: "مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ. فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ" (^٢)، فَهو ضعيف، لكن يَكْفِي عن هذا الحديثِ في الصحيحين: "يَقُولُونَ: يَثْرِبُ؛ وَهِيَ المَدِينهُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ" (^٣).
الحاصِلُ: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المُفَسِّر ﵀ اختار أن يَقول: لم يُؤخَذ من الفِعْل لهذا السبَبِ.
وقوله ﵀: [﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضَمِّ الميم وفَتْحها أي: لا إقامةَ ولا مكانَ]، ﴿مُقَامَ﴾ [بضَمِّ الميم وفتحها]، ومعنى كلام المُفَسِّر: أي: فيها قِراءتان: "لَا مَقَامَ"
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة، رقم (١٨٧١)، ومسلم: كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، رقم (١٣٨٢)، من حديث أبب هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٥)، وأبو يعلى في المسند رقم (١٦٨٨)، من حديث البراء -﵁-، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣٠٠): رجاله ثقات، وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٢٠) وقال: لا يصح.
(٣) أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة، رقم (١٨٧١)، ومسلم: كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، رقم (١٣٨٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١١٥ ]
و﴿لَا مُقَامَ﴾ قال: [لا إِقامةَ ولا مَكانةَ]: ألا إقامةَ، تفسيرٌ للضَّمِّ: مُقام؛ لأنه من الرُّباعي، والرباعي يُقال في مَصدره المِيمِيِّ: مُقَام، ومَقَام: لا مَكانة على أنَّها اسمُ مَكَان، واسم مَكان بفَتْح الميم، والمعنى: لا مَوْضِع للإقامة، على كونها اسم مَكان، أو لا إقامةَ لكم، ويَقولون: لا إقامةَ لكم؛ لأنهم يُرِيدون الفِرَار، ولا يُرِيدون البقاء مع النبيِّ -ﷺ- في القِتال، إذ إنهم مُنافِقون، والمُنافِق ليس صَبورًا على القِتال، بل لا يُريد القِتال، ولو ظهَر الأمرُ في يَدِه لقاتَل المُسلِمين.
وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إشارة واضِحة إلى القَوْميَّةِ والعَصَبيَّة؛ لأنه دعاهم باسْمِ الوطَن ما قال: يا إِخْوَتنا. ولا قال: يا أيُّها المسلِمون! إنما قال: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾؛ لأنه ليس عنده دِينٌ يُقاتِل من أَجْله، وإنما هو قوميٌّ يُريد الحَمِيَّة فقط.
وقوله تعالى: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [إلى مَنازِلكم من المدينة وكانوا خرَجوا مع النبيِّ -ﷺ- إلى سَلْعٍ جَبل خارِج المَدينة للقِتال].
وقوله تعالى: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ حسب ما يُعرَف في اللغة العربية أنَّه نَفْيٌ عامٌّ؛ لأن (لا) النافية للجِنْس تُفيد العُموم، يَعنِي: ليس هناك أيُّ مُقام على أيِّ حال من الأحوال فارجِعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقومٍ ليس في قُلوبهم إيمانٌ لا يُبقِي منهم أحَدًا، لا بُدَّ أن يَرجِعوا.
ثُمَّ قال اللَّه ﷾ بِناءً على هذا الأمرِ وأنه لا مُقامَ لهم: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ وهَؤلاء أَهونُ من الأوَّلين؛ لأن الأوَّلين دَعَوْا إلى الفِرار بدون استِئْذان، قالوا: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أمَّا هؤلاء فإنهم يَستَأذِنون النبيَّ -ﷺ-، ولكن استِئْذانهم للرسول ﵊ ليس كاستِئْذان المُؤمِنين الذين إذا كانوا معه على أَمْرٍ جامِع لم يَذهَبوا حتى يَستَأذِنوه، لكنهم يَستَأذِنون خِداعًا وتَمويهًا؛
[ ١١٦ ]
ولهذا يَقول ﷾: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ أي: من المُنافِقين ﴿النَّبِيَّ﴾ -ﷺ- إلى الرجوع.
يَقولون: (يَستَأذِن) بمَعنى: يَطلُب الإِذْن؛ لأن (استَفعَل) تَأتي كثيرًا بمَعنَى: طلَب الشيءِ، ومَنِ استَغْفَرَ طلَب المَغفِرة، واستَعتَب: طلَب العُتبة والعِظة.
ويَقولون: الجُمْلة إمَّا أنَّها حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ يَعنِي: حال قولهم يَقولون، وإمَّا أن تَكون عَطْفَ بيان أو بَدلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾ وكِلاهما له وَجْهٌ:
أمَّا على قولنا إنها حال؛ فلأَنَّ النَّكَرة هنا وُصِفت، والنَّكِرة إذا وُصِفت تَخصَّصت، فجاز وقوع الحال منها.
وأمَّا على قولنا بأنها بَدَلٌ أو عَطْف بيانٍ، فعلى حدِّ قول ابن مالِك ﵀:
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ يَصِلْ إلَيْنا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ (^١)
إِذَن: يَجوز فيها وجهان: أن تَكون بدَلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾، وأن تَكون عَطْفًا مثل البدَل، وأن تَكون حالًا من فاعِل (يَستَأذِن).
