* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ إن اللَّه ومَلائِكتَه هذا خَبَر مُؤكَّدَّ بـ ﴿إِنَّ﴾، وعَطَف المَلائِكة على اللَّه ﷿ بالواو؛ لأنهم مُشارِكون للَّه ﷾ بهذا الفِعْلِ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾، المَلائِكة تَقدَّم أنهم جَمْع مَلَكٍ، وأن أَصْل المَلَك (مَأْلك) من الأَلوكة وهي الرِّسالة، ولكنها حصَل فيها إعلال بالتَّقديم والتَّأخير، فصارت بدَل (مَألَك)، فصارت (مَلْأك)، ثُمَّ حُذِفت الهَمْزة للتَّخفيف لكَثْرة الاستِعْمال، فصارت مَلَك، أمَّا الجَمْع فإنها رُدَّت الهَمْزة وقِيل فيها: مَلائِكة.
واشتُقَّ المَلَك من الأَلوكة، والأَلوكة في اللُّغة بمَعنَى: الرِّسالة، والمَلائِكة رُسُل، فأَصلُها إِذَنْ: مَأْلَك يَعنِي: من الأَلوكة، ثُمَّ أُعِلَّ بالتقديم والتأخير فصارت مَلْأَك، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمزة للتَّخفيف؛ لكَثْرة الاستِعْمال، ونُقِلت حرَكتُها إلى اللام فصارت (مَلَك)، أمَّا الجَمْع فمَلائِكة.
فالمَلائِكة همُ الذين جعَلهمُ اللَّه تعالى رُسُلًا، وهم عالَمٌ غَيْبيٌّ، مَخلوقون من نور، مُمتَثِلون لأمر اللَّه ﷿، قائِمون بعِبادته آناء الليل والنَّهار، كما ذكَر اللَّه تعالى عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وهم مع ذلك لا يَعْصون اللَّه تعالى
[ ٤٥٩ ]
ما أمَرَهم؛ لقُوَّة امتِثالهم لأَمْر اللَّه تعالى، ويَفعَلون ما يُؤمَرون؛ لقوَّتِهم على التَّنفيذ، فيَقول تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، هذا باعتِبار الإرادات، ما عِندهم إرادة تُخالِف أَمْر اللَّه تعالى، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ باعتِبار التَّنفيذ والعمَل.
وهُم -أي: المَلائِكة- أصناف في أَشكالهم، وفي أعمالهم، وفي صِفاتهم؛ وما نَعلَم من هذا إلَّا ما أَعلَمَنا اللَّه تعالى به ورسوله -ﷺ-، والباقي مجَهول لنا، فنُؤمِن بما علِمنا من أَسمائهم وأَشكالهم وأَوْصافهم وأَعمالهم، وما لم نَعلَمه نُؤمِن به على سبيل الإِجْمال، نَقول: (آمَنَّا باللَّهِ ومَلائِكتِهِ).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الخبر ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ محُمَّدٍ -ﷺ-؛ ولهذا قال: [مُحمَّد -ﷺ-].
وما مَعنَى ﴿يُصَلُّونَ﴾؟
اشتُهِر عند كثير من أهل العِلْم ﵏ أن الصلاة من اللَّه تعالى رحمة، ومن المَلائِكة الاستِغْفار؛ وعلى هذا فيُفَسَّر ﴿يُصَلُّونَ﴾ باعتِباره من اللَّه تعالى بمَعنَى: الرَّحْمة، ومن المَلائِكة الاستِغْفار، ولكِنَّ هذا التَّفسيرَ خطَأ، فإن الرحمة أعمُّ من الصلاة؛ لأن الرحمة يُدعَى بها لكل أحَد، والصلاة خاصَّة بالأنبياء، فهي شِعارُهم، ولا تُقال لأَحَد سِواهم إلَّا على سبيل لا يَكون شِعارًا، وأمَّا الرحمة فهي عامة حتى إن بَعْض أَهْل العِلْم ﵏ يَقول: لا يَجوز أن تَدعوَ للرسول ﵊ بالرَّحْمة، لا تَقُل: (مُحمَّد ﵀)، (قال رسولُ اللَّه ﵀)، لكِنَّ هذا القَولَ ضعيف؛ لأن النبيَّ -ﷺ- كان يَدْعو لنَفْسه بالرحمة، يَقول: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي" (^١)؛ وفي قِصة الأَعرابيِّ:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٣١٥)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين، رقم (٨٥٠)، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين، رقم (٢٨٤)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٤٦٠ ]
"اللَّهُمَّ ارْحَمْني ومحُمَّدًا" (^١)، ولم يُنكِر عليه النبيُّ ﵊، لكنها عند السَّلَف يُدعَى للرسول -ﷺ- بالصلاة، ولغيره بالرَّحْمة والرِّضا، وما أَشبَه ذلك.
