* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [واذْكُرْ إِذْ] فتَكون (إِذْ) مَفعولًا لفِعْل مَحذوف تقديره: اذكُرْ، وهذا كثير في القرآن أن تَأتيَ (إِذْ) مَفعولًا لفِعْل مَحذوف يُقدَّر بـ (اذكُرْ)، أي: اذكُرْ للناس إِذْ أخَذْنا، أوِ اذكُرْ لنفسك مُذكِّرًا إيَّاها إذ أَخَذْنا من النَّبيِّين مِيثاقهم.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ حين أُخرِجوا من صُلْب آدَمَ كالذَّرِّ جمع ذرَّة وهي أَصغَرُ النَّمْل]؛ لأن اللَّه تعالى استَخْرَج من آدَمَ ذُرِّيَّته أمثالَ الذَّرِّ، وأخَذ عليهم العَهْد والمِيثاق أن يُؤمِنوا به، جاءت في ذلك أَحادِيث بعضُها صحيح وبعضُها حسَن، لكن كونه استَخْرَجهم، وقال: "هؤلاء إلى النار ولا أُبالي، وهؤلاءِ إلى الجَنَّة ولا أُبالي" (^١) وهذا صحيح؛ فإنما أَخْذُ المِيثاق والإِشْهاد عليهم هذا هو الذي اختَلَف العُلَماء ﵏ في صِحَّته.
وعلى كل حال فهذا مَوضِعُ بَحثِه في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وقد بسَط البَحثَ فيه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٤٤١)، من حديث أبي ذر الغفاري -﵁-.
[ ٧٥ ]
شارِحُ (الطحاوِية) (^١)، فمَن أَراد أن يَرجع إليه فلْيَرجِعْ.
أمَّا في هذه الآيةِ فلا يَتعيَّن أن يَكون الِميثاق ما أخَذه اللَّه تعالى على بني آدَمَ حين استَخْرَجهم من صُلْبه، بل إن المِيثاق عهد بين الإنسان وبين ربه في كل نِعْمة أَنعَم اللَّه تعالى بها عليه أن يُؤدِّيَ هذه النِّعْمةَ على ما أَمَرَه به ربُّه، كل نِعمة؛ لأن هذا من شُكْرها، فإذا أَنعَم اللَّه ﷾ عليك النِّعْمة بالعِلْم صار الواجِبُ عليك عهدًا بينَك وبينَ اللَّه أن تُبيِّنه، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكتُمُوَنَهُ﴾ وإِذْ أَنعَم اللَّه تعالى على إنسان بالنُّبوَّة، والنُّبوَّة بعد محُمَّد -ﷺ- مُتعذِّرة، لكن إذا أَنعَم اللَّه تعالى على عَبْده بالنُّبوَّة وجَب عليه أن يُبلِّغ، مِيثاق غَليظ ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وفي أهل العِلْم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ولم يَقُل: مِيثاقًا غليظًا؛ لأن المِيثاق على الأنبياء أعظَمُ وأغلَظُ.
قوله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾: (منك) عَطْفًا على ﴿النَّبِيِّينَ﴾ بإعادة الجارِّ ﴿وَمِنْكَ﴾، وإنَّما أُعيد الجارُّ إمَّا لأن الضمير مُتَّصِل ولا بُدَّ فيه من أن يَظهَر الجارُّ، أن يَظهَر العامِل؛ لأن الضمير المتصِل لا بُدَّ له أن يَكون عامِله ظاهِرًا، ولا يَأتي مُنفَصِلًا العامِل إلَّا شذوذًا بعد (إلَّا)، أو يُقال أيضًا -وهو يُقال من حيث المَعنَى-: أُعيد حَرْف الجرِّ للتأكيد بالنسبة إلى هؤلاء الخَمسة قال ﷾: ﴿وَمِنْكَ﴾ وتَخصيصهم بالذِّكْر بعد العُموم يَدُلُّ على فَضْلهم ولا شكَّ فيها.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ منك ومن نُوع عَلَيْهِ ﵇، وبين محُمَّد -ﷺ-
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص: ٢١٤).
[ ٧٦ ]
ونوحٍ ﵇ أنبياءُ آخَرون من أُولي العَزْم، ولكنَّ اللَّه ﷾ بدَأَ بآخِر واحِد منهم وأَوَّل واحِد، فبدَأ بالطرَفين، ثُم جاء بالوسَط ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.
