* قالَ اللَّه ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه ﷾: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾: ﴿مَا﴾ نافِية، ولفظُ الجلالة فاعِل، و﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ مَفعول ﴿جَعَلَ﴾ الأوَّل مُؤخَّر، ومَفعولها الثاني قوله: ﴿لِرَجُلٍ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا نَقول: إنها زائِدة من حيثُ الإعراب.
فنُعْرب ﴿قَلْبَيْنِ﴾ على أنها مَفعولٌ به مَنصوبٌ، وعلامة نَصْبه ياءٌ مُقدَّرة على هذه الياءِ التي جُلِبت لماذا؟ جُلِبَت للحَرْف؛ لأن عَمَلَ الأداة الظاهِرة أَقوى من عمَل الأداة الغير ظاهِر؛ مثَلًا: (جعَل) تَنصِب (قَلْبين)، لكن عارَضَها عامِلٌ مُباشِر أَقوى، وهو حرف الجَرِّ، فتقولون: إن الياء هذه ليسَت ياءَ النَّصب، ولكنَّهَا ياءُ حَرْف الجَرِّ الزائِد، وعلى هذا نَقول: علامة نَصْبه ياءٌ مُقدَّرة في مكان الياء المَوجودة التي اجتُلِبَت من أجل حَرْف الجَرِّ الزائِد.
قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ﴾ هذا الجَعْلُ كونيٌّ؛ لأن الجَعْل الذي يُضاف إلى اللَّه تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمين:
١ - جعَل شَرْعِي، بمَعنى: ما شَرَع.
[ ٣٣ ]
٢ - وجعَل كَوني، بمَعنى: ما خَلَق.
مِثال الجَعْل الشرعيِّ: قوله ﷾: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، هذا جَعْل شَرعيٌّ، والدليلُ أنه كونًا واقِعٌ، لكنه شرعًا لم يَجعَل ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
وأمَّا الجعْل الكَوْنيُّ فهو كثير، مثل قوله ﷾: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١].
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ من الجَعْل الكونيِّ، وأكَّدَ اللَّه ﷾ هذا النفيَ بحَرْف الجَرِّ الزائِد؛ لأن الحروفَ الزوائد من أدوات التوكيد؛ إِذَنْ: محُالٌ أن يَكون في الإنسان الواحِد قَلْبان، ولكن هل هذه الجُمْلةُ مُرادةٌ لذاتها أو مُرادة لغيرها؟
يَرَى المُفَسِّر ﵀ وجماعة من عُلَماء التفسير أنها مُرادةٌ لذاتها، وأنها نَفيٌ لأَمْر قدِ ادُّعيَ؛ ولهذا قال رَدًّا على مَن قال مِن الكفار: إن له قَلْبين يَعقِل بكُلِّ منهما؛ أفضَل من عَقْل محُمَّد -ﷺ-؛ هذا ما ذهَبَ إليه جماعة من أهل العِلْم.
يَعني: أن هذا نَفيٌ لأَمْر قدِ ادُّعيَ وهو رجُل من الكُفَّار يَقول: إن له قَلْبين، وإذا كان له قَلْبان كان له عَقْلان، وإذا كان له عَقْلان كان أَفضَلَ من النبيِّ -ﷺ-؛ لأنه ما له إلَّا قَلْب واحِد.
وذهَبَ بعض المُفسِّرين وعلى رَأْسهم الزُّهريُّ (^١) ﵀ إلى أن هذه الجُملةَ ليسَت مَقصودةً لذاتها؛ لأنها أمرٌ مَعلوم؛ لأنه ليس لإنسان قَلْبان، لكنها تَوْطِئة وتمَهيد
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٣/ ٣٠)، ومن طريقه الطبري في التفسير (١٩/ ٩).
[ ٣٤ ]
لما يَأتي بعدها؛ لأنه ذَكَر في الآية الكريمة ثلاثةَ أشياءَ:
١ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.
