قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦].
* * *
ثم قال اللَّه ﷾: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: ﴿النَّبِيُّ﴾ مُبتدَأ، و﴿أَوْلَى﴾ خبَرٌ، وهي اسمُ تَفضيل من الولاية، أَوْلى بهم.
قال: [﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما دعاهم إليه ودَعَتْهم أنفسُهم إلى خِلافه] فحوَّل المَعنى، يَعنِي: أن الرسول -ﷺ- إذا دعاك إلى شيء ودَعَتْك نفسُك إلى خِلاف هذا الشيءِ، فإن النبيَّ أَوْلى بك من نَفْسك، فأَطِعِ النبيَّ -ﷺ-، وخالِفْ نَفْسك، وهذا لا شكَّ أنَّه داخِل في الآية، لكن الآية أعمُّ وأشمَلُ وأدَقُّ، يَعنِي: إذا كان الإنسان يَسعَى لنَفْسه بي فيه الخير، فإنَّ الرسول ﵊ أَوْلى به من نَفْسه، ويَشمَل عِدَّة وُجوهٍ:
أوَّلًا: أن الرسول ﵊ بالنِّسْبة للمُؤمِنين أبلَغُ من أنفُسِهم في مُراعاة مَصالحِهم وما يَنفَعهم، وفي دَفْع الضرَر عنهم؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ ترَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ ترَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ" (^١)، هذه داخِلة
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الفرائض، باب قول النبي -ﷺ-: "من ترك مالًا فلأهله"، رقم (٦٧٣١)، ومسلم: كتاب الفرائض، باب من ترك مالا فلورثته، رقم (١٦١٩)، من حديث أبي هريرة.
[ ٦١ ]
في جُملة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
ثانيًا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في تَقديمه على أَنفُسِهم؛ ولهذا لا يُمكِن لا يَتِمُّ الإيمان؛ حتَّى يَكون النبيُّ -ﷺ- أحبَّ إليك من نَفْسك، كما قال عمرُ -﵁-: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنَّكَ لأَحَبُّ إليَّ مِن كلِّ شيءٍ إلَّا مِن نَفْسي. فقال -ﷺ-: "وَمِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ"، فقال: وَمن نَفْسي. قال -ﷺ-: "الْآنَ يَا عُمَرُ" (^١)، فيَجِب على كل مُؤمِن أن يُحِبَّ النبيَّ -ﷺ- أكثَرَ من مَحبَّته لنَفْسه.
ثالثًا: ما أَشار إليه المُفَسِّر ﵀ من أن الرسول ﵊ أَوْلى بك من نَفْسك فيما يَدعوك إليه، وتَدْعوك نَفْسك إليه، فإذا دَعَتْك نَفْسُك إلى شيءٍ يُخالِفُ ما دعاك إليه النبيُّ ﵊، فإنَّ النبيَّ -ﷺ- أَوْلى بك من نَفْسك.
فإِذَنِ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلِمة عامَّة تَشمَل كلَّ ما فيه ولاية وتَولٍّ، فالرَّسول ﵊ أَوْلَى بالمُؤمِنين من أنفسهم، أمَّا غير المُؤمِنين فإن هذا الوَصْفَ لا يَنطَبِق عليهم بالنِّسبة للرسول -ﷺ-.
قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أزواجُ النبيِّ -ﷺ- أُمَّهات المُؤمِنين، فانظُرْ إلى التَّعبير فهنا ما قال: النبيُّ أبٌ للمُؤمِنين وأزواجهم أُمَّهاتُهُم. بل قال ﷾: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فأَبوك ليس أَوْلى بك من نَفْسك، لكن الرسول ﵊ أَوْلى بك من نَفْسك، فهذا أعظَمُ من قوله ﷾: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، ومن أَجْل هذه الولايةِ كانت أزواجُه أُمَّهاتٍ لنا من قَبْلهن ومن قَبْلنا، يَعنِي: هُنَّ يَنظُرن إلينا كالنظَر إلى الأبناء، ونحن نَنظُر إليهن كنظَر الأُمَّهات.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي -ﷺ- رقم (٦٦٣٢)، من حديث عبد اللَّه بن هشام -﵁-.
