* قالَ اللَّه ﷿: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧].
* * *
ثُمَّ قال ﷾: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المُفَسِّر ﵀ في مَعنَى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: [يُجيرُكم]، ولكن الصواب المُراد بها يَمنَعُكم؛ لأن العِصْمة هي المَنْع، ومنه المَعْصوم يَعنِي: المَمنوع من الخطَأ، فالصواب أن يَعصِمكم أن يَمنَعَكم من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾ إعرابُ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾: ﴿ذَا﴾ مُلغاةٌ؛ لأنها إذا جاء بعدها اسمٌ مَوْصولٌ، فإنها تَكون مُلغاةً مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ يَنفَعُكم ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾.
وقوله ﷾: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستِفْهام هنا يُراد به النَّفيُ، يَعنِي: لا أحَدَ يَعْصِمُكم، وإذا جاء النَّفيُ بصِيغةِ الاستِفهام فإنه أبلَغُ من النَّفي المُجرَّد؛ لأنه يَكون نَفيًا مُشْرَبًا بالتَّحدِّي كأنه يَقول: أَخبِروني أَيَعْصِمكم أحَدٌ من اللَّه تعالى إن أَراد بكم سُوءًا.
فهذه قاعِدة في كل ما يَكون فيه الاستِفْهام بمَعنَى النَّفي، أن نَقول: (عُدِل عن النَّفْي المَحْض إلى الاستِفْهام، ليَكون مُشرَبًا بمَعنَى التَّحدِّي).
[ ١٣٦ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يَمنَعُكم منه إن أَراد بكم سُوءًا؟
الجَوابُ: لا أحَدَ؛ يَقول ﵀: [﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ هَلاكًا أو هَزيمةً]، هلاكًا إذا لم يَكُن هناك قِتالٌ، أو كان قِتالٌ فقُتِلتم أو هَزيمة إذا غُلِبتم وبقِيتم، وكلُّ ذلك سوءٌ، لكنه سُوء بالنِّسْبة للمُكلَّف، أمَّا بالنِّسْبة لفِعْل اللَّه ﷿ فإنه خَيرٌ، لأنه لحِكْمة.
قال المُفَسِّر ﵀: [أو يُصيبكم بسُوء إن أَراد اللَّه بكُمْ رَحمةً خَيرًا]، المُفَسِّر ﵀ قدَّر هذه الجُمْلةَ لأنه ﵀ ذكِيٌّ جِدًّا قال: أو يُصيبكم بسُوءٍ. (يُصيبكم) معطوفةٌ على (يَعصِمكم)، يَعنِي: أو مَن ذا الذي يُصيبُكم بسُوءٍ إن أَراد اللَّه تعالى بكم ﴿رَحْمَةً﴾ خيرًا.
والجوابُ أيضًا كالسابِق لا أحَدَ، وإنما قدَّمَ المُفَسِّر ﵀ [أو يُصيبكم بسُوء] على خِلاف ظاهِر السِّياق، لأن الرحمة لا تُعَدُّ مُصيبةً حتى تَحتاجَ إلى العِصْمةِ، فإنَّه إذا أَراد اللَّه ﷿ بالإنسان رحمةً لا يُقال: مَن ذا الذي يَعصِمكم منه، لأن الرحمة مَطلوبة، لا يَتَطلَّب الإنسان فيها أحَدًا يَعصِمه منها، فلهذا قَدَّر قوله ﷾: [أو يُصيبكم بسُوء] يَعنِي أي: يُصِيبكم أحَدٌ بسُوءٍ إن أَراد اللَّه تعالى بكُمْ رَحْمةً، ولكن الصحيح أنَّه لا حاجةَ إلى هذا التَّقديرِ، فإذا جَعَلنا العِصْمة بمَعنَى المَنْع فالمَعنَى: مَن الذي يَمنَعُكم من اللَّه تعالى إن أَراد بكُمْ سُوءًا، ومَن الذي يَمنَعُكم من رَحْمته إن أَراد بكم رَحْمة، فالفِرار لا يَمنَعُكم من السوء الذي أَراد اللَّه تعالى بكُمْ، والبَقاء لا يَجلِب لكم الرَّحْمة التي أَراد اللَّه تعالى بكم، فالكُلُّ بيَدِ اللَّه ﷾ لا يَنفَعُكم الفِرارُ ولا البَقاء.
