* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [إنه مَنصوب باذْكُرْ] و(اذْكُرْ) مَحذوف، أي: اذكُرْ يا محُمَّدُ إذ تَقول للذي أَنعَم اللَّه تعالى عليه. . . إلى آخره، اذْكُرْ هذا القَوْلَ حتى تَكون مُستَعِدًّا لمِا يُلقَى إليك من المَوعِظة؛ لأنَّ اللَّه تعالى وعَظَه في هذه الآيةِ مَوْعِظة عظيمة، حتى قالت عائِشةُ -﵂-: "لَوْ كان محُمَّدٌ كاتِمًا ما أُنزِل إليه لكَتَمَ هذه الآيةَ" (^١).
وقوله ﵀: [﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإِعْتاق] بيَّن اللَّه ﷿ أنَّ هذا الرجُلَ الذي أَبهَم اسمَهُ هنا، ثُم أَوضَحَه فيما بعد أنَّ عليه نِعمَتَيْن؛ النِّعْمة الأُولى: للَّه تعالى، والثانية: للرسول ﵊، وهنا قال تعالى: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾، فأتَى بالواو الدالَّة على الاشتِراك، مع أن هذا ليس من باب التَّشريكِ، حتى نَقول: إنه يَجوز إشراك اللَّه تعالى مع الرسول ﵊،
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، رقم (١٧٧/ ٢٨٨).
[ ٢٩٨ ]
بل هو من بابِ النِّعْمة والعَطاء والفَضْل، فكيف جَمَع بين إِنْعام الرسول -ﷺ- وإنعام اللَّه تعالى بالواو الدالَّة على التَّشريك؟
فالجَوابُ أن نَقول: جمَع بينهما بالواو الدالَّة على التَّشرِيك، لأنَّ النِّعْمَتَيْن مخُتَلِفَتان، فالنِّعمة الأُولى من اللَّه تعالى بالإسلام، والثانية: النِّعْمة من الرسول -ﷺ- بالعِتْق، فلمَّا اختَلَفَتِ النِّعْمتان صارتِ الواو لا تَدُلُّ على الاشتِراك، لامتِناع الاشتِراك بين شَيْئَيْن مخُتَلِفَين.
قال ﵀: [﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيدُ بنُ حارِثةَ كان مِن سَبْي الجاهِلية اشتَراه النبيُّ -ﷺ- قبل البعثة وأَعتَقَه وتَبنَّاه، المَشهور أنَّ زيدَ بنَ حارثةَ -﵁- كان مَملوكًا لجديجةَ -﵂-، فوهَبَتْه للنبيِّ -ﷺ-، هذا هو المَعروف في السِّيَر (^١)، وأيًّا كان فإنَّ زيدَ بنَ حارِثةَ -﵁- كان مَملوكًا للرسول -ﷺ-، ثُمَّ أَعتَقَه وتَبنَّاه أيضًا، فرَفَع مَعنَويَّاتِه بكونه أَضافَه إليه ابنًا له، وكان يُدعَى زَيدَ بنَ محُمَّدٍ (^٢)، حتى أَبطَل اللَّه تعالى ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وبقوله ﷾: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].
وقوله ﵀: [﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أَمْر طلاقِها: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هُنا عَدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (عَلَى)، لأنَّها بمَعنى: اضمُمْ عليك زوجَك، يَعنِي: اجعَلْها مُنضمَّة عليك ولا تُفارِقْها.