٢ - ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
٣ - ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قَلْبين لرجُل في جَوْفه، فكذلك ليسَتِ الزوجة أُمًّا؛ لأن اللَّه تعالى لم يَجعَل للإنسان أُمَّيْن كما أنه ليس له قَلْبان، وكذلك ليس هناك ابنٌ غير حَقيقيٍّ، ليس للإنسان ابنٌ خُلِق من مائِهِ وابنٌ نُسِب إليه ولم يُخلَق من مائِهِ، بل إن ابنك مَن خُلِق من مائِكَ؛ وهذا ما اختاره ابنُ كثير ﵀ (^١). على أن هذه الجُملةَ تَوْطئة؛ لأن انتِفاء القَلْبين في الجوف الواحِد أمرٌ مَعلوم، والقِصَّة التي ذَكَروها يُنظَر في صِحَّتها، وحتى لو صَحَّت، فإن هذا الذي يَقول: إنَّ له قَلْبين. ادِّعاؤه ذلك يَدُلُّ أنه لا قَلبَ له، لأن هذا أمر مُستَحيل.
يَقول اللَّه ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فهل قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ قَيْدٌ؟ يُعتبَر قيدًا شَرْطيًّا له مَفهوم، فيُقال: إن له قَلْبينِ خارِج جَوْفه؟ لا، ولكنها لِبَيان الواقِع؛ لأن من المعلوم أن القُلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ لأن قوله ﷾: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ كقول الإنسان: ولا ماشٍ يَمشي برِجْلَين؛ لِبَيان الواقِع.
وإن كان بعض المُتأخِّرين في قوله ﷾: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ٣٣٦).
[ ٣٥ ]
قال: إنها قَيْد شَرْطي؛ لتَخْرُج الطائِرة المَعروفة؛ لأنها تَطير بغير جَناحَيْها، وقد يُقال: إن هذا ليس بصحيح. أيضًا حتى الطائِرة الآنَ تَطير بجَناحَيْها، لأن النفَّاثاتِ التي تَطير بها في الجناحَيْن، والمَراوِح التي كانت في الأوَّل في نفس الجناحَيْن؛ لكن لا شكَّ أن الطائِرةَ ليست من الأُمَم التي هي أمثالُنا بل هي من صُنْعنا؛ إذَنْ: قوله تعالى: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾؛ لِبَيان الواقِع.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ يَقول ﵀: [﴿اللَّائِي﴾ بهَمْزٍ وبِياءٍ وبلا ياءٍ]، يَعنِي: بهَمْز بلا ياء: (اللاءِ)، و(اللائِي) جَمْع (الَّتي) فهي مثل (الَّذين) في الذُّكور جمع (الَّذي).
وقوله ﵀: ["تَظَّهَّرون" بلا ألِف قبل الهاء، وبهاءٍ، والتاءُ الثانية في الأصل مُدغَمة في الظاء] "تَظَّهَّرون" هذه قِراءة، يَقول: [بلا ألِفٍ قبل الهاءِ]، و[بهاءٍ] يَعنِي: بألِف قبل الهاءِ، فتكون: "تَظَّاهرون"؛ هذه قِراءتان، والقِراءة المشهورة عندنا هي: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾.
فتكون ثلاثة قِراءات: "تَظَّهَّرون"، "تَظَّاهرون"، والثالِثة ﴿تُظَاهِرُونَ﴾.
و"تَظَّهَّرون"، "تَظَّاهرون" يَقول: [إن الظاء في الأصل مُدغَمة في الظاء]؛ التاء مُدغَمة في الظاء، وأصلُها: (تَتَظَاهَرون) أو (تَتَظهَّرون) لكن صارت "تَظَّهَّرون"، وأُدغِمَت التاءُ في الظاء.
وأمَّا الأَفضَلُ في القِراءة؛ فمنهم مَن يَقرَأ بالقِراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حَرْف والحرْف فيه عَشْر حَسَناتٍ، فعلى هذا القولِ تَكون: "تَظَّاهَرون"؛ لأنها أكثَرُها حُروفًا.
