* قالَ اللَّه ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
* * *
وقوله ﵀: [﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثَّبات مع النبيِّ -ﷺ-].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجُمْلة هذه مُكوَّنة من مُبتَدأٍ وخبَر، والخبَر مُقدَّم والمُبتَدَأ مُؤخَّرٌ، فالمُبتَدَأ قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ والخبَرُ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإن قال قائِل: ﴿رِجَالٌ﴾ نكِرة، والابتِداء بالنَّكِرة ليس بجائِز؟
فالجَوابُ: أن ابن مالِك ﵀ يَقول:
وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَه مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زيدٍ نَمِرَه (^١)
والآيةُ التي معَنا مثل هذا المِثالِ: عِندَ زيدٍ نَمِرة، والمُسَوِّغ للابتِداء بالنكِرة هنا تَأخير المُبتَدَأ، كذلك في قوله ﷾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ المُسوِّغ تَأخيرُ المُبتَدَأ، كما أن في الآية أيضًا مُسوِّغًا آخَرَ وهو وَصْف هذه النَّكرةِ؛ لأن وَصْف النَّكرة يُخصِّصها.
_________________
(١) الألفية (ص: ١٧).
[ ١٧٦ ]
وقوله ﷾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض؛ لأنها تُقدَّر بـ (بعْض)، واختَلَف النَّحويُّون في (مِن) التَّبعيضية فقال بعضهم: إنها اسْمٌ، وهي بحَسب العوامِل، لكن لا يَظْهَر عليها عمَل العامِل؛ لأنها حَرْف فيَنتَقِل العامل إلى ما بعدَها، ومنهم مَن قال: إنها حَرْف جَرٍّ، ولكن مَعناها: التَّبعيض وهذا هو الذي عليه أكثر] أهل النَّحو.
وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ مَعنَى ﴿صَدَقُوا﴾ أي: قاموا بهم، كما تَقول: صدَق لي الوَعْد. يَعنِي: وفَى لي بالوَعْد، فهُمْ وفَوْا بما عاهَدوا اللَّهَ تعالى عليه من الثَّبَات مع النبيِّ -ﷺ- مِثْل: أبي بَكْر وعُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ، وكثير نَحوهم.
وقوله ﵀: [﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِل في سبيل اللَّه تعالى، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ في العَهْد، وهُم بخِلاف حال المُنافِقين].
قسَّم اللَّه تعالى هؤلاءِ الرِّجال الذين صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه عليه إلى قِسْمين: قِسْم قضَى نَحْبه يَعنِي: قَضى حَياته وقُتِل في سبيل اللَّه تعالى كحَمزةَ بنِ عبدِ المُطلِّب -﵁-، فإنه قُتِل شهيدًا في سبيل اللَّه تعالى، وكذلك بقية شُهَداء أُحُد.
ومنهم مَن يَنتَظِر القِتال في سبيل اللَّه؛ لأنه قد صدَق الرسول -ﷺ- أو قَدْ ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فهُم يَنتَظِرون أن يُستَشهَدوا، ولكن هل يَحصُل لهم ذلك أم لا؟ قد يَحصُل وقد لا يَحْصُل؛ ولهذا يُقال: إن خالدَ بن الوَليد -﵁- تَأسَّف في حال مرَضه أنه لم يُقتَل شهيدًا في سبيل اللَّه تعالى، يَعنِي: يَندَم أنه ما ترَك مَعرَكةً إلَّا خاضَها قال -﵁-: "وَهَا أنَّا أَموتُ عَلى فِراشِي كما يَموتُ الحِمارُ" (^١)؛
_________________
(١) أخرجه الدينوري في المجالسة رقم (٨٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٣٧).
[ ١٧٧ ]
لأنهم يُريدون أن يُستَشهَدوا في سبيل اللَّه تعالى.
قال ﷾: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا مَعطوف على ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: ومنهم رِجال ما بدَّلوا تَبديلًا؛ يَقول المُفَسِّر ﵀: [في العَهْد] والتَّبديل في العَهْد يَشمَل نَقْضَه بالكُلية، ويَشمَل الإخلال بشيء من شُروطه يَعنِي: يَشمَل نَقْضه بالكُلية وعدَم الالتِفات إليه، ويَشمَل الإخلال بشَيْء من شُروطه.
قال اللَّه ﷾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبَر مُقدَّم ﴿رِجَالٌ﴾ مُبتَدَأ مُؤَخَّر، ﴿صَدَقُوا﴾ الجُمْلة صِفة للرِّجال ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: أنهم صدَقوا أَقوالهم بأَفْعالهم، فالعَهْد الذي عاهَدوا اللَّه تعالى عليه قاموا به ووفَوْا به.
