* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: ﴿لَئِنْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [لام قسَمٍ] يَعنِي: مُوطِّئة للقَسَم، وليسَتْ هي أداةَ القسَم، والقسَم محَذوف، والتَّقدير: واللَّهِ لئِنْ لم يَنتَهِ، أو ورَبِّكَ لئِنْ لم يَنتَهِ. فهِيَ مُوطِّئة للقسَم، وإنما قال المُفَسِّر ﵀: [لام قسَم]؛ لئَلَّا يَتَوهَّم واهِم أنها لامُ الابتِداء، وقوله: (إِنْ) هذه شَرْطية، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَنْتَهِ﴾ مجَزومة، والدليل حَذْف حَرْف العِلَّة الياء، والجازِم لها ﴿لَمْ﴾؛ لأنها هي المُباشِرة.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ يَعنِي: [عن نِفاقِهم]؛ كما قال المُفَسِّر ﵀ وإنما قال: [عن نِفاقِهم]؛ لأنه هو الوَصْف الذي اشتُقَّ منه اسمُ (المُنافقون)، وإلَّا قد يَكون المَعنَى: لئِنْ لم يَنتَهِ المُنافِقون عن نِفاقهم وعن أَذِيَّتهم للمُؤمِنين وغير ذلك.
وقوله ﵀: [﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ بالزِّنا] وهذا بِناءً على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أن المُراد الأذِيَّة بالتَّعرُّض لهن بالفاحِشة، فالمَعنَى: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ همُ الذين يَتَعرَّضون للنساء بطلَب الفاحِشة والزِّنا.
[ ٤٩٣ ]
ويُحتَمَل أن يَكون المعنى أَعمَّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀؛ أي: في قُلوبهم مرَض من الشَّكِّ أو سُوء الخُلُق، وغير ذلك، وهو أعمُّ وأحسَنُ.
قال ﵀: [﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المُؤمِنين. . .] المُؤمِنين مَفعول ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾؛ لأنه مَن أَرجَف يُرجِف، وهي مَأخوذة من الرَّجْفة، وهي الزَّلزلة، والمُرجِف هو الذي يَقول: قد آتاكم العَدُوُّ، وإن لكم عَدُوًّا كثيرًا، وسَراياكم قد قُتِلَت، وهُزِمت الجُنودُ، وما أَشبَهَ ذلك؛ ليُدخِل الخَوْف والرُّعبَ في قلوب الناس، وسُمِّيَ ذلك إرجافًا؛ لأنه يُزلزِل ثِقَة الإنسان بنَفْسه وبإِخْوانه؛ ولأنه يُزلزِل أَمْنه وطُمَأْنينته، قال بعضُهم: ولأنه لا ثَباتَ له؛ لأنه قول الكذِب، كل هذه المَعانِي يُحتَمَل أن يَكون الإِرْجاف مُشتَقًّا منها أو دالًّا عليها.
إِذَنْ: فالمُرجِف هو الذي يُخبِر بما يُزلزِل طُمَأْنينة المُؤمِنين من هَزيمة أو قَتْل عَدُوٍّ أو كثرة جُنود أو ما أَشبَه ذلك، ويُوجَد أُناس من هذا النَّوْعِ في المدينة إذا بعَثَ النبيُّ -ﷺ- السرايا قاموا يَبُثُّون مثل هذه الأقوالِ بأن السَّرِيَّة قد هُزِمَت، وأُسِرت، وقُتِلَت، وما أَشبَه ذلك.
فهَلِ الإِرجاف خاصٌّ بالمدينة؟
الجَوابُ: المَدينة وغيرها سواءٌ، ولكن الإِرْجاف في المَدينة بَيان للواقِع، والقَيْد إن كان لبَيان الواقِع فلا مَفهومَ له.
قال تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ اللَّام في قوله ﵎: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ واقِعة في جَواب القسَم المُقدَّر.