والصَّوابُ: أن صلاة اللَّه تعالى على رسوله -ﷺ- مَعناها: ثَناؤُه عليه في المَلَأ الأعلى، وليست رَحمَتُه إياه بدليل قوله ﷾: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، قال تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ﴾، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، فدَلَّ هذا على أن الرحمة غيرُ الصلاة، وهو كذلك.
أمَّا صلاة المَلائِكة على الرسول ﵊ فيُحتَمَل أن تَكون بمَعنَى: الدُّعاء أنهم يَدْعون له بالصلاة، ويُحتَمَل أنَّ المعنى: أنهم يُثنُون عليه مع اللَّه تعالى، وهذا أَقرَبُ، حتى لا يَتَوزَّع المَعنى في كلِمة ﴿يُصَلُّونَ﴾، ويَكون المَعنَى أن اللَّه تعالى يُثنِي عليه، والمَلائِكة كذلك يُثنون عليه، وهذا من تَعْلية شَأْن الرسول -ﷺ-؛ ولهذا قدَّم هذه الجُملةَ الخبَريةَ على الجُمْلة الإِنْشائية الطلَبية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾؛ لأن النَّفْس إذا عَلِمت شَرَف هذا النبيِّ -ﷺ-، وأن اللَّه ﷾ نَفْسَه ومَلائِكته المُقرَّبين وغير المُقرَّبين من المَلائِكة الآخَرين، فإنهم يُصلُّون عليه؛ وأنا قُلتُ: (المَلائِكةَ المُقرَّبين)؛ لأن المَلائِكة كلَّهم مُقرَّبون بالمَعنَى العامِّ، لكن هناك مَلائِكة مُقرَّبون عند اللَّه تعالى كحَمَلة العَرْش ونحوهم، وكل هؤلاء يُصلُّون على النبيِّ -ﷺ-.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فلَمّا تَقرَّر في النُّفوس عُلوُّ شأن الرسول -ﷺ- بهذه الجُمْلةِ وجَّه اللَّه تعالى الخِطاب إلى المُؤمِنين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وتَصدير الجُمْلة بالنِّداء يَدُلُّ على الأهمِّيَّة والعِناية
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم (٦٠١٠)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٤٦١ ]
بها، لأن النِّداء يَستَلزِم انتِباهَ المُنادَى، ولا داعِيَ لتَنبيه المُخاطَب إلَّا لأَمْر هامٍّ.