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال ﵀: [غير حَصينة يُخْشَى عليها]، يَقولون ذلك للرسول ﵊ في مُبرِّر الاستِئْذان: إن بُيوتنا عورةٌ، ونَخْشى عليها من العَدوِّ. والعورة هنا يَعنِي: غير حَصينة؛ لأن الحِصْن يَحميها ويَستُرها، كما يَستُر الثوبُ عورة الرَّجُل، هذا مَعنَى قولهم: إنها عَورة؛ يَعنِي: مَكشوفة، ولا يُمكِن أن نَأمَن من هُجوم العَدُو عليها، وفي قِراءة لكنها غير سَبْعيةٍ: "عَوِرَةٌ" بكَسْر الواو، أَيْ: مَعِيبة.
_________________
(١) الألفية (ص: ٤٩).
[ ١١٧ ]
فقال اللَّه ﷾ مُبطِلًا دَعْواهم: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ﴾ قال ﵀: [ما] ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، وهنا يَنبَغي الوقوفُ على قوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لأنك لو وصَلت لأَوهَم أن قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ من قول المُنافِقين، فيَكون في ذلك تَناقُضٌ وفَسادٌ للمَعنى، فتَقول: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ وتَقِف، ثُمَّ تَستَأنِف القِراءة وتَقول: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾: (ما) مَبنِيَّة على السُّكون.
ولو قال قائِل: مَن الذي يَقول: إنها حِجازِّية؟ لأن النصبَ ليس بظاهِر على الخبَر، أفلا يَجوز أن تَكون ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ خبَر المُبتَدَأ مَرفوعة بضَمَّةٍ مُقدَّرةٍ على آخِرها مَنَع من ظُهورها اشتِغال المَحَلِّ؟
فالجَوابُ: دليلُه شاهِد من القُرآن، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ فنَصَب، فدلَّ ذلك على أن القُرآن نزَلَ بمُقتَضى لُغة الحِجازِّيين.
قال اللَّه ﷾: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: ﴿إِنْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [ما] ف (إِن) هنا نافِية، لأنها فُسِّرت بـ (ما)، و(ما) نافِية، ويَدُلُّ لذلك إِتْيان (إلَّا) بعدها: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهذا دليلٌ على أنَّهَا نافية، و(إن) تَأتِي نافِية كما هنا، وتَأتِي شَرْطية، ومثاله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، وتَأتِي مُخَفَّفة من الثَّقيلة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، وكقول الشاعِر:
مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيف وَلَكِنْ أَنْتُمُ الخَزَفُ (^١)
_________________
(١) غير منسوب، وانظره في: أوضح المسالك (١/ ٢٦٦)، وشرح الأشموني (١/ ٢٥٤)، وهمع الهوامع (١/ ٤٤٩).
[ ١١٨ ]
هذه زائِدة، لأن: ما إِنْ أنتُمُ: أي: ما أَنتُم.
وما الذي يُعيِّن هذه المعانِيَ؟
الجَوابُ: الذي يُعيِّن هو السِّياق، وهذا باتِّفاق العُلَماءِ ﵀، أي: أنَّ وُجود الأَلْفاظ المُشتَرَكة التي تَتَعَيَّن بالسِّياق ثَابِت في اللغة العربية.
لكنهم اختَلَفوا في مَسأَلة الحقيقة والمَجاز، فمِنْهم مَن أَثبَت ذلك، ومنهم مَن نفَى وقال: إن المَجاز كالاشتِراك في المَعنَى، والاشتِراك أنتم تَقولون به، وهذا هو القول الراجِحُ كما سبَق عِدَّة مرَّات بأن الصحيح: أنه لا مَجاز في اللُّغة العربية.
يَقول تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ هذا كلام اللَّه ﷿ ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، يَعنِي: ما يُريدون إلَّا فِرارًا، وهذه الجُملةُ جُملةٌ حَصريَّةٌ، يَعنِي: تُفيد الحَصْر، أي: أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سِوَى الفِرار من القِتال، فالبُيوت مُحَصَّنة، ولا يُخشَى عليها أكثَرَ ممَّا يُخشَى على المدينة، وليس لهم أَيُّ عُذْرٍ إلَّا عُذْرًا واحِدًا وهو الفِرار من القِتال؛ لأنهم لا يُريدون مُواجَهة العَدوِّ، بل هم العَدوُّ كما قال اللَّه عنهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيان إِرجاف المُنافِقين بالمُؤمِنين، والإرجاف: هو أن يُذكَر للإنسان ما يَكون به الخوف والقلَق، وفي باب القِتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن المُرجِف من يُخوِّف، والمُخذِّل مَن يقَلِّل الرَّغْبة في الخير؛ فالمُرجِف يُرهِّبك، وأمَّا المُخذِّل فهو يُثبِّط عَزيمتك، يَقول: ما لكَ؟ وما الفائِدةُ؟ وما كذا؟ فبينهما فرق. فهؤلاء مُرْجِفون، ويَقولون: ليس هنا مَقام لكم، لأنه خطَرٌ عليكم، ولهذا قالوا: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيُستَفاد منه أن المُنافِقين من شأنهم الإِرْجاف بالمُؤمِنين.