[ ٦٢ ]
ونحن نَعلَم أن أُمَّهات المُؤمِنين ﵅ بالنسبة لأُمَّة محُمَّد ﵊ أُمَّة الإجابة، يَنظُرنَ إلى هذه الأُمَّةِ كما تَنظُر المرأة الأُمُّ إلى أولادها، ونحن يَجِب أن نَنظُر إليهنَّ كما نَنظُرُ إلى الأُمَّهات، لأنهن زوجاتُ مَن هو أَوْلى بنا من أَنفُسِنا، النبيُّ ﵊، فلا جَرَمَ أن يَكُنَّ بمَنزِلة الأُمَّهات في الاحتِرام والتَّقدير والدِّفاع عنهنَّ، وعدَم التَّعرُّض لما وقَع في مخُالَفَتهن، بغَيْرةٍ وغيرها؛ لأن النِّساء الزوجاتِ -كما تَعرِفون- يَكون بينَهُن غَيْرةٌ، فقد تُخطِئ المرأة خطَأً يَحمِلها عليه الغَيْرةُ، والغَيْرة أَمْر يَملِك الإنسانَ ولا يَملِكه، كما أن الغضَب يَملِك الإنسان ولا يَملِكه.
فما وقع في مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] مِثل هذا يَجِب علينا أن نُدافِع بقَدْر ما نَستَطيع، فمَنِ اتَّخذوا من مثل هذه القَضيَّةِ، اتَّخَذوا مَنفَذًا للطعن في زوجات النبيِّ -ﷺ-، ولا رَيْبَ أن مَن طعَنَ في زوجَات النبيِّ -ﷺ- فإنه لا يَقتَصِر طَعنُه عَليهنَّ، بل يَشمَل الرسول -ﷺ-، أَسألُك: لو أن رجُلًا اتَّخَذ من فواسِقِ النساء زَوْجاتٍ له، هل هذا مَدْح له أو قَدْح؟
قَدْحٌ بلا شكٍّ، فمَن قَدَح في واحِدةٍ من أُمَّهات المُؤمِنين فإن قَدْحه يَتعَدَّى إلى النبيِّ ﵊ بلا شَكٍّ، ولا سيَّما إذا كان القَدْح فيما يَتعَلَّق بالشَّرَف والنزاهة؛ ولهذا الصحيحُ من أقوال أهل العِلْم ﵀ أن مَن رمَى بالزِّنا واحِدةً من أُمَّهات المُؤمِنين، فإنَّه يَكون كافِرًا كُفْرًا مُخْرِجًا عنِ المِلَّة.
أمَّا عائِشةُ -﵂- إذا رمَاها بما برَّأَها اللَّه تعالى به فلا شكَّ في كُفْره؛ لأنَّه مُكذِّب للقُرآن، وأمَّا غيرُها فإنه إذا قذَف واحِدةً بالزِّنا فإنه مُكذِّب للقُرآن أيضًا من جهة أُخرى يَقول اللَّه ﷾: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ
[ ٦٣ ]
وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] ولا شكَّ أن الزِّنا -والعِياذُ باللَّه- خُبْث، فأنت إذا وصَفْت واحِدة من أُمَّهات المُؤمِنين بالزّنا وإن لم تَكُن عائِشةَ ﵂؛ فقد وصَفْت النبيَّ -ﷺ- بالخُبْث، نَسأَل اللَّه تعالى العافِية، وحينئذٍ يَكون الإنسان كافِرًا لا شكَّ.