_________________
(١) انظر: الاستيعاب (٢/ ٥٤٣)، والإصابة (٢/ ٤٩٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، رقم (٤٧٨٢)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة -﵃-، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد -﵄-، رقم (٢٤٢٥)، من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ٢٩٩ ]
قوله تعالى: ﴿زَوْجَكَ﴾ المُراد بها: زينبُ بنتُ جَحْشٍ -﵂-، وكان زَيدٌ -﵁- قد تَزوَّجها بمَشورة النبيِّ -ﷺ-، فَجَاء يَستَشيره في طلاقِها، فقال له النبيُّ ﵊: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾؛ يَعنِي: لا تُطلِّقْها، وأَمَره بأَنْ يَتَّقيَ اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، إغراءً له على إِمْساكها، وإن كان الرجُل لم يَفعَل خَطيئةً، لأنَّ الطلاق ممَّا يُباح للرِّجال، لكن من باب الإِغْراء على إِمْساكها.
وقال بعضُ المُفسِّرين: إنه -أَي: زَيدُ بنُ حارِثةَ -﵁- ذكر زَينبَ -﵂- بعَيْبٍ، فقال له الرسول -ﷺ-: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يَعنِي: لا تَصِفْها بالعَيْب، وليس المَعنَى: اتَّقِ اللَّه لا تُطلِّقْها؛ لأنَّ الأصل في الطلاق أنه مُباح.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، الواو حَرْف عَطْف، ﴿وَتُخْفِي﴾ مَعطوفة على قوله تعالى: ﴿تَقُولُ﴾، يَعني: واذْكُرْ أيضًا إذ تُخفِي في نَفْسِك ما اللَّه تعالى مُبديه، وأَبهَمَ اللَّه تعالى ما أَخفاه، لكنه بيَّن أنه سيُبدِيه، ونَنظُر ماذا أَبدَى اللَّه ﷿:
قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾: ﴿مَا﴾ هذه اسْمٌ مَوصولٌ في محَلِّ نَصْب مَفعول لـ ﴿وَتُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مُبتَدَأ، و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبَرُه، والجُملةُ صِلة المَوْصول لا محَلَّ لها من الإعراب، يَعنِي: تُخفِي في نفسك الذي اللَّه تعالى مُبدِيه، وهنا لم يَقُلْ: وتُخفِي في نَفْسك ما يُبديه اللَّه تعالى، بل قال تعالى: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فأَتَى بالجُمْلة الاسمِيَّة الدالَّة على الثُّبوت كأن هذا أَمْر لا بُدَّ منه، أي: لا بُدَّ أن يُبديَه اللَّه ﷿، وهذا هو الذي وقَعَ.
ومَعنَى: ﴿مُبْدِيهِ﴾، أي: مُظهِره، وهو مُقابِل لِقَوْله: ﴿وَتُخْفِي﴾، قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلَّا أنَّ المُقابَلة اختَلَفَت من حيث الصِّيغة،
[ ٣٠٠ ]
فالصِّيغةُ في الإِخْفاء جاءت بالمُضارع، وأمَّا الصِّيغةُ بالإِبْداء فجاءَتْ بالجُمْلة الاسمِيَّة.
وقوله ﵀: [﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مُظهِرُه من مَحبَّتها، وأن لو فارَقَها زيدٌ تَزوَّجْتَها] هذا ما زعَمَ المُفَسِّر ﵀ تبَعًا لكثير من المُفسِّرين: أنَّ الذي أَخفاه النبيُّ ﵊ هو مَحبّتُه لهذه المرأةِ، فأَبدَى اللَّه تعالى ذلك، ولكنَّك إذا تَأمَّلْتَ الآياتِ وجَدْتَ أنَّ الذي أَخفاه هو (نِيَّة الزَّواج بها بأَمْر اللَّه ﷿)، فإنَّ اللَّه تعالى أمَرَه أن يَتزَوَّجها بعد زيدِ بنِ حارِثةَ -﵁-، وكأن هذا -واللَّهُ تعالى أَعلَمُ- من أَجْل جَبْر قَلْبها حيث تَزوَّجَتْ زَيدَ بنَ حارِثةَ -﵁- وهو مَوْلًى، وهي من صميم العرَب، فأَراد اللَّه ﷿ أن يُكافِئَها على خُضوعها لمَشورة النبيِّ -ﷺ- بأن يَتزَوَّجها الرسول -ﷺ-، هذه من جِهةٍ.