[ ١٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [خَيْرًا]، فإذا كُنَّا فسَّرْنا الأوَّل بالهَلاك والهَزيمة، فالمُراد بالخَيْر هنا النَّصْر والبَقاء.
قال المفسر ﵀: [﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره ﴿وَلِيًّا﴾ يَمنَعهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَدفَع الضُّرَّ عنهم]؛ أي: لا يَجِدون لهم -أي: هؤلاء الذين فرُّوا من القِتال- أحَدًا يَنفَعهم، أو يَجلِب لهم الخَيْر، أو يَدفَع عنهم الضُّرَّ، لا يَجِدون وَليَّا، والوليُّ هو مَن يَتولَّى أمرًا، ويَعتَنِي به، فهؤلاء لا يَجِدون أحَدًا سِوَى اللَّه تعالى.
وقوله ﷾: ﴿وَلِيًّا﴾ يَعنِي: بالو لاية العامة؛ لأن ولاية اللَّه ﷾ تَنقَسِم إلى قِسْمَيْن:
ولاية عامَّة: تَشمَل كلَّ أحَدٍ.
وولاية خاصَّة: للمُؤمِنين فقَطْ.
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
أمَّا في المَعنَى العامّ فمِثْل قوله ﷾: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، فإن هذه هي الولاية العامَّة؛ لأن اللَّه تعالى وَليٌّ على كل أحَد بالمَعنَى العامِّ الذي هو التَّدْبير والمُلْك والسُّلطان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ النَّصير: هو الذي يَنصُرُك عند مُلاقاة الأعداء ويَمْنَعُك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحَد يَتَوَلَّاهم لجلْب الخير لهم، ولا يَنصُرهم لدَفْع الضَّرَر عنهم؛ لأن الأَمْر كلَّه للَّه تعالى.
[ ١٣٨ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: نَفاذ حُكْم اللَّه ﷾؛ أنَّ حُكْم اللَّه تعالى نافِذٌ في الخَلْق لا يَمنَعه أحَد، وجهُ ذلك ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، والاستِفْهام هنا كما سَبَق بمَعنَى النَّفي.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الإرادة للَّه ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على بعض طوائِف القدَرية الذين يَقولون: إن اللَّه تعالى لا يُريد السُّوء، يُريد الخيرَ، لكن لا يُريد السُّوء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، وفي الآية إِشْكال: وهو أن ظاهِرها أن اللَّه ﷾ يُريد السُّوء، مع أن النبيَّ ﵊ يَقول: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (^١)، فما هو الجوابُ؟
نَقول: السُّوء بالنِّسبة للمَفعولات، أمَّا بالنِّسبة لفِعْل اللَّه تعالى نفسِه -الذي هو فِعْله- فليس بسُوءٍ، فالمرَضُ مثَلًا سوءٌ بالنسبة للعَبْد يَسوؤُه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنِّسبة لتَقدير اللَّه ﷾ له خيرٌ وحِكْمةٌ، كما أَشَرْنا إلى هذا كثيرًا؛ إذَنْ: نَقول في الجواب على هذا الإِشْكالِ: إن السُّوءَ عائِدٌ إلى المَفعول لا إلى الفِعْل الذي هو تَقدير اللَّه تعالى.
ونَظير ذلك: لو أن أبًا شَفيقًا رحيمًا أُصيب ولَده بداءٍ فكَواه بالحديدة المَحماةِ على النار، لكان هذا لا شَكَّ يَسوء الطَّفْل أو يَسوء الولَد؛ لأنه يُؤْلمِه أو يُوجِعه، وهو بالنِّسبة لفِعْل الأَبِ ليس إساءةً، بل هو خَيْر وإن كان يُؤلمُ الطِّفْل الولد.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (٧٧١)، من حديث علي -﵁-.
