* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩].
* * *
وقوله ﵀: [﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالمُعاوَنة جَمْع شحيحٍ وهو حال من ضَمير يَأتون] في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: ﴿أَشِحَّةً﴾ جمع شحيح، والشحيح هو المانِع مع الحِرْص، والبَخيل هو المانِع بدون حِرْص، فإذا كان الإنسان مَنوعًا جَموعًا، يَعنِي: مع الحِرْص يُسمَّى ذلك شحيحًا، وإذا كان بَخيلًا لكنه ليس ذاك الرجُلَ الذي يَكون حريصا على جَمْع المال مثَلًا، فإنه يُسَمَّى بخيلًا، ولهذا قال النبيُّ ﵊ مُحَذِّرًا من الشُّحِّ: "اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (^١).
وقوله ﷾: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ نُصِبت على الحال من فاعِل ﴿يَأْتُونَ﴾ يَعنِي: لا يَأتون إلَّا قليلًا، ومع ذلك يَأتون أشِحَّةً عليكم، يَعنِي: وهم أشِحَّاءُ عليكم، لا يُريدون أن تَصِلوا إلى خَيْرٍ، بل يحبُّون أن يَمنَعوا كلَّ خَيْر عنكم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾: ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخَوفُ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٧٨)، من حديث جابر -﵁-.
[ ١٤٧ ]
ليس ذاتًا تَأتي لكنه مَعنًى يَأتي، والمَجِيء يَكون للمَعاني ويَكون للذَّوات، فتَقول: جاءَهُ المرَض. وتَقول: جاء زيدٌ.
والمَجيء هنا أُسْنِد إلى مَعنَى ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ فهُوَ عامٌّ، فإذا جاء الخَوْف سواءٌ جاء من الأَعْداء الذين حضَروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول ﵊ حين يَطَّلِع على أَحْوالهم، فيَخافُون منه، من أن يَفضَحَهم اللَّه ﷾ بأفعالهم أو يُسَلِّط عليهم رسولَهُ -ﷺ-.
وقوله ﷾: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ الخِطاب هنا هل هو للرسول -ﷺ- أو لكُلِّ مَن يَتَوجَّه إليه الخِطاب؟
الجَوابُ: يُحْتَمَل أن يَكون للرسول ﵊، وهو الأَقْربُ ويُحْتَمَل أن يَكون لكلِّ مَن يُوَجَّه إليه الخِطاب.
وقوله ﷾: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ الرُّؤْية هنا بصريةٌ، وعلى هذا فلا تَنصِب إلَّا مَفعولًا واحِدًا وهو الهاء، وتَكون كلِمةُ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء: رأيتَهُم حالَ كَوْنهم يَنظُرون إليك.
وقوله ﷾: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائِف غالِبًا يُرَكِّز على جِهةِ الخَوْف، سواءٌ كان شَخْصًا أو أشخاصًا، وتَدور عينُه على غير نظَرٍ سليم، يَعنِي: كأنَّها تَدُور بغير اختِيارهم من شِدَّة الخَوْف.
ثُم شبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارَهم قال ﷾: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كنَظَر أو كدَوَران]، فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائِدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قدَّرنا: النظَر، وإن كانت عائِدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قدَّرنا: كدَوَران،
[ ١٤٨ ]
ولكن الذي يُناسِب القُرآن الأوَّلُ: نظَر، كما قال تعالى في سُورة القِتال: ﴿مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠].
وربما نَقول: يَنظُرون إليك تَدُور أعيُنُهم كالذي يُغْشَى عليه من المَوْت، ليس عائِدًا على النظَر، وإنما هو عائِد على حالهم، يَعنِي: كالإنسان المَغشِيِّ عليه من الموت؛ لا يَستَطيعون أن يَتكلَّموا؛ لأن أَرياقهم يَبِسَت، ودِماؤهم غارَت بسَبَب الخوف، فإذا جاء الخوف فإنها تَتَغَيَّر أبصارُهم وتَتغيَّر أحوالُهم أيضًا ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ والذي يُغشَى عليه من الموت لا شَكَّ أنه يَصفَرُّ وجههُ، ولا يَستَطيع أن يَنطِق في الغالِب ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.