ثُمَّ النِّداء بهذا الوَصْفِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه إغراءٌ لامتِثال الخِطاب المُوجَّه؛ ولهذا قال ابنُ مَسعود -﵁-: إذا قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعك (^١). يَعنِي: استَمِع لها، فإمَّا خَيْر تُؤمَر به، وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه، وفي وَصْف الإيمان مع كونه إغراءً دَليلٌ على أن امتِثال هذا الأَمْرِ من مُقتَضيات الإيمان، وأن مَعصِيته نَقْص في الإيمان.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يَعنِي: ادْعُوا له بالصلاة فليس المُراد بالصلاة إذا قُلْت: صلِّ على فلان؛ ليس مَعناها: الدُّعاءَ المُطلَق، بل الدُّعاء بالصلاة؛ ولهذا لمَّا أَمَر اللَّه تعالى نبيَّه بأن يُصلِّيَ على مَن أَعطاه الصدَقة صار يَقول: اللَّهُمَّ صلِّ عليه. فالصلاة في الدُّعاء صحيح، ولكن إذا أَمَرتك أن تُصلِّيَ على شخص فالمَعنَى أن تَدْعوَ له بصلاة اللَّه تعالى عليه، فمَعنَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: أَمْر بالصلاة على رسول اللَّه -ﷺ-، وهو أَمْر مُطلَق غَيْر مُقيَّد؛ فإِذَنْ تَكون الصلاة على رسول اللَّه -ﷺ- مُطلَقة غير مُقيَّدة؛ فنُصلِّي عليه بأيِّ صيغة صلَّيْنا، ونُصلِّي عليه في أيِّ وَقْت، وفي كل مَكان؛ لكن هناك أَمكِنة تَتَأكَّد فيها الصلاة، وأَمكِنة لا تَنبَغي فيها الصلاة، وأَمكِنة تُستَحَبُّ فيها الصلاة مُطلَقًا، يَعنِي: ليس بتَأكُّد.
فمِمَّا تَتَأكَّد الصلاة على النبيِّ -ﷺ- فيه:
أوَّلًا: إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجِبة عليه؛ لقوله -ﷺ- في حديث أبي هُرَيْرةَ -﵁- قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد رقم (٨٦٦)، وسعيد بن منصور في السنن رقم (٥٠) [ط. الصميعي]، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٩٦).
[ ٤٦٢ ]
عَلَيْكَ" (^١)، وهذا دُعاء له بإِرْغام اللَّه تعالى أَنْفه في التُّراب، وإرغام الأَنْف في التُّراب دليل على الذُّلِّ والإهانة، وهذا يَدُلُّ على وُجوب الصلاة على الرسول -ﷺ- إذا ذُكِر اسمُه.
ثانيًا: الصلاة عليه في التَّشهُّد الأخير رُكْنٌ لا تَصِحُّ الصلاة إلَّا به على مَذهَب الحَنابِلة (^٢) والشافِعية (^٣)، ولا فَرقَ بين الفَريضة والنافِلة.
ثالِثًا: أنه يُستَحَبُّ الصلاة على النبيِّ -ﷺ- في الدُّعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه.
رابِعًا: عند الأذان، قال -ﷺ-: "فَقُولُوا مِثْلَمَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ" (^٤).
والمَواضِع مُتعَدِّدة، لكن منها على سَبيل الوجوب، ومنها على سَبيل الاستِحْباب.
أمَّا كراهة الصلاة على النبيِّ -ﷺ- فذكَروا أنها تُكرَه الصلاة عليه عند الذَّبْح، إذا قُلْت: بسم اللَّه واللَّه أَكبَرُ. لا تَقُلِ: اللهُمَّ صلِّ على مُحمَّد. قالوا: لأن المَقام مَقام إخلاص وتَوْحيد فلا يَنبَغي أن يُذكَر مع اسمِ اللَّه تعالى غيرُه، فتَقول: بسم اللَّه واللَّه أكبَرُ. ولا تُصَلِّ على النبيِّ -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قُلْت لكم: إنه مُطلَق بأيِّ صِفةٍ كانت، فما ورَدَ عن النبيِّ -ﷺ- عندما سأَله الصحابة قالوا: كيف نُصلِّي عليك؟ قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (٦٤٦)، وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٨٨٨).
(٢) انظر: مختصر الخرقي (ص: ٢٦)، والهداية (ص: ٨٧)، والمغني (١/ ٣٨٨).
(٣) انظر: الأم (٢/ ٢٣٣، ٢٧١)، والمجموع (٣/ ٤٦٥).
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن، رقم (٣٨٤)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄-.