والصوابُ -الذي عليه المُحقِّقون من أهل العِلْم ﵏-: أنَّ مَن قَذَف واحِدةً من أُمَّهات المُؤمِنين فإنه يَكون كافِرًا كُفْرًا مخُرِجًا عن المِلَّة، وكذلك من قذَف غيرَهن من زوجات الأنبياء يَكون كافِرًا؛ للآية التي ذُكِرت: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ. . .﴾ [النور: ٢٦] إلى آخِرها.
فما مِن شَكٍّ أن مَن يُكفِّر واحِدة من أُمَّهات المُؤمِنين فهو كافِر؛ لأنه يَلزَم من تكفِيره واحِدةً من أُمَّهات المُؤمِنين أن يَكون النبيُّ -ﷺ- قد استَباح امرأةً كافِرةً، وهذا قَذْفٌ في الرسول -ﷺ-.
إذَنْ: أزواجه أُمَّهاتهم من الناحِيَتين، يَعنِي: أننا لزَوْجات الرسول -ﷺ- بمَثابةِ الأبناء، وأنهنَّ لنا بمَنزِلة الأُمَّهات، لكن هل هُو في المَحرَميَّة والنظَر والخَلْوة أو في الاحتِرام فقَطْ؟
يَقول المُفَسِّر ﵀: [في حُرْمة نِكاحِهنَّ عليهم] ولا يَكفِي هذا في حُرْمة نكاحِهن عليهم، لا شكَّ أنَّه لا يَحِلُّ لأحَد أن يَتزَوَّج امرأةً بعد وفاة النبيِّ -ﷺ- من زَوْجاته، ولكِنَّ هذا الاحتِرامَ ليس لهُنَّ فحَسْب، بل حتَّى للرسول -ﷺ- إكرامًا له؛ ولذلك إذا تُوفِّيَ الرجُل عن المرأة ولو كانت لا تَحيض تَعتَدُّ بأربعة أشهر وعَشْرٍ؛ احتِرامًا للنِّكَاح الأَوَّل إلَّا إذا كانت حامِلًا فعِدَّتُها بالحَمْل.
أَقول: إنهن أُمَّهات المُؤمِنين في حُرْمة النِّكَاح وفي وُجوب احتِرامِهن.
[ ٦٤ ]
وفيها قراءَة لبَعض السلَف: "وأَزواجُه أُمَّهاتُهم وهو أَبٌ لَهم"، ولكنها قِراءة لا تُعتَبَر من القِراءات السَّبْعية، إلَّا أن بعضَهم قَرَأ بها، ولكنك إذا تَأمَّلت: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وجَدْتَ أنَّه أعظَمُ من الأبِ.
قال ﷾: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ سيَأتينا -إن شاءَ اللَّه تعالى- في الفوائِد: هل أولادُهنَّ إِخوةٌ للمُؤمِنين وهل إخوانُهنَّ أخوالٌ للمُؤمِنات وهل آباؤُهنَّ آباءٌ للمُؤمِنين؟ وما أَشبَهَ ذلك، يَأتينا هذا -إِن شاءَ اللَّه تعالى- في الفوائِد.
قال ﵀: [﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ ذَوُو القَرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في الإِرْث ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ من المُؤمِنين والمُهاجِرين، أي: من الإرث بالإيمان والهِجْرة الذي كان أوَّل الإسلام فَنُسِخ].
قال ﷾: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قوله ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعلِّق بـ ﴿أَوْلَى﴾، أَوْلى من المُؤمِنين والمُهاجِرين، وعلى هذا فإن (مِن) هي الدالَّة على المُفضَّل عليه، فإذا قلت: فُلان أَفضَلُ من فلان، فإن (مِن) هذه لتَعيين المُفضَّل عَليه، وهنا أُولو الأرحام بعضهم أَوْلى ببعض من المُؤمِنين والمُهاجِرين.