قوله ﷾: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مِن سَكَراته] أي: سَكَراته يُغشَى عليه ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: (من) هنا للسبَبية وهل تَأتي (مِن) للسَّبَبية؟
الجَوابُ: نعَم، تَأتِي في مَواضِعَ كثيرةٍ، والأصل فيها أنها للابتِداء، حتى زعَم بعضُ النَّحوِيِّين أنها في كل مَكان تَكون للابتِداءِ، حتى فيما إذا كانت سبَبيَّةً قال: لأنها ابتِداء السبَب. لكن الصحيحَ ما ذهَب إليه ابنُ مالِك ﵀وغيرُه من النَّحويِّين أنها تَأتي لمَعانٍ كثيرةٍ- قال ﵀:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه بِمِنْ وقدْ تَأْتِي لِبَدْأ الْأَزْمِنَه
وَزِيدَ فِي نفْيٍ وشِبْهِهِ فَجُرّ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ (^١)
قال ﵀: [﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزت الغَنائِمُ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ آذَوْكم أو ضَرَبوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغَنيمة يَطلُبونها ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾
_________________
(١) الألفية (ص: ٣٥).
[ ١٤٩ ]
حقيقةً ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾]، فإذا ذهَبَ الخَوْفُ صار هؤلاءِ الذين كانوا حين الخَوْف كالمَغشِيِّ عليه من الخَوْف صاروا يَنطِقون بطَلاقةِ، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يَعنِي: أَصابوكم بشِدَّة ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شَديدةٍ قوِيَّةٍ.
والمُراد بالأَلسِنة هنا الكلامُ؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المَعنى: أنهم يُجادِلون ويُناظِرون ويَقولون: نحن معَكم، نحن نُساعِد، نحن خرَجنا، وما أَشبَه ذلك، كما قال اللَّه تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] وأبْدَوا وأَعَادوا في غَلبتهم للمُسلِمين؛ لأنه لا شَكَّ أن الإنسان قد يَغلِب خَصْمه بالكلام كما قال اللَّه تعالى في قِصَّة داودَ ﵇: ﴿وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] غلَبَني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بَيان وعنده
فَصاحة قد يَغلِب ولو كان على باطِل.
ولهذا قال النبيُّ ﵊: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِىَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ" (^١)، يَعنِي: وإن كان على باطِل؛ فالإنسان قد يَغلِب ببَيانِه الحقَّ؛ ولهذا كما تَعلَمون جاء في الحديث الصحيح: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (^٢)، فهؤلاءِ المُنافِقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صوَّرها اللَّه ﷾: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ لكِن ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ واطمَأنُّوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ يَعنِي: أَصابوكم بشِدَّة بهذه الأَلسِنة الحِداد.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم والغصب، باب إثم من خاصم في باطل، رقم (٢٤٥٨)، ومسلم: كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، رقم (١٧١٣)، من حديث أم سلمة -﵂-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الخطبة، رقم (٥١٤٦)، من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ١٥٠ ]
وقوله ﷾: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ هذه حال من الواو في قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، وما المُراد بالخَيْر هنا؟
يَقول المُفَسِّر ﵀: الغَنائم التي أَصابها المُسلِمون بانتِصارهم؛ قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حَقيقة، ولو آمَنوا، أَقول: (ولَوْ آمَنوا) ما فعَلوا هذا الفِعْلَ، ولمَا كانوا يَخافون من البَأْس، ولا كانوا يَدَّعون ما لا يَستَحِقُّون فيما إذا انتَهَتِ المَعْركة.