[ ٤٦٣ ]
"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ" (^١)، هذا على سَبيل الاستِحْباب، وليس على سَبيل الوُجوب؛ ولهذا أَجمَعَ العُلماء ﵏ على أن الصلاة على آل الرسول -ﷺ- لا تَجِب مع أن الصِّيغة التي علَّمها النبيُّ -ﷺ- أُمَّته فيها الصلاة على آله؛ مع أنها لَيْسَت بواجِبة ممَّا يَدُلُّ على أنها على سَبيل الاستِحْباب.
ورُبما يُستَدَلُّ لذلك أيضًا بأن الصِّيَغ التي أَمَر بها الرسول -ﷺ- في كيفية الصلاة عليه مُختلِفةٌ، وليسَت كلُّها على صيغة واحِدة، وهذا يَدُلُّ على أن أيَّ صِيغة أَتَيت بها فهي مُجْزِئة.
وقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا: السَّلام عليك. أي: ادْعُوا له بالسلام، فقولوا: السلام عليك أيُّها النبيُّ. والسلام على النبيِّ -ﷺ- مع كونه غائِبًا أَمْر مَشروع؛ ولهذا نَقول في صلاتنا: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" (^٢)؛ مع أنه غائِب، والصحابة يَقولون: السلام عليك أيُّها النَّبيُّ. مع أنه غائِب ولا يَسمَعهم، حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يَسمَعهم؛ لكن لأن هناك مَلائِكةً سيَّاحين يُبلِّغون النبيَّ -ﷺ- السلام من أُمَّته؛ ولأنه لمَّا كان الإنسان قوِيَ الإيمان بالرسول -ﷺ- صار كأنه حاضِرًا عنده يُخاطِبه.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا. . .﴾ الآيةَ، فيها تَقديم الصلاة على السلام مع أنه في التَّشهُّد يُقدَّم السَّلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبَتَ به الحديثُ والتَّشهُّد تَناقُض؟
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي -ﷺ-، رقم (٦٣٥٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد، رقم (٤٠٦)، من حديث كعب بن عجرة -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، رقم (٨٣١)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، رقم (٤٠٢)، من حديث ابن مسعود -﵁-.
[ ٤٦٤ ]
الجَوابُ: لا، لأن العَطْف بالواو لا يَستَلزِم وُجوب التَّقديم، وإن كان قد يَقتَضيه، لكنه لا يَستَلزِمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللُّغةِ ﵏: تَدُلُّ على مُطلَق الاشتِراك بدون تَرتيب؛ ولهذا إذا ما قُلْت: ما شاء اللَّه تعالى وشِئْتَ. مع أنك قدَّمْت مَشيئة اللَّه تعالى صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواوَ تَقتَضي التَّسْوية، وليسَتْ تَستَلزِم التَّرتيب.
فإذا قال قائِل: لماذا أكَّدَ التسليم بالمَصدَر، قال ﵎: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يُؤكِّدِ الصلاة؟
فالجَوابُ: أن الصلاة تَقدَّم ما يُؤكِّدها وهو إِخْبار اللَّه تعالى بأنه يُصلِّي عليه ومَلائِكته، وهذا يُعطِي الإنسان قوَّة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول -ﷺ- يُصلِّي اللَّه تعالى ومَلائِكته عليه؛ ولهذا جاء التَّوْكيد في التَّسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدَت تَأكيدًا مَعنَويًّا بذِكْر أن اللَّه تعالى وملائكته يُصلُّون على النبيِّ -ﷺ-، وأمَّا التَّسليم فأُكِّد تَأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله تعالى: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مَصدَر لقَوْله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ مُحمَّد -ﷺ-] ولم يُفسِّر ﴿يُصَلُّونَ﴾ ﵀، وهذا نَقْص في التَّفْسير.
ثُمَّ قال ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على مُحمَّد وسلِّمْ] ولم يُفسِّر التسليم، فما مَعنَى التَّسليم؟ قال بعضُ العُلَماء ﵏: إنك إذا قُلْت: السلام عليك. فالسلام من أَسماء اللَّه تعالى، يَعنِي: (اللَّهُ عَلَيْك)، وما مَعنَى: (اللَّهُ عَلَيْك)؟ أي: اللَّه تعالى حَفيظ عليك يُراقِبك ويَحفَظك.