وقيل: إن (مِنْ)، بَيانيَّة يَعنِي: وأُولو الأرحام من المُؤمِنين والمُهاجِرين بعضُهم أَوْلى ببعض، يَعنِي: أُولو الأرحام سَواءٌ كانوا مُؤمِنينَ فقَطْ أو مُؤْمنينَ مُهاجِرينَ فإن بعضَهم أَوْلى بِبَعض، فإذا قُلْنا: أُولو الأَرْحام بعضُهم أَوْلى ببعض في الإِرْث مِن المُؤمِنين والمُهاجِرين. أو قُلْنا: أُولو الأرحام بعضُهم أَوْلى ببعض من المُؤمِنين. صار المَعنى الأَخير أعمَّ وأشمَلَ.
وعلى كلِّ حال: الآيةُ فيها قولان للمُفسِّرين:
[ ٦٥ ]
القولُ الأوَّلُ: إن هذه ناسِخة للإِرْث الثابِت في أوَّل الإسلام بين المُؤمِنين من الأنصار والمُهاجِرين من المُسلِمين، فكان في الأوَّل جَعَل الرسول بَينهم ﵊ أُخوَّةً، رتَّب أُخوَّةً يَتو ارَثون بها، حتَّى أَنزل اللَّه ﷾ آيةَ الإِرْث، وجعَل ذَوي الأَرْحام بعضُهم أَوْلى بِبَعض.
القول الثاني: يَقول: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ مِن المُؤمِنين والمُهاجِرين بعضُهم أَوْلى ببعض، وعلى هذا فتكون الآية مُحْكَمة، ليس فيها نَسْخٌ، وتَكون أَعمَّ من الإِرْث أَوْلى ببعضِهم في كل شيءٍ حتَّى في ولاية النكاح وغير ذلك، فهُمْ بعضُهم أَوْلى ببعض.
و(أُولُو) بمَعنى: أصحاب، و(الأَرْحام) جَمع رحِمٍ وهو القَرَابة يَعنِي: ولهذا قال المُفَسِّر: [ذَوِي القَرابات] وأن ما اشتَهَر عندنا في عُرْفنا أن الأَرْحام أقَارِبُ الزوجة فهذا غيرُ صحيح، أقارِبُ الزوجة يُسمَّوْن أصهارًا، ومن أَجْل هذا الخطَأِ في المَعنَى صار بعض الناس يَقول: أنتم تَقولون: إن أسباب الإرث ثلاثة: رحِم ونِكاح وولَد، فأينَ الثالِثُ؟ ! فالرحِم والنِّكاحُ واحِد عند هؤلاء.
ونَقول: إن فَهْمكم للرحِم فهم خاطِئ، وهذا ما يَرمِي إليه الشَّرْعُ من تَسمية الأشياء بأسمائِها الشرعية حتَّى لا يَحصُل الخطَأ.
فالآنَ عندنا كلِمة العَمِّ تُطْلَق على زَوج الأُمِّ، فلو سألَك سائلٌ فإنك تَبنِي أَنت على أنَّه عَمُّه أَخو أبيه! ثُمَّ تَجِد أنَّه أَراد بالعَمِّ زَوجَ أُمِّه، فكلُّ هذه الأشياءِ يَنبَغي لنا أن نُصحِّح كلامنا فيها؛ حتَّى لا يَقَع الخطَأ.
وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: مَكتوبه، فهو فِعَال بمَعنَى: مَفعول، وهل المُراد في كِتاب اللَّه تعالى، أي: في الوَحْي أو في كِتاب اللَّه أي: في فَرْض اللَّه تعالى؛
[ ٦٦ ]
لأن الكَتْب يُطلق بمَعْنى الفَرْض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، يُحتَمَل هذا وهذا.
ولكن الأقرَب أنَّ ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ: في مَكتوبه، أي: فيما كتَبه اللَّه ﷿، ونَقول: إن كان المُراد بكِتاب اللَّه تعالى اللوحَ المَحفوظَ فالأَمْر ظَاهِر؛ لأن اللَّه تعالى كتَب فِي اللَّوْح المَحفوظ مَقاديرَ كلِّ شيءٍ، وإن كان المُرَاد بكِتاب اللَّه هذا القُرآنَ، فإنه مَكتوبٌ بأَيْدي الملائِكة ومَكتوب بأَيْدي المُؤمِنين من بني آدَمَ.