وقوله ﷾: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يَعنِي: أَبطَلها؛ حتى لا يَنتَفِعوا بها، وكان ذلك الإِحْباطُ على اللَّه ﷿ يَسيرًا [بإِرادته]، فهو يَسير على اللَّه ﷿؛ لأنه ﷿ لا يَخْشَى من أحَدٍ، كما قال تعالى في قول قوم صالِحٍ ﵇: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٤ - ١٥] فلا يَخاف ﷿ من عاقِبته، بِخَلاف المَخلوق، فالمَخلوق قد يُنكِّل بشَخْص ويُعاقِبه، ولكنه يَخْشَى من عاقِبته؛ فيَخْشى من قبيلتِهِ، ويَخشَى من الغَدْر به، وما أَشبَه ذلك؛ أمَّا الرَّبُّ ﷿ فإن كلَّ أَمْير يَسيرٌ عليه، ولا يَخافُ من أحَدٍ حين يَنتَقِم منه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الآيةِ دليلٌ على بُخْل المُنافِقين بما يَنفَع المُؤمِنين، وأنَّهم لا يَأتونهم إلَّا عن كَراهية، كالشَّحيح في بيع الماء كقَوْله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: جُبْن المُنافِقين، وأنهُم في غاية الجُبْن؛ لقوله ﷾: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ إلى آخِره، وبهذا نَعرِف أنهم أحَقُّ الناس بما وَصَفُوا به النَّبيَّ ﵊ وأصحابه حيث قالوا: "ما رَأَيْنا مِثْلَ قُرَّائِنا هؤلاءِ أَرْغَب بُطُونًا
[ ١٥١ ]
ولا أَكذَب أَلْسُنًا، ولا أَجبَن عِنْد اللِّقاءِ" (^١)، فنَقول: إن هذه الأَوْصافَ أنتُمْ أحَقُّ الناسِ بها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شِدَّة فزَع المُنافِقين عند الخَوْف؛ لأن تَصويرهم بهذه الصُّورةِ يَدُلُّ على الفزَع العَظيم الذي يَنالهُم عند الخَوْف.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّة مَحبَّة المُنافِقين للحياة؛ لأنهم إنما بَلَغوا هذا المَبلَغَ من الخَوْف حِرْصًا على الحَياة وخَوْفًا من الموت بالقِتال.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: قوَّةُ تصوير القُرآن للأَحْوال الواقِعة؛ لأن هذه الصُّورةَ التي ذكَرَها اللَّه تعالى صورة مُدْهِشة تَجعَل الإنسان يَتخَيَّلُ شِدَّة فزَعهم كأنه رَأيُ عَيْنٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن للمَوْت سكَراتٍ؛ لقوله ﷾: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنِّسبة للمَوْت العادِي، أمَّا الموت المُباغِت فقد لا يَكون فيه سكَرات، فقد يَموت الإنسان بَغْتة كالذي يَحدُث بالحوادِث وسَكتات القُلوب وما أَشبَهها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الجُبَناءَ المُنافِقين إذا ذهَب الخَوْف -على أنهم حين الخَوْف كالأموات أو كالذي يُغْشى عليه من الموت-، صاروا أبطالَ الكَلام، وأُمَراءَ الفَصاحة والتَّسلُّط، لقوله ﷾: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ فإذا ذهَب الخَوْف بدَؤُوا يَتكَلَّمون.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: شِدَّة المُنافِقين على المُؤمِنين، وأنهم عليهم أَشِدَّاءُ غِلاظٌ؛ لقوله
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٢٩)، عن ابن عمر -﵄-.
[ ١٥٢ ]
تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المُنافِقين كما قال الشاعِر:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ . . . . . . . . . . . . . . (^١)
فهُمْ على المُؤمِنين أُسودٌ بالباطِل، وطبعًا ليس بالحَقِّ، وعند الكُفَّار نَعامة، فالنَّعامة من جُبْنها إذا رأَتِ الصَّيَّاد تَدخُل رَأْسها في التُّراب؛ لئَلَّا يَراها! .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عِلْمُ اللَّه ﷾ بما في القُلوب ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ لأن الظاهِر لنا أنهم مُؤمِنون لكن الواقِع غير مُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التحذير من هذه الصِّفاتِ التي يَتَّصِف بها المُنافِق حتى وإن كان الإنسان مُؤمِنًا؛ لأنها صِفات غير المُؤمِنين، لقوله ﷾: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمُؤمِن مَنهيٌّ عن الاتِّصاف بصِفات غير المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن الكُفْر محُبِط للعمَل سواءٌ كان ظاهِرًا أم باطِنًا، لقوله تعالى: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّه أَعْمَالَهُمْ﴾، فأَحبَط اللَّه تعالى أَعمالهم.
وفي الجُمْلة من هذه الآيةِ إشكال؛ لأن الإِحْباط فَرْعٌ عن قيام الشيء، وهُمْ مُنافِقون، أَعمالهم باطِلة من الأصل؟
والجَوابُ أن يُقال: إنَّ الإِحْباط نَوعان: إِحْباطُ ما تَمَّ، وإحباطُ ما لم يَتِمَّ، فإِحْباط ما تَمَّ ظاهِر، وإحباط ما لَم يَتِمَّ أن يَكون من الأصل حابِطًا، ومنه قول بعض الفُقَهاء ﵏: إذا لم يُكَبِّر تكبيرةَ الإحرام بَطَلت صَلاته، فنَحن نَقول هنا:
_________________
(١) البيت نسبه البعض لعمرَان بن حطَّان قاله للحجاج، انظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (١/ ٢٦٣)، وثمار القلوب للثعالبي (ص: ٤٤٣)، وربيع الأبرار للزمخشري (٤/ ١٠٦).