ومن جِهة أُخرى: أمَرَه اللَّه تعالى أن يَتزَوَّجها لأَجْل أن يَزول ما كان مَشهورًا عِندهم في الجاهِلية؛ من أنَّ ابن التَّبنِّي لا يَجوز لمَن تَبنَّاه أن يَتزوَّج بامرأته، فيَكون هذا من باب البَيان بالفِعْل الذي هو أَقوَى من البَيان بالقَوْل.
وإذا نظَرْنا إلى الذي أَبداه اللَّه تعالى وجَدْنا أنه زواجُه، لا أنه يُحِبُّها، فلم يَقُلِ اللَّه تعالى في القُرآن: إنك تُحِبُّها، أبَدًا! ولا تَعرَّض للحُبِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: تَخاف من قولهم، ومن كلامِهم، بأن يَقولوا: تَزوَّج زوجةَ ابنِهِ، وهذا عِند العَرَب عَيْب، فهُمْ يَرَوْنه من المُنكَرات.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في كُلِّ شيء وتَزوَّجها، ولا عليك من قول الناس، ثُمَّ طلَّقها زيدٌ وانقَضَت عِدَّتها]، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ من الناس، ولكنه هنا أَطلَق، فقال تعالى:
[ ٣٠١ ]
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، ولم يَذكُرِ المُفضَّل عليه من أَجْل العُموم؛ لأنَّه دائِمًا يَكون الحذفُ مُفيدًا للعُموم، يَعنِي: أَحَقُّ أن تَخشاه من كل أحَد من النَّاس، ومن الجِنِّ، ومن غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾، يَعنِي: أن تَخافَه، ولكن الخَشْية خَوْف مع عِلْم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، والخَشْية أيضًا خَوْف مع قُوَّة المَخشِيِّ وعظَمَته، فالجوْف دون الخَشْية؛ لأنَّ الخَوْف يَقَعُ بدون عِلْم؛ ولأنَّ الخَوْف يَقَع من ضَعْف الخائِف، لا من قُوَّة المَخُوف؛ ولهذا كانتِ الخَشْية أَرفَعَ مَرتَبة وأَقوَى، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
وقوله ﵀: [﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، حاجةً، ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فدخَل عليها النبيُّ -ﷺ- بدون إِذْنٍ وأَشبَع المُسلِمين خُبْزًا ولَحْمًا].
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾؛ أي: حاجة، وهذا دليلٌ على أنَّ زيدًا -﵁- طلَّقَها عن رَغْبة، وأنها انقَضَتْ حاجته منها، ولم يُطلِّقها عن ضَغْط أو إِكْراهٍ.
وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شَرْعًا وقدَرًا، لكِنَّ المُهِمَّ: شَرْعًا؛ لأنه لو كان المُراد قدَرًا فقط لم يَكُن بينها وبين أُمَّهات المُؤمِنين فَرْق؛ لأنَّ اُمَّهات المُؤمِنين أيضًا ممَّا زَوَّجهن اللَّه تعالى قدَرًا، وكانت هي -أي: زَينبُ -﵂- تَفتَخِر على نِساء النبيِّ -ﷺ-، فتَقول: "زَوَّجَكن أَهالِيكُنَّ، وزَوَّجَني اللَّه من فوقِ سَبْع سَمَواتٍ" (^١)، وهذا دليل على أنه تَزويج شَرْعيٌّ، ولكنَّه قدَريٌّ أيضًا في نَفْس الوقت.
وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضَميران مَفْعولان؛ الضَّمير الأَوَّل: الكافُ،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، رقم (٧٤٢٠)، من حديث أنس -﵁-.