وقال بعضُ العلماء ﵏: السلام عليك، أي: التَّسليم عليك، فهي جملة خبَرية بمَعنَى الدُّعاء، والسلام اسمُ مَصدَر بمَعنَى: سَلَم، مِثْل الكلام اسمُ مَصدَر
[ ٤٦٥ ]
كَلِم، فمَعنَى السلام عليك، أَيْ: تسليم اللَّه تعالى عليك؛ أي: تَسليمك من الآفات.
وهذا المَعنَى هو الصحيح: أنك إذا قُلْت للإنسان: السلام عليك. أنك تَسأَل اللَّه ﷾ أن يُسلِّمه من الآفات؛ الآفات الحِسِّيَّة والمَعنَوية، فالسلامة الحِسِّيَّة سلامة البَدَن والعِرْض والمال، والسلامة المَعنَوية سلامة الدِّين من الآفات؛ لأن الإنسان محَوط بآفَتَيْن، آفة الدِّين وآفة الدُّنيا، والسلامة منهما جميعًا من أكبَرِ نِعَم اللَّه تعالى على العَبْد.
فإن قال قائِل: الإنسان إذا سلَّم ولم يَستَحضِرِ المَعنَى؟
فالجَوابُ: لا بُدَّ أن يَستَحضِر المَعنى وإلَّا كان لَغْوًا من القول، وأكثَرُ الناس عندما يُسلِّم يَستَحضِر أنها تحية فقَطْ، وكذلك الرَّدُّ، وهذا لا يَنبَغي، بل الذي يَنبَغي أن تَستَحضِر أنها دُعاء له بالسَّلامة من الآفات؛ لأنك إذا كنت لا تَستَحضِر إلَّا أنها تَحيَّة فلا فرقَ بينها وبين قولِك: (أهلًا وسَهْلًا)، بل ربما تَكون التَّحيَّة بـ (أهلًا وسَهْلًا، مَرْحبًا يا أبا فُلان، حيَّاك اللَّه وبَيَّاك)، وما أَشبَه ذلك من الكلِمات التَّرحيبية تَكون أبلَغَ من هذا.
وما دُمْنا لم نَقصِد المَعنَى الذي قصَدَه الشار صار لَفْظًا مجُرَّدًا، فيَنبَغي لنا إذا سلَّمنا على أحَد أن نَستَحضِر أننا نَدعو له بالسلامة من الآفات؛ ولهذا لو أَتَيْت بكل تَرحيب ما قابَل هذه الجُملةَ الدُّعائِية: أن تَدعوَ اللَّه تعالى له بالسلامة.
فالحاصِلُ: أن أكثَرَ الناس يَقولون: (السَّلام عليكم) من باب التَّحيَّة فقَطْ، ونحن يَنبَغي لنا أن نَستَحضِر المعانيَ في كل ما نَقول حتى الآنَ: التَّحيَّات للَّه -تاب اللَّه علينا وعليكم- هل نَستَحضِر معنى التَّحيَّات، ومَعنَى الصلَوات، ومَعنَى الطَّيِّبات أم أَلْفاظ تُقرَأ؟ !
[ ٤٦٦ ]
فإن قال قائِل: أحيانًا وأحيانًا!
فالجَوابُ: هذا أيضًا لا يَنبَغي، بل يَنبَغي أن نَستَحضِر لكل لَفْظ مَعناه، وإلَّا صارت ألفاظًا جوفاءَ، كثِياب ليس فيها أَجْسام أو أجسام ليس فيها أَرْواح، وماذا تَقول في: (التَّحيَّات للَّه والصلوات والطَّيِّبات) وأنت لاهٍ ما عِندك إلَّا ألفاظ تَمُرُّ على القَلْب فقَطْ؟ ! لذلك يَنبَغي كُلَّما قرَأْتَها أن تَستَحضِرها وأنت تُصلِّي، ما مَعنَى التَّحيَّات للَّه، والصَّلوات، والطَّيِّبات؟
فـ (التَّحيَّات): كل لَفْظ دالٍّ على البَقاء والتَّعظيم والتَّكريم؛ لأن التَّحية مَعروفة تعظيم للمُحَيَّا وتَكريم له.