[ ٣٦ ]
ومن العُلَماء ﵏ مَن يَقول: الأفضَلُ أن تَقرَأ بكلِّ قِراءة، أن تَأخُذ بكُلِّ قِراءة، تَقرَأ بهذه مَرَّة وبهذه مَرَّة؛ وهو الصحيح: بأن تَقرَأ بهذه مرَّة وهذه مرَّة إذا كُنْت تَعرِف؛ لأن كلَّ قِراءة صحَّتْ عن النبيِّ -ﷺ-، فيَنبَغي أن تَقرَأ بها لفائِدتَيْن:
الفائِدة الأُولى: العمَل بكلا السُّنَّتَيْن.
الثانية: حِفْظ هذه القِراءات.
ولذلك نحن الآنَ لمَّا كُنَّا نَعتَمِد على القِراءة التي عِندنا ما نَعرِف القِراءة الأخرى، فإذا كان الإنسان إذا قيل للإنسان: يَنبَغي لك أن تَقرَأ بكل قِراءة صحَّت، فإن هذا يَكون فيه حِفْظ للقِراءات؛ ولهذا يَنبَغي للصِّغار مِنَّا -والعادة أن الكِبار صَعْب عليهم الحِفْظ- أن يَحرِصوا على القِراءات، وأن يَتعَلَّموها لأجل أن يَعمَلوا بالسُّنَّة هذه فلا تَبقَى مَهجورة.
ومَعنَى ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ أي: تَقولون: إنهن عليكم كظُهور أُمَّهاتكم.
وهذه صِيغة طلاقٍ في الجاهلية، إذا أَراد الإنسان أن يُطلِّق امرأته طلاقًا بائِنًا قال لها: أنت عَليَّ كظَهْر أُمِّي. فتَطلُق طلاقًا بائِنًا؛ لأن ظَهْر أُمِّه لا محلُّ له بحال من الأحوال، وخُصَّ الظَّهْر؛ لأنه مَحْل الرُّكوب، والإنسان يَركَب زَوْجته؛ لأنها فِراش كما قال الرسول ﵊ (^١).
فقوله تعالى: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ أي: تَقولون لَهُنَّ: (أنتُن علينا كظَهْر أُمِّنا)، يَقول ﵀: [أي: كالأُمَّهات في تَحريمها بذلك المُعَدِّ في الجاهِلية طلاقًا، وإنَّمَا تَجِب به
_________________
(١) في قوله -ﷺ-: "الولد للفراش". أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، رقم (٢٠٥٣)، ومسلم: كتاب الرضاع، باب الولد للفراش، رقم (١٤٥٧)، من حديث عائشة -﵂-.
[ ٣٧ ]
الكفَّارة بشَرْطه كما ذُكِر في سورة المُجادَلة]، وأمَّا في الإسلام فليس بطلاق، ولكنه تَحريم تَجِب به الكفَّارة، ولكنه العَوْد لقَوْل اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣].
يَقول المُفَسِّر: [يَقول الواحِد مثَلًا لزوجته: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي]، وقد يَقول الواحِد غير هذه العِبارةِ، فتقول: أنتِ عليَّ كظَهْر أُخْتي. ويُمكِن أن يَقول: أنت عليَّ كبَطْن أُمِّي. فالعِبْرة بالمَعنَى لا بالصِّيغة، وقد ذُكِر في كتاب الظِّهار: "هو أن يُشبِّه الرجلُ زوجتَهُ بمَنْ تَحرُم عليه تَحريمًا مُؤبَّدًا بنسَب أو سبَب مُباح"، المُهِمُّ تَحريمًا مُؤبَّدًا، هذا هو الظِّهار عند أهل العِلْم، وفيه الخِلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها أو شبَّهها بما تَحرُم عليه تَحريمًا إلى أَمَد.
وفي جملة: ﴿جَعَلَ﴾ المَفعول الأوَّل: ﴿أَزْوَاجَكُمُ﴾ و﴿اللَّائِي﴾ صِفتها، و﴿تُظَاهِرُونَ﴾ صِلة المَوْصول، و﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ المَفعول الثاني.