قوله ﷾: ﴿إِلَّا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لكنْ ﴿إِلَّا﴾] تَقدير (إلَّا) بـ (لكِن)؛ لأن الاستِثْناء هنا مُنقَطِع، وإذا كان الاستِثْناء مُنقَطِعًا فإنه تُقدَّر (إلَّا) بـ (لكِن)، والانقِطاع كما يَكون في الذوات يَكون في المَعاني أيضًا، فقول النَّحوِيِّين: جاء القَوْمُ إلَّا حِمارًا. هذا استِثْناء مُنقَطِع باعتِبار الذوات، القوم يَعنِي: ذواتَهم إلَّا حِمارًا، ومثل هذه الآيةِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ استِثناء مُنقَطِع بالمعاني، فالاستِثْنَاء المُنقَطِع يَكون في المَعاني، ويَكون أيضًا في الذوات: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا مُتَّصِل؛ لأن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من ﴿الْإِنْسَانَ﴾ لكن ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ هذا لا يَدخُل في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾؛ لأن أَوْلياءَنا هؤلاء ليسوا من ذَوي الأرحام، بل بيننا وبينهم مُوالاة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ بوَصية فجائِز.
قوله تعالى: ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ جَمْع وَليٍّ، والمُراد بالوَليِّ هنا مَن كان بينك وبينه مُوالاة ومُناصَرة كالذي حصَل بين المُهاجِرين والأَنْصار في أوَّل الهِجرة، فإذا كان بينك وبينه مَعروف، تَفعَل فيه مَعروفًا فإن هذا جائِز.
[ ٦٧ ]
قال المُفَسِّر ﵀: [بوَصيَّة] وخَصَّ المَعروف بالوَصِيَّة، لأن الكلام الآنَ في التَّوارُث، والتَّوارُث ما يَكون إلَّا بعد الموت، كذلك الوَصيَّةُ ما تَكون إلَّا بعد الموت.
قال اللَّه ﷾: ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ أي: نَسْخ الإِرْث بالإيمان والهِجْرة بإِرْث ذَوِي الأرحام، قال ﵀: [﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ وأُريد بالكِتاب في المَوْضِعين: اللوحُ المَحفوظ].
قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ المُشار إليه كون أُولي الأرحام بعضُهم أَوْلى ببعض من المُؤمِنين والمُهاجِرين.
قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: في اللَّوْح المَحفوظ على كلام المُفَسّر ﵀، وهو ظاهِر في المَسأَلة الأَخيرة، لأن (كان) تَدُلّ على الماضي، وهذا يَدُلُّ على أن الذي في الكِتاب المَحفوظ أن الإِرْث يَكون لذَوِي الأرحام، لكنه كان بالمُوالاة في زمَنٍ غير طويل، أوَّل ما قدِم المُهاجِرون إلى المدينة صاروا يَتَعاقَدون أُخوَّةً بينهم يَثبُت بها الإِرْث، لكنَّ هذا ليس هو الذي كتبَه اللَّه تعالى مُستَقرًّا على عِباده، وإنَّما حصَل ذلك لعارِض وهو ثُبوت الأُخوَّة التامة بين المُهاجِرين والأنصار، وإلَّا فإن الفَرْض المُستَقِرَّ هو ما في الكِتاب المَحفوظ من أن الإِرْث إنما يَكون بالرَّحِم.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: (ذا) اسمُ إشارةٍ هو الاسم، ﴿مَسْطُوَرًا﴾ خبَرُ ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ و﴿فِى الْكِتَابِ﴾ جارٌّ ومَجرورٍ مُتعلِّق بمَسطور على أنَّه اسمُ مَفعول، واسمُ المَفعول يَعمَل عمَل فِعْله بالشُّروط السابِقة وهي تامَّة هنا.