و(للَّه) مَعروف أنها مُستَحَقَّة للَّه، وأنها خاصَّة به.
و(الصلَوات): الفَريضة أو النافِلة، وهي العِبادة المَخصوصة ويَدخُل فيها الدُّعاء، فالصَّلوات بمَعنَى العِبادة المَخصوصة وبمَعنَى الدُّعاء أيضًا، كلُّه للَّه ﷿، فلا يُدعَى إلَّا اللَّهُ تعالى، ولا يُتعَبَّد بالصلاة إلَّا للَّه تعالى.
و(الطَّيِّبات): من الأقوال والأفعال خاصَّة باللَّه تعالى، وكذلك أَوْصافه، فالطَّيِّبات منَّا والطَّيِّبات منه، فكلُّ صِفاته طيِّبة، وكلُّ أَفْعاله طيِّبة، وكل أقواله طيِّبة، ومنَّا أيضًا: ما يَكون للَّه تعالى، ولا يَقبَله اللَّه تعالى إلَّا ما كان طيِّبًا؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبًا لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا" (^١).
فمَن يَستَحضِر هذين المَعنَيَيْن وهو يُصلِّي أن الطَّيِّباتِ باعتِبارها صِفة للَّه تعالى
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٤٦٧ ]
ووَصْفًا لفِعْل المَخلوق؟ ! والثاني: أن الطَّيِّبات الواقِعة منَّا تَكون للَّه تعالى لا يَقبَل اللَّه تعالى سِواها، فكِلا المَعنَيَيْن حقٌّ: أن اللَّه طَيِّب، وهذا باعتِبار ما يَتعَلَّق باللَّه تعالى، ولا يَقبَل إلَّا طيِّبًا باعتِبار بما يَفعَله العَبْد.
ومَعنَى: (السلام عليك أيُّها النَّبيُّ) تَقدَّم ذِكْرها.
ومَعنَى: (ورحمة اللَّه وبركاته) الرحمة هي الدُّعاء له بالرحمة، وهي حُصول المَطلوب، وبالسَّلام زوال المَكْروه.
و(بركاته) يَعنِي: الخَيْر الثابِت الكثير، فأنت بعدما دعوت له بالرحمة سأَلْت اللَّه تعالى أن يَجعَل ذلك برَكةً عليه مُستَمِرَّة.
وأمَّا: (السلام علينا وعلى عِباد اللَّه الصالحِين) فقد فَسَّرَها النبيُّ -ﷺ- وقال: "إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" (^١)، فمَنْ يَستَحضِر إذا سلَّم أنه يُسلِّم على الأنبياء والمَلائِكة والأَوْلياء والصالحِين من هذه الأُمَّة وغيرها، حتى نُسلِّم بهذا الكلامِ على الحَوارِيِّين الذين اختارهم عِيسَى ﵇، والسَّبْعين الذين اختارهم مُوسَى ﵇، والقليل الذين آمَنوا بنُوْح ﵇، وأَصْحاب الكَهْف، وآدم ﵇، وغيره، مَن يَستَحضِر هذا؟ ! الغالِب أننا لا نَستَحضِرُ! .
فإن قال قائِل: قول الرسول -ﷺ- أمَا يَدُلُّ على أن الصحابة لم يَستَحضِروا أنه قال: "إِذَا سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمْتَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ".
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، رقم (٨٣١)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، رقم (٤٠٢)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
[ ٤٦٨ ]
فالجَوابُ: لا، لأنهم كانوا يَقولون: السلام على جِبريلَ وعلى مِيكائِيلَ وعلى فُلان وعلى فُلان؛ لأن ذلك التَّخصيصَ الذي أنت خصَصته ليس له حاجة، فإذا قُلْتم: (السَّلام علينا وعلى عِباد اللَّه الصالحِين) دخَلَ في هذا ما خَصَصْتم.