فالجُمْلة إِذَنْ: جَواب القسَم وليست للشَّرْط؛ لأن القاعِدة أنه إذا اجتَمَع قسَم
[ ٤٩٤ ]
وشَرْط فالجَواب للسابِق منها، كما قال ابنُ مالك ﵀:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (^١)
وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ لنُسلِّطَنَّك عليهم]، وهذا التَّفسيرُ تَفسير باللازِم؛ لأن الإِغراءَ مَعناه: الحَثُّ بإزعاج على أن يُنكِّل بهم، ومنه إَغْراء الإنسان بالعَدُوِّ، بمَعنى أنه يَحُثَّ عليه بإزعاج ليُوقِع به ويَقتُله أو يَهزِمه وما أَشبَهَ ذلك.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ يُساكِنونك ﴿فِيهَا﴾ يَعنِي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ثُمَّ يَخرُجون ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مُبْعَدين من الرَّحْمة اللَّه]، يَعنِي: نُغرِيَنَّك بهم بالتَّسلُّط عليهم؛ إمَّا بالتَّعزير أو بالتَّأديب أو بالقَتْل أو بغَيْر ذلك، فإذا ضاقَت عليهمُ المَدينة خرَجوا؛ ولهذا قال ﵎: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ولم يَقُل: فلا يُجاوِرُنَّك؛ وذلك لتَأخُّر انتِفاء المُجاوَرة عن الإغراءِ؛ لأن اللَّه تعالى يُغريهم بهم فيَحصُل لهم من التعذيب والتَّعزير والإهانة ما لا يَتَمكَّنون معه من البَقاء في المَدينة؛ ولهذا جاءَتْ بـ (ثُمَّ)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ يُحتَمَل أن المَعنَى: إلَّا قليلًا من الزمَن أو إلَّا قليلًا منهم.
وعلى كِلا الاحتِمالين فإن قوله ﷾: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من الفاعِل في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، وعلى تَقدير المُفَسِّر ﵀ هي حال من فاعِل حُذِف مع عامِله؛ حيث قال ﵀: [ثُمَّ يَخرُجون ﴿مَلْعُونِينَ﴾]، ولكن الأقرَب أن لا نُقدِّر، بل المَعنَى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ في حال كونهم مَلعونين حال المُجاورة،
_________________
(١) الألفية (ص: ٥٩).
[ ٤٩٥ ]
يَعنِي: حتى في بَقائهم عِندك يَكونون مَلعونين مَطرودِين مُبعَدين لا يَألَفُهم أحَدٌ ولا يَحنو عليهم.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ وُجِدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾]، ﴿أَيْنَمَا﴾ هذه أداة شَرْط تُفيد العُموم في المَكان، وفِعْل الشَّرْط قولُه تعالى: ﴿ثُقِفُوا﴾ وجَواب الشَّرْط ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، يَقول ﵀: [أي: الحُكْم فيهم هذا على جِهة الأَمْر به]، الجُمْلة: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ جُملة خبَرية؛ لأنها شرْطية، والجُمْلة الشَّرْطية خبَرية، لكنها خَبَرية بمَعنَى الإِنْشاء، أي: بمَعنَى الأَمْر والطلَب؛ أي: أينما وجَدْتمُوهم فخُذوهم واقتُلوهم.
وفي قوله ﷾: ﴿تَقْتِيلًا﴾ المَصدَر مُؤكِّد دَليل على أنهم يُقتَلون أفرادًا وجماعاتٍ.
وهذه الآيةُ -لا شَكَّ- أن فيها وَعيدًا لهؤلاء الذين جمَعوا هذه الأَوْصافَ المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفين في المدينة، فيها وَعيد؛ والبَحْث فيها:
البَحْث الأوَّل: هل هذه الأَوْصافُ لمَوْصوف واحِد أو أنها لأُناس مُتعَدِّدين؟
هل المَعنَى أنهم مُنافِقون وفي قُلوبهم مرَض ومُرجِفون، فالأَوْصاف هذه لمَوصوف واحِد، وصَحَّ العَطْف؛ لأنه من باب عَطْف الصِّفَة كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، وهو واحِد لا مُتعَدِّد فالعَطْف هنا عَطْف صِفات، فهل نَقول: إن هذه عَطْف صِفات وأنها لمَوْصوف واحِد. أو نَقول: إنها عَطْف أَعيانٍ مَوْصوفين ليسَت لموصوف واحِد؟
[ ٤٩٦ ]
الجَوابُ: هذا الأخيرُ هو الأصَحُّ، وهو الأعَمُّ أيضًا؛ لأن المُنافِق قد يَكون في قَلْبه مرَض يَميل إلى الفاحِشة وإلى الزِّنا، وقد لا يَكون، وقد يَكون مُرجِفًا وقد لا يَكون، وقد يُجمَع بين النِّفاق والمرَض القَلْبي والإِرْجاف، وقد يَكون الإنسان في قَلْبه مرَض وليس مُنافِقًا، وقد يَكون مُرجِفًا وليس مُنافِقًا ولا في قَلْبه مرَض، فحينئذٍ نَتبَيَّن أن الأَوْلَى أن هذا العَطفَ عَطْف لمَوْصوف على مَوْصوف، وليس عَطْف على مَوْصوف واحِد، يَعنِي: ليس وَصْفًا لمَوْصوف واحِد حتى نَجعَل العَطْف من باب عَطْف الصِّفات بعضِها على بعض.