[ ١٣٩ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اللَّه ﷾ لا مَانِعَ لما أَعطَى ولا مُعطِيَ لما منَعَ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحَدَ يَمنَع ما أَعطاه اللَّه ﷾، ولا أحَد يُعْطِي ما منَعه اللَّه تعالى، وعلى هذا قوله ﵊: "اللَّهُمْ لَا مَانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لمَا مَنَعْتَ" (^١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن فيها حَثًّا على تَعَلُّق الإنسان باللَّه ﷾ دُوْن غيره؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأَمْر كلُّه بيَد اللَّه تعالى فإن الإنسان يَتعَلَّق بربِّه دون غيره.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أُولئِك الكُفَّارِ لن يَجِدوا أحَدًا يَنصُرهم أو يَتولَّاهم دون اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ويَترَتَّب على ذلك: قَطْع كل عُلقَةٍ تَكون بين المُشرِكين وبين أَصنامهم، وأن أَصنامهم لا تَنفَعهم مَهما كان الأمرُ، ولكنه يَرِدُ على هذا إشكالٌ وَهو أن هؤلاء الذين يَدْعون الأصنام قد يَحْصُل لهم ما دعَوْهُ أو ما دعَوْا به هذه الأصنامَ، فكيف نَقول: إنها لا تَنفَعهم؟
فالجواب: أن هذا قد يَقَع ابتِلاءً وامتِحانًا من اللَّه ﷾، ونحن نَعلَم أن هذا لم يَحصُل بدُعاء هذه الأصنامِ، وإنما حصَل عنده وما حصَل عند الشيء ليس كالذي حصَل بالشَّيء.
فإن قلت: نحن لا نَقبَل منك: أنه حصَلَ لا بدُعائهم، ما دام الرجُل دعا ثُم حصَل المُراد؛ فكيف تَقول: إنه من أَمْرٍ خارِج ليس من الدُّعاء من دُعائهم! فهذا رجُل دعا صاحِب القبر وقال: يا سَيِّدِي يا مَوْلاي يا فُلانُ يا فُلانُ، أنا فَقيرٌ أَرجو
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، رقم (٨٤٤)، وأخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، رقم (٥٩٣)، من حديث المغيرة بن شعبة -﵁-.
[ ١٤٠ ]
أن تُعطيَنِي مالًا وفي اليوم نفسِه مات قريبُه الذي خلَّف مَلايين ولا يَعصِبه إلَّا هو، فأنت تَقول: من تَقدير اللَّه ﷾، وهو يَقول: هذا من الولِيِّ؛ فمَن قال لكَ: إنه استِدْراج؟
والجَواب: هو ابتِلاء -يا إخواني- ولكن ما حصَل هو فِتنةٌ وامتِحانٌ، وقد قُلنا له: هذه فِتنةٌ ودُعاؤُك لم تُحصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصَل عند دُعائِك لا بدُعائِك.
فقد يَقول: تبًّا لكم أنتم لا تَعرِفون قَدْر الأَوْليَاء، وأنا دَعَوْت وحصَل لي مُرادي، ورُبَّما يَتحَدَّانا يَقول: أَدْعُو مرة أُخرى فيَأتي القدَر مُوافِقًا!
ونَقول: اللَّه ﷿ قطَع كلَّ تَعلُّق بغيره ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، ونَعلَم بالآية الكريمة أن هذا لا يَستَجيب لك إلى يوم القِيامة وقال ﷾: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢١ - ٢٢].
وهذه آياتٌ واضِحة جدًّا أنه لا يُمكِن أن يَسْتجيب له، وإذا لَمْ يُمكِن أن يَستَجيبَ له، فنَعلَم عِلْم اليَقين أن هذا الذي حَصَل ليس بدُعاء هذا الوليِّ، بل حصَل في وقت الدُّعاء وليس بالدُّعاء، فعِند الشيء يَعنِي: أنه قريبٌ منه، وهذا تَقدَّم: أن مَذهَب الأشاعِرة يَقولون: إن الأسباب لا تُؤثِّر بنفسها، وإنما يَحصُل التأثير عِندها لا بها، فلمَّا ضَرَبت الزجاجَ بالحجَر وانكَسَر قالوا: ما انكَسَر، هذا من ارتطام الزُّجاج بالحجَر، حصَل عِنده عند ارتِطامها، ولكن ليس بها، على كل حال.
[ ١٤١ ]