[ ٦٨ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجُوب تَقْديم مَحَبَّة النبيِّ -ﷺ- على النَّفس؛ لِقَوله ﷾: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فهو أَوْلى بك من نَفْسك.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِظَم شَفَقة النَّبيِّ ﵊ على أُمَّته؛ لِكَونه أَوْلى بهم من أنفُسهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وجوبُ طاعة النبيِّ ﷾ وتَقديمها على طاعة النَّفْس؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يَدخُل فيه هذه المَسأَلةُ: أنَّه إذا أَمَرك بالشيء ودعَتْك نفسُك إلى ضِدِّه فقَدِّمْ ما أَمَر به النَّبِيُّ -ﷺ-.
فصار النبيُّ أَوْلى بالمُؤمِنين من أنفُسهم بالنِّسبة لك وبالنِّسبة له، بالنِّسبة له يَجِب عليك أن تُقدِّم محَبَّته وطاعته على محَبَّة نَفْسك وطاعتها، وبالنِّسبة له هو أَوْلى بك وأَرفَقُ بك وأَشفَقُ عليك من نفسِك.
الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: أن زَوْجاتِ النَّبِيِّ -ﷺ- أُمَّهاتُ المُؤمِنين؛ لِقَولِه تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ما قلنا: أُمَّهاتهم أُمَّة كلها، لأنه قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقد استَدَلَّ بعضُ العُلَماء ﵏ على أن مَن أبْغَضَ عائِشةَ -﵂- فليس بِمُؤمِن؛ لأن اللَّه ﷾ ذكَر أنَّها أم المُؤمِنين، ولا يُمكِن أن يُبغِض الإنسان أُمَّه، فإذا أَبغَضها فليس بمُؤمِن؛ لأنه لو كان مُؤمِنًا كانت أُمًّا له، ولو كانت أُمًّا له لمَا أَبغَضَها، وهذا استِنْباط جيِّد.
واختَلَف العُلَماء ﵏: هل يُسمَّى أقارِبُ زَوْجات الرسول ﵊ بما يَقتَضيه النسَبُ؟ يُسمَّى إخوَةُ زَوجاتِ الرسول -ﷺ- أَخوالًا للمُؤمِنين أو لا؟
[ ٦٩ ]
وهل يُسَمَّى أيضًا آباؤُهنَّ آباءً للمُؤمِنين، وأَبناؤُهن إِخوةً للمُؤمِنين؟
في هذا خِلاف بين أهل العِلْم ﵏، والصحيحُ أنَّه لا يُسمَّى هؤلاءِ بما يُسمَّى نَظِيرُه في النَّسَب؛ لأن هذه الأُمومة خاصَّة بعَلَاقتِهنَّ بالنبيِّ -ﷺ-، وأَقارِبُهن ليس لهم عَلاقة برسول اللَّه -ﷺ-، فلا يُسَمَّى أحَدٌ من إخوانهن بأَخوال المُؤمِنين، ولا أحَد من آبائِهن بأبِي المُؤمنين، ولا أَحَد من أبنائِهن بأخي المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الرسول ﵊ مَنزِلته بالنِّسْبة للمُؤمِنين أعلى من مَنْزِلة الأُبُوَّةِ؛ لأنه قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وعلى هذا فلا حَاجةَ للقِراءةِ الَّتي قرَأ بها بعضُ السلَف، وهو قوله: "وهُوَ أَبٌ لَهُم"؛ لأن الأُبُوة بل أعلى من الأُبوَّة مُستَفاد من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحريم نِكاح زَوْجات النبيِّ -ﷺ- بعدَهُ؛ لِكَونِهن أُمَّهات المُؤمِنين، وسيَأتِي في هذه السُّورةِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهذا من حِماية اللَّه تعالى لفِراش النبيِّ -ﷺ-، أنَّه حتَّى بعد مَوْته لا أحَدَ يَتزَوَّج أحَدًا من نِسائه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: نَسْخُ التَّوَارُثِ بِالمُوَالاة؛ لِقَوله ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ على أحَد التَّفسيرين: على أَنَّ (مِنْ) دَاخِلةٌ على المُفضَّل عليه.