البَحْث الثانِي: هل هؤلاء انتَهَوْا أم لم يَنتَهوا؟
الجَوابُ: الواقِع أن الإِغْراء لم يَحصُل؛ ولهذا بَقِيَ المُنافِقون فلا قُتِلوا ولا أُخِذوا، فهم باقون، فهل نَقول: إنهم انتَهَوْا حينما رأَوْا هذا الوَعيدَ. أو نَقول: إنهم لم يَنتَهوا، لكنه ﷿ عفا عنهم فيما بَعدُ، وأن هذا من باب إِخْلاف الوعيد، وإِخْلاف الوعيد من الكرَم بخِلاف إِخْلاف الوَعْد، فأيُّهما أرجَحُ؟
الجَوابُ: هُما قَوْلان للعُلماء ﵏: فبَعضُهم يَقول: إنهم لمَّا رأَوْا هذا الوَعيدَ، وكانوا من أَخوَف الناس وأَرعَن الناس انتَهَوْا وترَكوا هذا الأَمرَ. وبعضهم قال: إنهم لم يَنتَهوا، لكن اللَّه ﷿ لم يُغرِ نَبيَّه -ﷺ- بهم؛ لحِكْمة اقتَضَت ذلك.
والذي يَظهَر لي -واللَّه تعالى أَعلَمُ-: أنهم انتَهَوْا؛ لأن المَعروف من حال المُنافِقين أنهم جُبَناءُ، وأنهم يَخافون ويَحذرون؛ ولهذا يَحلِفون عند الرسول -ﷺ- بأنهم مُؤمِنون، ولمَّا تَخلَّفوا عن غزوة تَبوكَ جاؤُوا يَحلِفون ويَعتَذِرون، فهُمْ جُبَناءُ، وهم يَعلَمون أن وَعْدَ اللَّه حقٌّ، وأنهم لوِ استَمَرُّوا في أعمالهم العُدوانية هذه لأَغْرى اللَّه تعالى بهم نَبيَّه -ﷺ-، وحصَل الجَلاء، ثُمَّ القَتْل.
[ ٤٩٧ ]
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: شِدَّة عِناية اللَّه ﷿ بنِساء المُؤمِنين، فإن عَلاقة الآية هذه بالتي قَبْلها ظاهِرة، فإن المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَضٌ هم أكثَرُ الناس تَعرُّضًا لأَذِيَّة المُؤمِنات؛ ولهذا أَعقَب الآية السابِقة بهذه الآيةِ، ففيه كَمال عِناية اللَّه تعالى بنِساء المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الوعيد الشديد لهؤلاءِ المُتَّصِفين بهذه الصِّفاتِ الثلاث الذَّميمة: (النِّفاق، ومرَض القَلْب، والإِرْجاف).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه إذا ظهَر نِفاق المُنافِق وتَبيَّن عَدَاؤُه، فإنه يَجوز أن يُعامَل بما يَقتَضيه نِفاقه؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، وسبَقَ لنا البَحث: هل هؤلاء المُنافِقون والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفون انتَهَوْا عن أعمالهم أم لا؟ وقُلنا: إن في ذلك رأَيَيْن لأهل العِلْم ﵏ وأن الأَقرَب من هذين الرَّأْيَيْن أنهم انتَهَوْا عن ذلك؛ لأنَّا لم نَرَ أن اللَّه ﷿ سلَّط رسوله -ﷺ- عليهم وأَغراه بهم، وهذا أَقرَبُ بكثير من القَوْل بأن اللَّه تعالى لم يُغْرِهِ من باب إِخْلاف الوَعيد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحذير من النِّفاق ومرَض القَلْب والإِرْجاف؛ لأن اللَّه تعالى تَوعَّد هؤلاءِ إذا لم يَنتَهوا بأن يُسلِّط اللَّه تعالى رسوله -ﷺ- عليهم ويُغريَه بهم، وقُبْحُ هذه الصِّفاتِ مَعلوم، أمَّا النِّفاق فظاهِر، فإنه من أَرذَل الأَخْلاق؛ لأن من الصِّفات التي يَرتَكِبها المُنافِق أنه إذا وعَدَ أَخْلَف، وإذا حدَّث كذَب، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا اؤْتُمِن خان، وهذه من أَرذَلِ الصِّفات الاجتِماعية.