[ ١٥٣ ]
ما صلَّى حتى تَبْطُل، لكن هذا بُطلانُ ما لم يَتِمَّ.
أو جَوابٌ ثانٍ: أن نَقول: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّه أَعْمَالَهُمْ﴾: إن أعمالهم ظاهِره الصِّحَّة، لأنه من قَوْمٍ يَدَّعون الإِسلام، ويَفعَلونها على ظاهِر الشَّرْع، لكنها في الواقِع باطِلةٌ؛ لعدَم الأساس.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَهَمِّية الإِخْلاص للَّه ﷾ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجَعَل الإِحْباط فَرْعًا عن عدَم الإيمان، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الرَّكيزة الأصلِيَّة للأعمال هي الإيمان.
وهل يُؤخَذ من الآية الكريمة أن الأَعْمال تَزدادُ قوَّةً بقُوَّةِ الإيمانِ وفَضْلًا؟
الجوابُ: نعَم؛ لأنه لمَّا حبِط العمَلُ لِعَدَم الإيمان دلَّ هذا أنه يَقوَى بقُوَّة الإيمان؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الصحابة: "لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (^١)، فالعمَل واحِد، لكن العامِل مُختَلِف، ففَرْق بين مَن يَعمَل بإيمان راسِخٍ قوِيٍّ كأنما يُشاهِد الثَّواب له بعَيْنه، وبين شَخْصٍ ليس على هذه الحالِ.
فإِذَن: تَفاضُلُ الأعمال يَكون مَبنِيًا على تَفاضُل ما في القُلوب، ويُذكَر عن بعض السَّلف أنه قال: واللَّهِ ما سبَقَهم أبو بَكْر بكَثْرة صِيامٍ ولا صَلاةٍ، ولكنه سبَقَهم بما وقَرَ في قَلْبه -﵁- من الإيمان العَظيم الراسِخ (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي -ﷺ-، باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا"، رقم (٣٦٧٣)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة؛ باب تحريم سب الصحابة -﵃- رقم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٢) ذكره ابن تيمية في منهاج السنة (٦/ ٢٢٣)، عن أبي بكر بن عياش، وذكره صاحب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص: ٤٨) عن بكر بن عبد اللَّه المزني.
[ ١٥٤ ]
ولا يُقال: إن هذا فَتْحُ باب للعَصاة، فالعاصِي إذا قال له قائِل: اتَّقِ اللَّه تعالى اتْرُكِ المَعصية، اتَّقِ اللَّه تعالى أَقِمِ الواجِب. قال: التَّقوى هاهنا. ثُمَّ ضرَب على صَدْره ضربةً، التَّقوى هاهنا! فنَقول له: التَّقوى هاهنا صحيح، لكن هذه كلِمة حقٍّ أُريد بها باطِل، نَقول: لوِ اتَّقى ما هاهنا لاتَّقَى ما هاهنا؛ لقول الرسول ﵊: "إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ" (^١) لو صلَح ما هاهنا لصلَح الظاهِر.
فالحاصِل: أن هذه الآيةَ واضِحة، الدَّليلُ فيها دليل واضِح على أنَّ الأعمال تتَفَاضَل بِحَسَب ما في القلوب من الإيمان، والشاهِد من الحديث هو قول النبيِّ -ﷺ- للصحابة -﵃ -: "لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ".
فإن قال قائِل: مُدَّ أحَدهم من الذهَب أو مُدَّ أحَدِهم من الطعام؟
فالجَوابُ: يُحتَمَل؛ فبعضُهم يَقول: مُدَّ أحَدهم من الطَّعام؛ لأنه هو الذي جرَتِ العادة أن يُكال. يَعنِي: لو أَنفَق أحدُكم مثل أحُدٍ ذهَبًا ما بلَغ مُدَّ واحِد منهم من التَّمْر؛ لأنه هو الذي يُكال عادةً، وبعضُهم يَقول: ما بلَغَ مُدَّ أحدِهم من الذهَب؛ لأن التَّفاضُل بين الطعام والذهَب بَعيدٌ، لكن التَّفاضُل بين الذهَب القليل والذهَب الكثير.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير -﵄-.
[ ١٥٥ ]