أمَّا إذا جعَلْنا (مِنْ) بَيانيَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾، فإنها لا تَدُلُّ على ذلك، وقد تَدُلُّ عليه من باب اللُّزوم لا من باب الدَّلالة المُطابِقة اللَّفْظية.
[ ٧٠ ]
فإذا لم يُوجَد أحَدٌ من ذَوِي الأرحام هَل يَعود الإِرْث بالمُوَالَاة والمُنَاصَرة؟
أَكثَرُ أهل العِلْم على أنَّه لا يَعود وأن أسباب الإِرْث تَنحَصِر في ثلاثة فقط وهي: النِّكاح، والنَّسَب، والولَد، ولكن شيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ (^١) ﵀ يُجَوِّزُ إذا لم يُوجَد إذا لم تُوجَدِ الأسباب الثلاثة المُجمَع عليها يَجوز التَّوارُث بالمُوالاة والمُنَاصَرة، يَقول ﵀: "لأنه لمَّا عُدِم الأرحامُ زال السبَب المانِع من التَّوارُث بالمُوالاة والمُناصَرة"، لكن أكثَر أهل العِلْم ﵏ على خِلاف هذا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن صِلة الرحِم كما تَكُون في الحياة تَكُون بعد الموت، لأن هذه الأَوْلوية تَكُون في الحياة وفي الموت.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن مَن كان أَقرَبَ من ذَوِي الأرحام فهو أحَقُّ بالإرث؛ وجهُه: أنَّه سبَق لنا قاعِدة في هذا البابِ وهو أنَّه إذا عُلِّق الحُكْم على وَصْف، فكلَّما كان الوصفُ في شيءٍ أقوى كان الحُكْم فيه أَوْلى، فما دام أُولو الأرحام أَوْلى؛ لأنهم ذَوِي أرحام، فمَن كانت رحِمه أَقوَى فهو أَوْلى، ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، كما بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (^٢).
فأنا لو قُلت لك: إذا رأَيْت فاسِقًا فاجْلِدْه. مثلًا، فهل هذا الأَمرُ بالجلْد هل يَختَلِف باختِلاف الفاسِقين أو أَفسَقِهم أو أَقَلِّهم على حدٍّ سَوَاء؟ يَختَلِف؛ لأن القاعِدة: أنَّه إذا عُلِّق الحُكْم بوَصْف فإنه متى كان الوَصْفُ ذا محَلٍّ أَقوى كان ذلك المَحلُّ في الحُكْم أَوْلى.
_________________
(١) انظر: الاختيارات العلمية (٥/ ٤٤٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، رقم (٦٧٣٢)، ومسلم: كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها، رقم (١٦١٥)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٧١ ]
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: فضيلة الهِجْرة؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾؛ لأن المُهاجِرَ مُؤمِنٌ تَخْصيصهُ بالعَطْف يَدُلُّ على شَرَفه وفَضْله، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] الرُّوح هو جِبريلُ ﵇، وتَخصيصه بالعَطْف وهو من المَلائِكة دليل على شرَفه وتكريمه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ثُبُوت الإِرْثِ لِذَوِي الأَرْحام، وذَوُو الأرحام في اصطِلاح الفَرضيين: كُلُّ قَرِيب لَيْس بِذِي فَرْض ولا عَصَبة، والعُلَماء ﵏ قدِ اخْتَلفوا فيهم، فمِنهم مَن قال: إنهم لا يَرِثون.