وأمَّا الذين في قُلوبهم مرَض فإن مرَض القَلْب أشدُّ من مرَض البدَن، لأن مرَض البَدَن يُوجِب الأَلَم الحِسِّيَّ الذي قد يَتَحمَّله الإنسان، وأمَّا مرَض القَلْب
[ ٤٩٨ ]
-والعِياذُ باللَّه- فإنه يُوجِب القلَق النَّفسِيَّ وضَياع الحَياة كلها والموت المَعنَوي، واسمَعْ إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وما أكثَرَ الأوقاتَ التي تَضيع على مَن غفَل عن ذِكْر اللَّه تعالى، تَضيع بلا فائِدةٍ! وأنت إذا رأَيْت من نَفْسك أن أَوْقاتَك ضائِعة بلا فائِدةٍ، فيَجِب عليك أن تُلاحِظ قَلْبك، فإن هذا لا يَكون إلَّا من غَفْلة القَلْب عن ذِكْر اللَّه تعالى، ولو نظَرْت فيما سبَق من التاريخ كيف أَنتَجَ العُلَماء ﵏ ما أَنْتَجوا من المُؤلَّفات، ومن فطاحِل العُلَماء الذين تَخرَّجوا على أيديهم في أوقات قد تَكون أقَلَّ من الوقت الذي عِشْتَه أنت، وذلك بسبَب ما ملَأَ اللَّه تعالى به قلوبَهم مِن ذِكْره حتى صارت أعمارهم لا يَضيع منها لَحْظة واحِدة، فعَلَيْك أن تَنتَبِه لمَرَض القَلْب، وأن تُبادِر بمُداواته؛ لأنه إذا تَفَشَّى المرَض في القَلْب -نَسأَل اللَّهَ تعالى العافِيةَ- قد يَموت ويُطبَع عليه، فلا يُحِقُّ حقًّا ولا يُبطِل باطِلًا.
وأمَّا الإِرْجاف وتَخويف الناس المُؤمِنين وإلقاء الذُّعْر في قُلوبهم، فهذا أيضًا من الأخلاق الذَّميمة؛ لأن الواجِب على المَرْء -على الأقَلِّ- أن يَكون مَوقِفُه مَوقِف المُحايِد، أمَّا أن يَذهَب ويُرجِف بالمُؤمِنين ويَقول: عَدوُّكم أكثَرُ منكم، ولا يُمكِن أن تَغلِبوه، وعَدوُّكم فعَل وفعَل وفعَل! ! فإنَّ هذا من علامات النِّفاق.
فإن قال قائِل: ما حُكْم ذِكْر مخُتَرَعات الغَرْب والتَّخويف منها؛ كالمُتفجِّرات والقَنابِل والرُّؤُوس النَّوَوية؟
فالجَوابُ: أنه إن ذُكِر على سبيل التَّخويف والتَّعظيم فهو حرام، فإنه إذا ذُكِر على سَبيل تَعظيم هؤلاء الكُفَّارِ وتَرفيع شأنهم هذا حَرام؛ لأن كلَّ شيء يُوجِب أن نُعظِّم الكافِرين وأن يَكون لهم في قُلُوبنا مَنزِلة فهذا حرام؛ لأننا مَأْمورون تُجاه الكُفَّار
[ ٤٩٩ ]
بما أَمَر اللَّه تعالى به نَبيَّه -ﷺ-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، ومَأمورون بأن نَفعَل كل ما يَغيظهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فنحن مَأمورون بإِغاظتهم، وإِهانتهم ما استَطَعْنا؛ أمَّا أن نَذكُر ما فيه تَعلية شَأْنهم، وبَيان مَقدِرَتهم، وإِلْقاء الهَيْبة في قُلوبنا منهم؛ فإن هذا لا يَجوز كما قُلت.
وأنا حدَّثَني رجُل ﵀ سافَر إلى لَنْدن، وبَقِيَ على لِباسه كما هو يَلبَسه في عُنيزةَ (مِشلَح، وعِقال، ونحوه) وكل شيء، يَقول: فصاروا يُكرِمونني إِكْرامًا عظيمًا حتى إني إذا جِئْت أَركَب السَّيَّارة يَتَبادَرون البابَ ليَفْتَحوه لي، بينما الذي يَذهَب من عندنا يَروح يَلبَس لِباسهم ما يُعَدُّ إلَّا كحامِل الزّبْل؛ لا يَهتَمُّون به إلَّا إن كان له صِفة رَسْمية يَهتَمُّون به من جِهة رَسْميَّته، أو كان يُمكِن أن يَنفعَهم بماله، على كلِّ حال مَنِ اتَّقَى اللَّه تعالى جعَل اللَّه تعالى له هَيْبة في القُلوب، اتَّقِ اللَّه تعالى يَتَّقِكَ الناس، وخاف من اللَّه تعالى يَخَفْك الناس.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يُدخِل على المُؤمِن ما يُقوِّي عزيمته ويُنشِّطه؛ سواءٌ في الجِهاد في سَبيل اللَّه تعالى أو في غيره من الأعمال النافِعة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن النبيَّ -ﷺ- مُكلَّفٌ، عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى؛ لقوله ﷾: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.