[ ٣٠٢ ]
والثاني: (ها)، وهو مُتمَشٍّ على القاعِدة، وابنُ مالِك ﵀ يَقول:
وَقَدِّمِ الْأَخَصَّ فِي اتِّصَالِ وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ (^١)
وضَميرُ المُخاطَب أَخصُّ من ضمير الغائِب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
والحِكْمة من ذلك: قال ﵎: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ﴾ اللَّام هنا للتَّعليل، و(كَيْ) حَرْف مَصدَر؛ لأنها بعد اللَّام مَصدَرية مَحضَة؛ أي: (لأن)، و(لا) نافِية.
وقوله تعالى: ﴿حَرَجٌ﴾؛ أي: ضِيق ومَشقَّة.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أَدعياؤُهم: أَبناؤُهم الذين تَبنَّوْهم، هؤلاءِ همُ الأَدْعياءُ، وهؤلاءِ الأدعياءُ ليسوا بأبناءٍ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وتَأمَّلْ قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، ولم يَقُلْ: (أَبنائِهم الذين تَبنَّوْهم)؛ لأنَّ هذه البُنوَّةَ مُنتَفية شَرْعًا وباطِلة شَرْعًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَدْعِيَائِكُمْ﴾.
وبهذا نَعرِف أنَّ قول مَن قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: (إن قولَه: ﴿أَصْلَابِكُمْ﴾ احتِرازٌ مِن ابنِ التَّبنّي) يَتبيَّن لنا أنَّ هذا القولَ لا وَجهَ له؛ لأنَّ ابنَ التَبنِّي لم يُسمِّه اللَّه تعالى ابنًا أبَدًا، بل نفَى عنه البُنوَّة، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابنُ التَّبنِّي لا يُسمَّى ابنًا شَرْعًا، فإنه لا حاجةَ إلى
_________________
(١) الألفية (ص: ١٣).
[ ٣٠٣ ]
أن نَأتِيَ بصِفة تُخرِجه؛ لأنَّه ليس بداخِل أصلًا حتى يَخرُج بهذه الصِّفةِ الذين من أَصلابِكم؛ ولكنها احتِراز من ابنِ الرَّضاعة، كما هو اختيار شيخِ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾: ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعِل يَعود على الأَدْعياء، وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنَّه لو كان ذلك بضَغْط من الأبِ المُدَّعي لكان ذلك فيه حرَج، بل لا بُدَّ أن يَكونوا قد قضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وأنْهَوْا رَغْبَتَهُن فيهِنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [مَقضِيُّه ﴿مَفْعُولًا﴾]، ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: الكَوْني؛ لأنَّ الشَّرعيَّ قد يُفعَل وقد لا يُفعَل، ولكن الأمر الذي لا بُدَّ أن يُفعَل هو أمر اللَّه تعالى الكَوْنيُّ، فإذا أمَرَ اللَّه تعالى بشيء كونًا فلا بُدَّ أن يَقَعَ.
وخُلاصَةُ تفسير هذه الآيةِ أن نَقول: إن اللَّه ﷿ ذكَّر نبيَّه -ﷺ- بهذا الأَمرِ العَظيمِ، وهو قولُه لزَيدِ بنِ حارِثةَ -﵁- حين جاء يَستَشيره في طلاق زَوجَتِه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، مع عِلْم النبيِّ -ﷺ- بأن اللَّه تعالى سَوْف يُزوِّجه إيَّاها، وكان على النبيِّ ﵊ أن يَسكُت على الأقَلِّ، ويَقول: انظُرْ ما يَبدو لك في هذا الأَمرِ، لكنه أَشار عليه أن يُمسِكَ؛ لأنَّه يَخشَى أن يَقول الناس: تَزوَّج امرأةَ ابنِه الذي تَبنَّاه. فكان النبيُّ ﵊ يَخاف من هذا الأَمرِ، ولكن اللَّه تعالى وجَّهَه هذا التوجيهَ السليمَ.