فإن قال قائِل: هل مَعنَى ذلك أنهم ما كانوا يَستَحضِرون؟
فالجَوابُ: لا، بل كانوا يَستَحضِرونه، ولهذا خَصُّوه.
أمَّا قوله: (أَشهَد أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأن محُمَّدًا عبدُه ورَسولُه) فهذا واضِح.
(أَشهَدُ) يَعنِي: أُقِرُّ، لكِنْ إقرارًا كالمُشاهِد بالعَيْن، يَعنِي: ليس هو إقرارًا هَزيلًا، و(أَشهَد) أَصْل الشُّهود والشَّهادة لِمَا رُئِيَ أو سُمِع بالأُذُن؛ لكن هنا عَبَّر عمَّا في القَلْب بالشَّهادة كأن الإنسان يُشاهِد ما أَقَرَّ به.
وأمَّا (ألَّا إِلهَ إلَّا اللَّه) فإن العامة يُخطِئون فيها يَقولون: (أَشهَدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللَّه) (أشهد أنَّ)، وهذا خطَأ من حيث اللُّغة؛ لأن (أنَّ) المُشدَّدة لا يُحذَف اسمُها، ولكنها (أَنِ) المُخَفَّفة، فتقول: (ألَّا إلهَ إلَّا اللَّه)، يَعنِي: لا إلهَ حَقٌّ. أي: لا مَعبودَ حقٌّ إلَّا اللَّه ﷿، والمَعبودات التي تُعبَد بدونه باطِلة.
(وأَشهَد أن محُمَّدًا عبده ورسوله) فيها أيضًا الإقرار المُتيَقَّن، كأنما يُشاهِد بأن محُمَّدًا عبد اللَّه ورسوله، فهو عَبْد ليس له حقُّ الرُّبوبية، ورَسول ليس فيه شيء من الخِيانة، فهو رَسولٌ حَقًّا.
وهذه مَعانٍ ظاهِرة عابِرة، ومع هذا أكثَرُ الناس لا يَستَحضِرونها! .
[ ٤٦٩ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات المَلائِكة؛ لقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: شَرَف المَلائِكة بإِضافتهم إلى اللَّه ﷾، وقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ فإِضافتهم إلى اللَّه تعالى إضافةُ تَشريف.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان عُلُوِّ شَأْن النبيِّ -ﷺ-، لكون اللَّه تعالى ومَلائِكته يُصلُّون عليه، فهذا من عُلوِّ شَأْنه ورِفعة ذِكْره.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الأمر بالصلاة والسلام على الرسول -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الصلاة والسلام عليه من مُقتَضيات الإيمان وأنه زِيادة في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الصلاة والسلام عليه واجِبان؛ لأن الأَصْل في الأَمْر الوجوبُ؛ ولأن ذلك من قَضاء حقِّ النبيِّ -ﷺ- الذي له على أُمَّته، فإن حقَّه على أُمَّته أَعظَمُ من حَقِّ الوالِدين على أَوْلادهم؛ ولكن الوَجوب يَحصُل بفِعْله مرَّةً واحِدة؛ فإذا دلَّ دَليل على التَّكرار وجَبَ أن نَأخُذ بمُقتَضى الدليل.
وقد قال كثير من أهل العِلْم ﵏ بوُجوب الصلاة والسلام عليه -ﷺ- في الصلاة وذلك في التَّشهُّد، فإن الإنسان يَقول: (السَّلام عليك أَيُّها النَّبيُّ)، ويَقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المَشروع أن يُصلِّيَ الإنسان عليه باللَّفْظ؛ لقوله تعالى:
[ ٤٧٠ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ ولا يَكفِي السلام أو الصلاة بالقَلْب، وعلى هذا فيَنبَغي عندما نَكتُب أحادِيثَ أن نَكتُب: -ﷺ-. وأمَّا ما يَفعَله بعض الناس من كِتابة: (ص) أو (صلعم) فإن أَهْل العِلْم كرِهوا ذلك، وقالوا: إن الأفضَل أن نَكتُب: -ﷺ-.