وقوله تعالى: ﴿أَدْعِيَاءَكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [جَمْع دَعِيٍّ، وهو مَن يَدَّعِي لغَيْر أبيه ابنًا له] أدعياءُ جَمْع دَعِيٍّ، كأَغنياء جمع غَنيٍّ، وأَكفِياء جمع كَفِيٍّ، ولها أمثلة، ودَعِيٌّ: فَعِيل بمَعنى مَفعول، وأصلُها (دَعِيو) بالواو، لكن قُلِبت الواوُ ياءً لعِلَّةٍ تصريفية، إذَنْ: دَعِيٌّ بمَعنى مَدْعُوٍّ، والدعاء في الأصل طلَب الإِقْبال، والمُراد بالدُّعاء هنا النسبة بأن يُنسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فُلان. وليس ابنًا له حقيقةً.
وهؤلاءِ الأدعياءُ ما جعَلَهم اللَّه ﷾ أبناءً لا شَرْعًا ولا قَدَرًا، أمَّا قَدَرًا فواضِح أنهم ليسوا بأبناءٍ قدَرًا، وأمَّا شَرْعًا فهنا نَفَى اللَّه ﷾ ذلك، قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾؛ فإذا كان الأَدْعياء ليسوا أبناءَ لا قَدَرًا ولا شَرْعًا، فإنه لا يَتوجَّه الذِّهْن إليهم شَرْعًا، هذه الكلِمةُ التي أَقولها يَتبيَّنُ بها ضَعْفُ قولِ
[ ٣٨ ]
مَنْ يَقول في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَقول: إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ إنها قَيْد يُحتَرَز به عن ابنِ التَّبنِّي؛ لأننا نَقول: ابن التَّبنِّي لا يَدخُل في الابن أَصْلًا. فلا يَذهَب إليه وَهْم حتى نَقول: إنه يَحتاج إلى قَيْد يُحتَرَز به عنه.
المُهِمُّ أن الأدعِياء ما جعَلَهم اللَّه ﷾ أبناءً لا شرْعًا ولا قدَرًا، وكانوا في الجاهِلية يَدعون الإنسان لغير أبيه يَكون هذا الرجُل شريفًا وذا نسَب، وهذا الدَّعِيُّ وَضِيعًا نسَبه عند الناس، ليس بذاك الشيءِ، أو ليس له نسَبٌ معلومٌ فيُدعَى إلى هذا الأبِ؛ من أَجْل رِفْعته فأَبطَل اللَّه ﷾ ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يَترَتَّب عليها أمور.
كلُّ ما يَترَتَّب على النسَب من تَحريم وتحليل وإِرْث ونفَقات وغيرها، كلها ربَّما تَنتَقِل إلى هذا الدَّعِيِّ؛ بسبَب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجُلِ؛ فلذلك مَنَع اللَّه تعالى ذلك شَرْعًا؛ لأن تَسميةَ الشيءِ بشيءٍ أو باسْمٍ بعيدٍ عن حقيقته هذا يُوجِب أن تَنقَلِب الأَوْضاع؛ حتى إن الرسول -ﷺ- قال: "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى تَسْمِيَتِكُمْ عَلَى صَلَاِتكُمُ العِشَاءِ، يَدْعُونَهَا العَتَمَةَ، وَهِي تُعْتِمُ بِإِبِلِهَا، وَإِنَّما هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: الْعِشَاءُ" (^١)؛ فكلُّ الأَشْياء التي ربما إذا سُمِّيت باسمٍ آخَرَ ربَّما تَختَلِف أحكامُها، فإن الشَّرْع نهَى عنها.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقةً] تَفسير لأبناءٍ يَعنِي: ما جعَلَهم أبناءً على وجه الحقيقة [﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي: اليَهود والمُنافِقِين] ﴿ذَلِكُمْ﴾،
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها، رقم (٦٤٤)، من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ٣٩ ]
المُفَسِّر يُريد أن يَكون الخِطاب هنا لليَهود والمُنافِقِين، والصواب أنه عائِد لكل مَن دعا شَخْصًا لغير أبيه من الأدعياء، سَواءٌ كان من المُنافِقين أو من اليَهود أو من المُشرِكين أو من المُسلِمين، فإن هذا قولٌ يَقوله الإنسان بفِيهِ، وليس حقيقةً هو نفسه يَعلَم أن هذا الدَّعيَّ ليس ابْنًا لهذا المَدعُوِّ إليه، فكيف يَقول ما يَعتَقِد أن الأمر بخِلافه؟
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أتَى بضَمير الجَمْع في الخِطاب؛ لأن المُخاطَبِين جماعةٌ، وأن اسْمَ الإشارة يُراعَى به المُشار إليه، والكاف يُراعَى بها المُخاطَب، وهنا المُشار إليه مُفرَد مُذكَّر، وهو دَعْوة الرجُل إلى غير أبيه، والمُخاطَبون جماعة ذُكور.