[ ١١٩ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الاعتِزاز بالوطَن -حميَّةً للوطن- من صِفات المُنافِقين؛ لقوله ﷾: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾، وقَصدُهم بذلك إِحْمَاءُ حمِيَّتهم الوطنية، وأمَّا الحديث الذي يُرْوَى: "حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإِيمَانِ" (^١)، فإنه كذِب على الرسول ﵊، وليس صحيح. أمَّا الاعتِزازُ بالوطَن لكَوْنه إسلاميًّا فهذا لا بأسَ بِه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَواز تَسْمِية المدينة بيَثرِبَ، هكذا استَدَلَّ به بعضهم، ووجهُ قول هذا القائِلِ: إن اللَّه تعالى حَكاه عنهم وأَقرَّه، ولكن بعض أهل العِلْم ﵏ قال: لا يَدُلُّ على ذلك، بل إنما يَدُلُّ على العكس، وأن تَسميتها بيَثرِبَ إنما يَكون من المُنافِقين؛ لأن اللَّه تعالى يَحكِي الكُفْر عن الكافِرين، فيَحكِي كلَّ ما يقوله هؤلاءِ الكُفَّارُ، من المُنافِقين وغيرهم، وهل ما حَكاه عنه من الكُفْر إقرارٌ له؟
الجوابُ: لا، إذَنْ: يُسْتَفاد من الآية أن تَسْمية المدينة بيَثرِبَ من شأن المُنافِقين؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: "يَقُولُونَ: يَثْرِبُ. وَهِيَ المَدِينَةُ" (^٢)، وهذا وَاضِح بأن الرسول ﵊ لم يَرتَضِ بهذه التَّسميةِ.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: بيانُ ما كان عليه من أُولئِك المُؤرِّخين -لا نَقول: العرَب بَل نَقول: الإسلامِيِّين- الذين هم إمَّعَة، جاء المُستَشرِقون فكانوا يَتحَدَّثون عن الرسول -ﷺ- باسْمِ محُمَّد فقَطْ قالوا: محُمَّد. كما قال الكُفَّار في عهد الرسول ﵊، ويَتحَدَّثون عن المدينة بأنها يَثرِبُ، فجاء هؤلاء المَساكينُ يُقلِّدون أُولئكَ المُستَشرِقين، فساروا يُعبِّرُون عن الرسول بكلِمة محُمَّدٍ، ويُعبِّرون عن المدينة
_________________
(١) انظر: الموضوعات للصغاني رقم (٨١)، والمقاصد الحسنة للسخاوي رقم (٣٨٦)، والفوائد المجموعة للشوكاني رقم (١٧٤).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، باب فضل المدينة، رقم (١٨٧١)، ومسلم: كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، رقم (١٣٨٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١٢٠ ]
بكلِمة يَثرِبَ، وكأنَّ هذا هو الفَخْر والرُّقِيُّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أولئك المُرْجِفين لم يَقْتَصروا على الإِرْجاف بل ضَلَّلوا الناس بقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيُستَفاد منه فائِدة ما تَتَفرَّع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرُّجوع عن الحقِّ ففيه شبَهٌ بالمُنافِقين، لقوله تعالى: ﴿فَارْجِعُوا﴾ هؤلاء أَرجَفوا أوَّلًا، ثُم دعَوْا إلى التَّرْك ﴿فَارْجِعُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ مَكْر المُنافِقين حيث جاؤُوا يَستَأذِنون الرسول -ﷺ- تمَويهًا، وأنه ليس في النِّية التقاء، لكن يُموِّهون ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، ففيه دليلٌ على تمويهِ المُنافِق، وإظهار حاله بحال المُؤمِن المُنْقَاد الذي لا يَنصَرِف إلَّا بعد الاستِئْذان، مع أن الاستِئْذان في مثل هذا الأَمرِ أو في مثل هذه الحالِ من الاستِئْذان بالحَقِّ من شأن المُؤمِنين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن مِن شَاْن المُنافِقين الكذِبَ؛ لقوله ﷾: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ وهُمْ كَاذِبون.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيَانُ إحاطة عِلْم اللَّه تعالى بِمَا في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
أمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ فهذا قد يُعلَم؛ لأنه ظاهِر أن البُيوت حَصينة ولا عليها من العَدُوِّ، لكن ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ الإرادة في القَلْب لا يَعلَمها إلَّا اللَّه ﷿ أو صاحبها، أو مَن أَطلَعه اللَّه تعالى عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وُجوبُ تكذيب الناطِق بالباطِل، فهل يَصِحُّ التعبير بكلمة (وُجوبِ) أن نَقول: (مَشروعِيَّة)؟ إن نظَرْنا إلى أن البعض يَجِب إبطاله قلنا: (يَجِب)،
[ ١٢١ ]
لكن الكَلام على: هل يُؤخَذ من الآية مَشروعية إبطال قول الناطِق بالباطِل؛ لأن اللَّه تعالى أَبطَله في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.
* * *
[ ١٢٢ ]