وربَّما كان الإمام أحمدُ ﵀ ربما كتَب الحديث ولم يَذكُر -ﷺ- (^١)، وأَجاب بعضُ العُلَماء ﵏ عن ذلك: بأنه كان يَترُكها حِرْصًا على اغتِنام الوَقْت، لأنه كان يُصلِّي عليه بلِسانه دون قلَمه.
وقد تَقدَّم لنا في الشَّرْح والتَّفسير: أن الصلاة على النبيِّ -ﷺ- تَنقَسِم إلى قِسْمين: مُطلَقة ومُقيَّدة، وأنها في المَواضِع المُقيَّدة قد تَكون واجِبة وقد تَكون مُستَحبَّة، وأنها في بعض الأماكِن قد تَكون مَكروهة.
فهي إمَّا أن تَكتُبها كامِلة وإمَّا أن تَدَعها، فهي وإن كانت غيرَ مُشكِلة في القِراءة، إلا أنه إذا أَراد الإنسان أن يَقرَأ ولا يَعرِف اصطِلاح الكُتَّاب فسَوْف يَقول: "رسول اللَّه (ص) " أو "قال رَسول اللَّه (صلعم) ".
مَسأَلة: هل تَجوز الصلاة على غير الأنبياء؟
الجَوابُ: في هذا للعُلماء ﵏ أَقوال ثلاثة: الجَواز، والمَنْع والجواز إذا لم يَكُن شِعارًا له، وهذا هو الصحيح أنه يَجوز أن تُصلِّيَ على شخص بشَرْط ألَّا تَجعَل ذلك شِعارًا له كلَّما ذكَرْته صلَّيْت عليه، أو سلَّمْت عليه، وقد نَصَّ أهل العِلْم ﵏ على أن ما وُجِد في بعض الكُتُب عند ذِكْر: علي -﵁-: يَقولون: (عليٌّ ﵇)،
_________________
(١) انظر: الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي (١/ ٢٧١)، ومقدمة ابن الصلاح (ص: ٢٩٩)، وتدريب الراوي (١/ ٥٠٥).
[ ٤٧١ ]
أو (عليٌّ كرَّم اللَّه وَجهَه)؛ أن ذلك من عمَل بعض النُّسَّاخ، ومَن يَكتُبها يَقول: إنه لم يَسجُد لصنَم، وإن اللَّه تعالى كرَّم وجهه بهذا. والأصل أن الذين يَكتُبون هذا يُريدون أن يَجعَلوا مِيزة لعَليِّ بنِ أبي طالِب -﵁- فقَطْ، وهذا أهَمُّ شيء عندهم سَواءٌ كان ذلك أحسَنَ أو ليس بأحسَنَ، يُريدون أن يَجعَلوا له مِيزة.
وأن الأَفضَل أن يُقال له كما يُقال لغيره من الصَّحابة: عليٌّ -﵁-. مع أن (عِليٌّ -﵁-) أكمَلُ مِن (عِليٌّ ﵇)، وأكمَلُ من (عِليٌّ كرَّم اللَّهُ وجهَه)؛ لأن الرِّضا مَرتَبة عَظيمة.
أمَّا إذا صُلِّيَ على غير الأنبياء بالتَّبَع فهذا جائِز بالاتِّفاق، وقد علَّم النبيُّ -ﷺ- أُمَّته أن يَقولوا: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" (^١).
وسبَق لنا أيضًا الدُّعاء بالرحمة للرسول -ﷺ- هل يُدعَى له بالرحمة، وأن من أهل العِلْم مَن كرِهَ ذلك، والصحيح أنه ليس بمَكروه.
فائِدةٌ: (ر) (ض) في قولهم: -﵁- رَمْز أيضًا.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي -ﷺ-، رقم (٦٣٥٧)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد، رقم (٤٠٦)، من حديث كعب بن عجرة -﵁-.
[ ٤٧٢ ]