قوله ﷾: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يَعنِي: تَقولونه بأَلْسنَتِكم وأنتم تَعرِفون الحقيقة أنها ليسَتْ كذلك؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: اليَهود والمُنافِقين] وجعَلها بالياء؛ لأنها تفسير لقَوْله: ﴿قَوْلُكُمْ﴾ الكافِ، وهي مجَرورة.
قال ﵀: [قالوا: لمَّا تَزوَّج النبيُّ -ﷺ- زينبَ بِنتَ جَحْش التي كانت امرأةَ زَيْدِ بنِ حارِثةَ الذي تَبنَّاه النبيُّ -ﷺ- قالوا: تَزوَّج محُمَّد امرأةَ ابنِه، فأَكذَبهم اللَّه تعالى في ذلك]؛ وكلام المُفَسِّر ﵀ بعيدٌ من ظاهِر الآية، إِذْ إن كلام المُفَسِّر ﵀ يَقول: إنه بعد أن تَزوَّج النبيُّ -ﷺ- زينبَ بِنتَ جَحْش -﵂-، وكانت في الأوَّل عند زَيدِ بنِ حارِثةَ -﵁- قالوا هذا القول (^١)، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنَّما الآية يَتحَدَّث اللَّه تعالى فيها عن ابن التَّبنِّي، فما تَحدَّث اللَّه تعالى ولا أَشار إلى تَزوُّج الرَّجُل بزوجة ابنِه الذي تَبنَّاه، لكن هذه ستَأتينا في الآيات: أن الآية إنما هي في نِسْبة الإنسان إلى غير أبيه تَبنِّيًا.
_________________
(١) انظر: أسباب النزول للواحدي (ص: ٣٥٢).
[ ٤٠ ]
قال ﵀: [﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ في ذلك ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سبيل الحَقِّ]، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ المُفَسِّر قيَّدَها فقال: [في ذلك]، والصوابُ عدَمُ القَيْد حتى وإن كان السبَب هو هذا؛ لأن العِبْرة بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبب.
فما هو الحقُّ الذي يَقوله اللَّه ﷿ فيما يَقول؟
فسَّرَه اللَّه ﷾ في القُرآن نفسِه قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] هذا هو الحقُّ الذي يَقوله اللَّه ﷾؛ صِدقٌ في الأَخْبار، وعَدْلٌ في الأحكام، فكلُّ ما قاله اللَّه ﷿ فهو دائِر بين أَمْرين، إمَّا خبَرٌ وإمَّا حُكْمٌ، فالخَبر أَحقِّيَّته الصِّدْق، والحُكْم أَحقِّيَّته العَدْل، وخَيرُ ما يُفسَّر به القُرآنُ القرآنُ.
ولهذا إذا قال قائِل: ما هو الحقُّ في قول اللَّه تعالى؟
نَقول: الحقُّ في قول اللَّه تعالى هو ما ذكَرَه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقوله ﷾: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، لم يَقُل: ويَهدِي السبيلَ؛ لأن الجُمْلة الثانية تَتعَدَّى للغير، فهناك هادٍ ومَهدِيٌّ ومَهدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو اللَّه تعالى، ومَهدِيٌّ وهو الإنسان مثلًا ومَهدِيٌّ إليه، وفيه أيضًا وهو الدِّين.
فالسبيل المُوصِّل إلى اللَّه مَهديٌّ إليه؛ هذه هِداية الدَّلالة، ومَهديٌّ فيه هذه هِداية التَّوْفيق؛ لأنك تَقول: دلَلْتُه إلى كذا، وهدَيْتُه في كذا. بمَعنى: جعَلْته عامِلًا فيه.