إِذَنْ: إذا لم يُغرِه اللَّه ﵎ بهم، فالواجِب عليه الكَفُّ والتَّوقُّف حتى يُؤذَن له فيه.
[ ٥٠٠ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مَشروعية إجلاء مَن في بَقائه ضرَرٌ، ويُؤخَذ ذلك من قوله ﵎: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد ثبَت نحوُ هذا الإجلاءِ في الزاني إذا لم يَكُن محُصَنًا، فإنه يُجلَد مئة جَلدةٍ، ويُغرَّب عن البلَد الذي زنَى فيه لمُدَّة سَنَة، وثَبَت أيضًا الإِجْلاء في قُطَّاع الطريق إذا أَخافوا الناس ولم يَأخُذوا مالًا ولم يَقتُلوا نَفْسًا، فإنهم يُنفَوْن من الأرض، ويُبعَدون، وثبَت الإِجْلاء أيضًا في التَّعزير، فإن عُمرَ بن الخطَّاب -﵁- نفَى نَصرَ بنَ الحَجَّاج، وكان رجُلًا وسيمًا حتى إن النساءَ بدَأْنَ يَتَغزَّلْنَ به، يَقول قائِل:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
فأَمَره عُمرُ -﵁- أن يَحلِق رأسَه حتى لا تَفْتَتِنَ النِّساء به، فلمَّا حَلَق رأسه صِرْنَ يَتَغزَّلن به من وجهٍ آخَرَ بعد الحلْق، فرأى عُمرُ -﵁- أن يُنفَى فنَفاه إلى البَصْرة (^١)، وكذلك أيضًا نفَى الحُطيْئَةَ (^٢).
إِذَنْ: فأَصْل النفي والإبعاد عن الأرض ثابِتٌ في القُرآن، يَعنِي: دلَّ عليه القُرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هذه الأَوْصافَ الثلاثةَ سبَب للَّعْن، وهي: النِّفاق، ومرَض القَلْب، والإِرْجاف؛ لقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يَعنِي: إذا لم يَنتَهوا فإنهم يَتَّصِفون بهذا الوَصْفِ: ﴿مَلْعُونِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المُنافِق إذا أَظهَرَ نِفاقه فإنه يَجوز قَتْله؛ لقَوْله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ هذا إذا لم يَنتَهِ عن أذيَّةِ المُؤمِنين، فإنه يُؤخَذ ويُقتَّل.
_________________
(١) أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب رقم (٨٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) انظر: تاريخ دمشق (٧٢/ ٦٦).
[ ٥٠١ ]
ولا يَرِد على ذلك أن النَّبيَّ -ﷺ- كان يَعلَم من المُنافِقين أقوامًا بأَعْيانهم، لأن النبيَّ -ﷺ- كَفَّ عن قَتْلهم، قال: "لِئَلَّا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (^١)، فيَكون في ذلك تَنفيرٌ عن الإسلام، والإسلام ما زال في ابتِداء الدَّعوة إليه، ثُمَّ إن المُنافِقين في عَهْد الرسول -ﷺ- يَتَسَتَّرُون لا يُعرَفون إلَّا في لَحْن القَوْل، أو بوَحْيٍ أَوْحاه اللَّه تعالى إلى رسوله -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: استِعْمال المُبالَغة في الأَلْفاظ لَفْظًا ومَعنًى.
أمَّا مَعنًى فقَوْلُه تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ في أيِّ مَكان في برٍّ أو بَحْر أو جَوٍّ، قريبًا كان أو بعيدًا، أَخْذًا من عُموم الشَّرْط في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾.
وأمَّا المُبالَغة في اللَّفْظ فقَوْله ﵎: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾؛ لأن هذا أبلَغُ من قوله: (وقُتِلُوا قَتْلًا)، ففيه استِعْمال المُبالَغة في الأَلْفاظ والمَعاني أيضًا، فالمُبالَغة في المَعاني مَأخوذة من الشَّرْط، والمُبالَغة في الأَلْفاظ مَأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، رقم (٤٩٠٥)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج، رقم (١٠٦٣)، من حديث جابر -﵁-.
[ ٥٠٢ ]