واعلَمْ أن مَعنَى قوله ﷾: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن من المُؤمِنين رِجالٌ عاهَدوا اللَّه تعالى وصدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه، وليس المَعنَى أن من المُؤمِنين رِجال صدَقوا ومِنهم مَن لم يَصدُق حتى يَتشبَّث به من سَبَّ الصَّحابة -﵃-، أو قال: إنهم ليسوا كلُّهم صادِقين.
فالمَعنَى: أن من المُؤمِنين رِجالًا عاهَدوا اللَّه تعالى فصدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه، بل مِنَ المُؤمِنين مَن لم يُعاهِد اللَّه ﷾ على شيء، بل هو مُستَمِرٌّ على طاعة رَبِّه، حيث ما أُمِر، ممَّن عاهَد اللَّه تعالى أنَسُ بنُ النَّضْر -﵁-، فإن أنَسَ ابنَ النَّضْر لم يَشهَد بَدْرًا، فلمَّا رجَع النبيُّ -ﷺ- من بَدْر قال: يا رسول اللَّهِ، هذه أوَّلُ غَزوة قاتَلْتَ فيها المُشرِكين، واللَّهِ، لئِنْ أَبقاني اللَّهُ تعالى لَيَرَينَّ اللَّه ما أَصنَع. فلمَّا صارَتْ غَزوةُ أُحُد قاتَل -﵁- حتى قُتِل، فكانَتْ فيه بِضْعٌ وثَمانون ما بين طَعْنة
[ ١٧٨ ]
رُمْح أو ضَرْبة سَيْف (^١)، فصدَق ما عاهَد اللَّهَ ﷾ عليه، هذا هو مَعنَى الآية ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فقوله -﵁-: "ليَرَينَّ اللَّهُ ما أَصنَعُ" هذا عَهْد؛ لأنه التِزام التَزَم به على نَفْسه.
قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يَعنِي: فمِن هؤلاء الذين عاهَدوا اللَّه ﷿ مَن قَضَى نَحْبه، أي: عَهْده والتِزامه وقِيل: مَن قضَى نَحْبه أي: أَجَلَه، أي: مات وقُتِل، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ يَعنِي: يَنتَظِر الموت والقَتْل شَهيدًا في سبيل اللَّه ﷿.
قال ﷾: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ يَعنِي: ما حصَل منهم تَبديل لا بالنَّقْض بالكُلية ولا بالتَّغيِير؛ ولهذا قال ﷾: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ والتَّبديلُ يَكون بالتَّرْك كُلِّيةً ويَكون بالتَّغيير بالنَّقْص أو بالزِّيادة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [وهُمْ بخِلاف حال المُنافِقين]، فإن حال المُنافِقين على العَكْس يُعاهِدون اللَّه ولا يُوفُّون، قال اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]، أمَّا المُؤمِن فإنه يَفِي بما عاهَدَ اللَّهَ تعالى عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب قول اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، رقم (٢٨٠٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم (١٩٠٣)، من حديث أنس -﵁-.
[ ١٧٩ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناءُ على أُولَئِك المُؤمِنين الذين عاهَدوا اللَّه تعالى فصدَقوه، وجهُ ذلك السِّياقِ ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكِرةٌ للتعظيم، يَعنِي: رِجالًا عُظَماءَ صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن أُولَئِك الذين صدَقوا ما عاهَدوا اللَّه ﷾ منهم مَن تُوفِّي واستُشْهِد، ومنهم بَقِيَ، وقد ذكَّرْنا مثلًا بمَنِ استُشهِد وهو أَنَسُ بن النَّضْر -﵁-، فإنه استُشهِد في أُحُد، ووُجِد فيه بِضْعٌ وثمانون ضَرْبةً (^١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن اللَّه ﷿ أَثنَى على هؤلاء أنهم أَتَوْا بما عاهَدوا اللَّه تعالى عليه على وجهِ الكَمال بدون نَقْص ولا تَغيير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن مات سابِقًا ومَن مات لاحِقًا إذا كان سَواءً فيما قام به ممَّا يَجِب، فإنه لا فرقَ بين المُتقَدِّم والمُتأخِّر؛ لأنه قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعَل الثَّناء عليهم واحِدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تَأخَّر موتُه فازداد عمَلًا صالِحًا فهو أكمَلُ من الأوَّل، ولكنه بالنِّسبة لما اتَّفَق فيه من العمَل الصالِح لا فَرْقَ بين الأوَّل والآخِر.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب قول اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، رقم (٢٨٠٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم (١٩٠٣)، من حديث أنس -﵁-.
[ ١٨٠ ]