وهذا هو الحِكْمة في أن اللَّه ﷾ قال في سُورة الفاتِحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ولم يَقُل ﷿: إلى الصِّراط المُستقيم؛ لأجل أن يَعُمَّ الهِداية إليه بالدَّلالة إليه وبَيانه.
[ ٤١ ]
والثاني: الهِداية فيه بالعمَل به، وهذا مَقصود كلِّ داعٍ يَدعو اللَّه تعالى بالهِداية: أن اللَّه تعالى يَهديه إلى الشيء فيَعرِفه وَيعلَمه، ويَهديه فيه فلا يَضِلُّ عنه.
قوله تعالى: ﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: (أل) هذه للعَهْد الذِّهْنيِّ، والمُراد سبيل اللَّه ﷿، والدَّليلُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
إِذَنِ: السبيلُ التي يَهدِي اللَّه تعالى إليها هي سبيل اللَّه ﷾ وهى طريق الحَقِّ.
ومن جُمْلة ذلك أنه ﷿ لم يَجعَلِ الزَّوْجات اللائِي يُظاهَر منهن أزواجهن لم يَجعَلْهنَّ أُمَّهاتٍ، ولم يَجعَل الأدعياء أبناءً، فقال الحقَّ في ذلك، وهَدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجةٌ والابنُ الدَّعِيُّ ليس ابنًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القرآن قد بلَغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البُرهان، وجهُ ذلك أنَّه قدَّم الدليل على المَدلُول بِصُورة لا يَمتَرِي فيها أحَد؛ لقوله ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أَمْر مَعلوم ولا يَتَنازَع فيه اثنان: أنه ليس للإِنْسان إلَّا قَلْبٌ واحدٌ ما فيه قَلْبان؛ لأن هذين القَلْبَين إنِ اتَّفَقا على أمرٍ واحدٍ صار القَلْب الثاني لا فائِدةَ منه، وإنِ اختَلَفا تَناقَضا في عَيْنٍ واحِدةٍ، فماذا يَصنَع الإنسان هل يَتبَع القلبَ الأيمَنَ أم يَتبَع القلبَ الأَيسرَ؟ ! فيَبقَى محُتارًا؛ لذلك ما جعَل اللَّه تعالى لرَجُل من قَلْبَيْن إلَّا قلبًا واحِدًا فقط؛ لأنه في جِسْم واحِد.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوله ﷾: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يُستَفاد منها فائِدة غير أنَّها بيانٌ للواقِع، يُستَفاد: أن الجوف الواحِد لا يَتَناسَب معه إلَّا قَلْب واحِد، وإلَّا لكان القَلْبان
[ ٤٢ ]
في جَوْفين لا في جوف واحِد، فصار فيها فائِدة غير ما سَبَق، وهي أنها بَيان للواقِع؛ لأن الجوْف الواحِد لا يُمكِن أن يُديرَه إلَّا قلبٌ واحدٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الشيء بالبُرهان الذي يَكون قاطِعًا لا يَمتَرِي فيه أحَد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المَرأة المُظَاهَر منها ليست أُمًّا؛ لقوله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.
يَتَفرَّع على هذه الآيةِ: أنَّ جَعْلها أمًّا في الظِّهار كذِبٌ وزُورٌ ومُنكَر، ولهذا قال اللَّه تعالى في آية الظِّهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فهو مُنكَرٌ لمُخالَفة الشَّرْع، وزُورٌ لمُخالَفة الواقِع والحقيقة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإشارة أو التَّنْبيه على تَحريم الظِّهار، لقوله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ فإذا كان اللَّهُ تعالى لم يَجْعَل ذلك، فإنه لا يَحِلُّ لنا أن نَجعَلى شيئًا لم يَجعَلْه اللَّه تعالى؛ لأن الأَمْر إلى اللَّهِ تعالى وحدَه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأبناءَ الأَدْعياء ليسوا بأَبناءٍ حقيقةً ولا شَرْعًا، فهم ليسوا أبناءً قَدَرًا، وليسوا أَبناءً شَرْعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه إذا لم يَكُن الابنُ الدَّعِيُّ ابنًا لا شَرْعًا ولا حقيقةً، فإنه لا يَحتاج إلى قَيْد يُخْرِجه من مَعنى البُنُوَّة؛ لأنه غيرُ داخِل فيها أصلًا حتى نَحتاج إلى قَيْد نُخرِجه به.