[ ٣٠٤ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَذكير النبيِّ -ﷺ- بالأُمور التي يَحسُن أن يُوعَظ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ حيثُ قُلْنا: إنَّها مَنصوبة بفِعْل مَحذوف تَقديرُه: اذكُرْ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ مِنَّة اللَّه تعالى على زَيدِ بنِ حارِثةَ بالإسلام، والتَّمسُّك به، حتى إن أباه وأَعمامه لمَّا جاؤُوا يَطلُبونه، وخيَّرهُ النبيُّ ﵊ بينَهُم وبينَهُ، اختار أن يَكون مع الرسول -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإِعْتاق نِعْمة من المُعتِق على عَتيقه، وهو كذلك، والفَرضِيُّون يُعبِّرون بـ (النِّعمة) عن الإِعْتاق.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَجوز عَطْف الأمور غير الشَّرْعية بالواو إذا اختَلَف المَعنَى، وقُلْنا: لا يُسوَّى بين اللَّه تعالى وبين الرسول -ﷺ- بالواو في غير الأُمور الشَّرْعية، وهنا عَطَف نِعْمة الرسول ﵊ على نِعْمة اللَّه تعالى بالواو، مع أنَّها ليست من الأُمور الشَّرْعية، لكنَّ الذي سَوَّغ ذلك اختِلافُ النِّعْمَتَيْن؛ فالنِّعْمة الأُولى: الإسلامُ، والنِّعْمة الثانية: العِتْقُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الزوجة تابِعة للزَّوْج؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنَّه يَضُمُّها ويَحرُسُها ويَصونها، وكأنَّها تابِعة له، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: استِشارة ذَوِي الرَّأْيِ؛ لأنَّ زيدًا -﵁- استَشار النبيَّ -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه يَجِب على المُستَشار أن يَبذُل ما يَراه الأَوْلى -ولو باجتِهاده؛ لأنَّ الرسول ﵊ أَشار على زَيْد بإِمْساكها اجتِهادًا منه خَوْفًا من إثارة
[ ٣٠٥ ]
المُنافِقين والمُشرِكين عليه، ولكن لا يَعنِي ذلك أن يَكون المُشير مُصيبًا فيما يَتَصرَّف فيه، قد يُخطِئ فيما يَتَصرَّف فيه، لكن هو في حال إشارته يَرَى أنَّ ذلك هو الصَّوابُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأفضل للزَّوْج ألَّا يَتعجَّل بالطلاق، وأَنْ يُمسِك عليه زَوْجَته؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، فأَشار عليه بعدَم الطلاق، وإن كان للرسول ﵊ أَغراضٌ أُخرى، لكن لا يَمنَع أن تَتَعدَّد الأسباب في الأَمْر بإِمْساكها، ومَعلوم أنَّ اللَّه ﷿ قال في كِتابه المُبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ثُبوت رِسالة النبيِّ -ﷺ-، وأنَّها رِسالة حَقٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، فلو كان النبيُّ ﵊ كاذِبًا -وحاشاهُ من ذلك- لكان يَكتُم مثل هذه الأَشياءِ؛ لأنَّها صَعْبة في حَقِّه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ اللَّه ﷿ قد يَفعَل خِلاف ما كان عليه الرسول -ﷺ-، بمَعنَى أنَّ اجتِهاد النبيِّ -ﷺ- قد يَكون مخُالِفًا لما يُريده اللَّه ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فالرسول -ﷺ- أَخفَى في نَفْسه هذا الأَمرَ، لكنَّ اللَّه تعالى خالَفَه في ذلك فأَبْداه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ خوف النَّاس قد يَقَع من الأنبياء ﵈، ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجوبُ تَقديم خَشْية اللَّه ﷿ على خَشْية كل أحَدٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، فالواجِبُ على المَرْء ألَّا يَخاف في اللَّه تعالى لَوْمةَ لائِمٍ، وأن يَتَّقِ اللَّه ﷿ في بَيان الحقِّ والعمَل به، لا يَقُل: إنَّ الناس يَشمَتون بي،