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جواز الوَصية لمَن بيْنَك وبينَهُ مُوَالاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ وظاهِر الآية الإطلاق، لكنَّه مُقَيَّد بالنُّصوص الدالَّة على أنَّ الوصِية لا تَزيد على الثُّلُث، ومنه حديث سعد بنُ أبي وقَّاص -﵁- حين عَاده النبيُّ ﵊ مِن وجَعٍ كان به، فلما رآه النبيُّ -ﷺ- استَغَلَّ الفُرْصة، -أَعنِي: سَعْدًا- وقال: يا رسول اللَّه، إنِّي ذو مال ولا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ لي -ومُرادُه: لا يَرِثُني من صُلْبي، وإلَّا فإنَّ له بَني عمٍّ وعصَبة- أَفَأَتَصدَّق بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا" قال: فالشَّطْر؟ -يَعنِي: النِّصْف- قال: فالثُّلُث؟ قال: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كثِيرٌ" (^١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإحسَان من المعروف؛ لِقَوله تعالى: ﴿مَعْرُوفًا﴾ يَعنِي: إحسانًا بالوَصِية وعلى هذا فالمَعروف إذا قلت: مُرْ بالمَعروف يَشمَلُ الأمر بالإحسان، ولا شكَّ أن الإحسان مَعروفٌ عند اللَّه تعالى وعند الخَلْقِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: بلاغةُ القُرآن في الاحتِرازِ في مَوْضِع الإيهامِ؛ لأنه لما
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، رقم (٢٧٤٤)، ومسلم: كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، رقم (١٦٢٨)، من حديث سعد بنُ أبي وقاص -﵁-.
[ ٧٢ ]
قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قد يَتوَهَّم الإنسان أن مَن بينَه وبينَهم مُوَالاة لا يُمكِن أن يَنتَفِع بشيءٍ من ماله، فاحتَرَز ﷿ بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾؛ ولهذا أمثِلة كثيرة مِثْل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ [الحديد: ١٠].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن اللَّوح المَحفوظ قد كُتِبت فيه الأشياءُ مُستقِرَّة لقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ وهو أَوْلويَّة ذَوِي الأرحام بعضِهم ببعْض، وقد اختَلَف أهل العِلْم ﵏ في الكُتُب التي بأَيْدي الملائِكة هل تُغَيَّر وتُبَدَّل بالزِّيادة والنَّقْص والتَّغيير؟
والصوابُ أن ذلك مُمْكِن، الصحُف التي بأَيْدي المَلائِكة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، أَصْل الكِتاب عند اللَّه تعالى ليس فيه تَغيير ولا تَبديل، لكن الصُّحُف التي بأَيْدي الملائِكة يُمكِن أن يَقَعَ فيها التَّغيير والتَّبديل.
مثال ذلك: رجُل فعَل سَيِّئةً تُكتَب فإذا اسْتَغفر مُحِيَت أو إِنْسان فَعَل حسَنةً كصدَقة مثَلًا، ثُم مَنَّ بها إذا مَنَّ بها تُمْحَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهذا ما قرَّره شيخُ الإسلام (^١) وغيرُه من المُحقِّقين ﵏ مِن أن ما في أُمِّ الكِتاب ثابِت لا يَتغَيَّر؛ لأنه قد كُتِب فيه استِقرار الأشياء في الأزَل إلى الأَبَد، وأمَّا ما بأَيْدي الملائِكة فهُو الذي يُمكِن أن يَقَع فيه المَحوُ والإثبات.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩٢).
[ ٧٣ ]
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَمامُ عِناية اللَّه ﷿ بشَرْعه وتَقدِيره؛ تُؤْخَذ من قوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يَعنِي: ليس الأَمْر أَمْرًا ارتِجاليًّا، بل كلُّه مَكتوبٌ محُكَمٌ عند اللَّه ﷿ لا الأمور الشَّرْعية ولا الأُمور القدَرية، وهذا من تَمام حِكْمته ﷾ أنَّ كلَّ شيءٍ محُصَّنٌ عنده مُرتَّبٌ مُنظَّمٌ لا تَغييرَ فيه ولا تَبديلَ.
* * *
[ ٧٤ ]