ويَتَفرَّع على هذه الآيةِ على هذه الفائِدةِ: بيانُ ضَعْفِ قول مَن يَقولُ: إن الاحتِرازَ في قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عن ابنِ التَّبَنِّي؛ لأننا نَقول: إنه أَصْلًا لم يَدخُل حتى يُحتاجَ إلى قَيْد يُخرِجه.
[ ٤٣ ]
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الإنسان قد يَقول قولًا لا يَعتَقِده: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه ليس من الرُّجولة وليس من العَقْل أن يَقول الإنسانُ قولًا بفِيهِ وهو لا يَعتَقِده بقَلْبه، لأن المُراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ التنديدُ بهم والتوبيخُ لهم، كيف تَقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تَعتَرِفون بقُلوبكم بأنه ليس مُوافِقًا للواقِع.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ قولَ اللَّهِ ﷿ كُلُّه حَقٌّ ليس فيه باطِل؛ لقوله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والحقُّ سبَق في كلام اللَّه ﷿ هو الصِّدْق والعَدْل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، فهو باعتِبار الخبَر صِدْق، وباعتِبار الحُكْم عَدْل.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ كلام اللَّه ﷾ ليس فيه تَناقُضٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ والتَّناقُض لا يَكون إلَّا في الباطِل، فالحقُّ لا يُمكِن أن يَتَناقَض.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ ما وصَف اللَّه ﷾ به نَفْسَه في كِتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تَحريف أو تَأويل؛ لأننا لو كان خِلاف ظاهِره لكان ظاهِرُه يَدُلُّ على باطِل، وإذا قلنا: إنه على خِلاف الظاهِر لزِم أن يَكون دالًّا على باطِل، فإذا قُلْنا: إن المُراد بآيات الصِّفات خِلافُ الظاهِر صار الظاهِر باطِلًا؛ لأنه خِلافَ المُراد وهذا يُنافِي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو ﷾ لا يَقولُ إلَّا الحقَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّه مع ظُهورِ: أن اللَّه ﷾ يَقول الحقَّ فإن الناس لا يَتَّفِقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، يَعنِي: حتى مع أن اللَّه ﷾ لا يَقول إلَّا الحقَّ فليس كل أحَدٍ يَهتَدي لذلك، فالهِدَاية بيَدِ اللَّه ﷿.
[ ٤٤ ]
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنه يَجِب على المَرْء أن يَلجَأ إلى ربه ﷿ في سُؤَاله الهِداية؛ لقوله ﷾: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتَأمَّل تَغيير الصِّيغة، حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثُمَّ قال ﷿: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يَقُل: ويَهدِي السبيلَ؛ لأَجْل أن تَكون الجُمْلة الثانية مُستَقِلَّة برُكْنيها بمُبتدَئِها وخبَرها؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾ هو مُبتدؤُهَا، وجملةُ ﴿يَهْدِى﴾ خبَرُها، فكانت الجُملةُ مُسْتَقِلَّة عن الأولى، لأن ذلك أبلَغُ في بيان أنَّ الهِداية بيَدِ اللَّه ﷾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ طريق الحقِّ واحِد؛ لقوله تعالى: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهُو مُفرَد، وهكذا تَجِد أن السُّبُلَ تَأتي جَمْعًا فيما يُخالِف الحقَّ، قال ﷾: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهنا أَفرَد الصِّراط، أمَّا الصِّراط المُخالِف لصِراط اللَّه تعالى فهو جَمْع، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وإذا جاء طريق الحقِّ مَجموعًا فالمُرادُ تَنوُّع الشرائِع، وكذلك الوليُّ الكافِر: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، لأنَّ سُبُل غير الحقِّ مُتنوِّعة، وكل نَوْع منها عليه طاغوت يَدعو إليه.
* * *
[ ٤٥ ]