[ ٣٠٦ ]
إنَّ الناس يَسخَرون مِنِّي، إنَّ الناس يَستَهْزِئون بي. وليكن ذلك! فإنه لا يَزداد بهذه السُّخريةِ والاستِهْزاءِ إلَّا رِفعةً عند اللَّه ﷾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّه لا يَصِحُّ التزويج حتى يَنتَهِيَ حقُّ الزَّوْج الأوَّل من الزوجة بالكُلِّية؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فكان التزويجُ بعد انتِهاء زَيدٍ -﵁- منها بالكُلِّية، ولا يَرِد على ذلك أن يُقال: إنَّ ظاهِر الآية جَواز التزويجِ بعد الطلاق مُباشَرة، لأنَّا نَقول: إن الوَطَر والحاجة ما تَنتَهي إلَّا بانتِهاء العِدَّة، إذ إنَّ الإنسان لو أَراد أن يَرجِع إلى زَوْجته في العِدَّة وهي رَجْعية لحصَل له ذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إثبات العَظَمة للَّه ﷿ والسُّلْطان، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لمِا له من العظَمة والسُّلْطان.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة زينبَ بنتِ جَحْشٍ -﵂-، حيث زوَّجها اللَّه ﷾ لرسوله -ﷺ-، وجهُهُ: أنَّ غيرها يُزوِّجه أولياؤُها وأهلُها، وأمَّا هي فقَدْ تَولَّى اللَّه ﷿ تَزويجها، وهذه مَنْقَبة عظيمة لها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ اللَّه ﷾ يُثيب عبدَه أكثَرَ من عمَله؛ لأنَّ هذه المرأةَ -كما سبَقَ- تَزوَّجت زيدَ بنَ حارِثةَ -﵁-، مع أنَّ زيدًا -﵁- من المَوالي، وهي من صميم العرَب، وقد يَكون في ذلك غضٌّ من حَقِّها ومَرتبَتها، فرفَعَ اللَّه تعالى من شَأْنها، حيث زوَّجها رسولَه محمدًا -ﷺ- هو بنَفْسه ﵎، ولا شَكَّ أنَّ هذا رِفعة من شَأْنها، فهي بعد أن كانت تَحتَ هذا المَولَى وهي من صميم العرب، وكان في ذلك شيء من الغَضاضة عليها، رفَعَ اللَّه تعالى من شأنها بهذا الأَمرِ.
[ ٣٠٧ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ما ثبَتَ في حقِّ النَّبيِّ -ﷺ- من أحكام فهو ثابِت في حقِّ الأُمَّة؛ لأنَّه هذا الحُكمَ خُوطِب به الرسول ﵊، ثُمَّ ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، فدَلَّ ذلك على أن ما ثبَتَ للرسول ﵊ من الأحكام فأُمَّتُه تَبَع له، إلَّا ما قام الدليل على تَخصيصه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: جَواز تَزوُّج الرجُل بزَوْجة مَن تَبنَّاه، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ابنَ التَّبنِّي لا يُسمَّى شَرْعًا ابنًا، ولم يُسمِّه اللَّه تعالى ابنًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وقوله في أوَّلِ السُّورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: فهذا القيدُ ليس لإخراج ابنِ التَّبنِّي؛ لأنَّه ما دخَل في الأبناء حتى يَحتاج إلى إخراجِه.
الْفَائِدَةُ العِشْرُون: أنَّ أَمْرَ اللَّه ﷿ الأَمْرَ الكونيَّ لا بُدَّ أن يَقَعَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
ولو قال قائِل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مُفرَد مُضاف فيَعُمُّ الأَمْرَ الكونيَّ والشرعيَّ، فنُجيبه: بأن الأَمْر الشرعيَّ ليس مَفعولًا لكُلِّ أحَدٍ، بل فيمَن لا يَفعَله.
* * *
[ ٣٠٨ ]