ونوحٌ ﵇ هو أوَّلُ رسول أَرسَله اللَّه ﷾ إلى أهل الأرض؛ لأن الصحيح أن آدَمَ نبيٌّ، لكنه ليس برَسولٍ، فأوَّلُ الرُّسُل نوح ﵊ كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وفي حديث الشَّفاعة الطويلِ: أن الناس يَأتون إلى نُوحٍ ﵇ ويَقولون: أنت أوَّلُ رسول بعثَه اللَّه تعالى إلى أهل الأرض (^١).
وليس نُوحٌ أَفضَلَ من إبراهيمَ ولا من مُوسى ﵉، لكن -كما قُلت- قدَّمه؛ ليَتلاقَى الطرَفان الآخِرُ والأوَّلُ، وقدَّم محُمَّدًا ﵊، لأن الرسول ﵊ أشرَفُ الرُّسُل.
والترتيب: بالنِّسبة لإبراهيمَ ومُوسى وعِيسى الثلاثة رُتِّبوا بالزمَن والفَضْل، وأمَّا نُوحٌ ومُحمَّد -ﷺ- فبَدَأ بالطرَف الأخير، لأنه أشرَفُ، ثُمَّ بالطرَف الأوَّل.
قوله ﷾: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إبراهيم ولم يَذكُر أباه، ومُوسى ولم يَذكُر أباه، وعِيسى وذكَر أُمَّه؛ لبَيان الآية والمُعجِزة في عيسى ﵊ أنَّه خُلِق من أُمٍّ بلا أَبٍ، وخُلِقت حوَّاءُ من أبٍ بلا أُمٍّ، وخُلِق آدَمُ من غير أُمٍّ ولا أبٍ، وخُلِق الناس من أبٍ وأُمٍّ، نعَم، كل هذا يُستَدَلُّ به على أن الطبيعة لا شأنَّ لها في التَّكوين والخَلْق، وإلَّا لكانت على وَتيرة واحِدة.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، رقم (٣٣٤٠)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنَّةَ منزلة فيها، رقم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة.
[ ٧٧ ]
قال: [﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ شديدًا بالوفاء بما حُمِّلوه وهو اليمين باللَّه تعالى ثُم أخَذَ اللَّهُ تعالى المِيثاق] المِيثاق العَهْد، لكن المُفَسِّر يَقول: [وهو اليمين باللَّه، كأنه يُشير إلى قوله ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ ولكن هذا فيه نظَر.
والصوابُ: أن العهد الذي أُخِذ على الرُّسُل هو أن يُبلِّغوا الرِّسالة ويَقوم أيضًا بالإيمان بما يَجِب الإيمان به من بابِ أَوْلى؛ لأنهم إذا أُرسِلوا إلى غيرهم فلأنفُسِهم أَوْلى، فيَشمَل أو فيَكون قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ فَردًا من أفراد هذا العهدِ والمِيثاق.
فإن قال قائِل: بعض العُلَماء ﵏ مثل ابنِ عَقيل والقُرطُبيِّ (^١) يَقولون: المُفاضَلة من جهة الرِّسالة أو النُّبوَّة. فتقولون: لا يَنبَغي للإنسان أن يَذكُر هذا، لكن إذا ذكَر المُفاضَلة فإنما تَكُون من جهة بعض المُميِّزات التي تَكون في الأنبياء من شِدَّة العزيمة والصبر وغيرهما، فما الجَوابُ عن ذلك؟
فالجوابُ: يُمكِن أن يَكون قصدُهم أنَّه يَخشَى أن المُفضَّل عليه يَقعَ في نفس الإنسان تَنقُّصًا له؛ ولهذا الرسولُ -ﷺ- نَهَى أن نُفضِّل بين الأنبياء قال ﵊: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ" (^٢) فإذا كان هناك مثَلًا محَذور فيُعْرَض عنه، أمَّا إذا كان يُريد
_________________
(١) تفسير القرطبي (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم (٣٤١٤)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى -ﷺ-، رقم (٢٣٧٣)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٧٨ ]
أن يُبيِّن مدَى قُوَّتهم في تبليغ الدَّعْوة وصَبرهم عليها وكثرة أَتباعهم وما اصطِفاهم اللَّه ﷾ به، فقد صرَّح اللَّه ﷿ بذلك فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
وهل هذا المِيثاقُ هو الأوَّلُ أو غيره؟
اختَلَف المُفسِّرون فيه:
فقال بعضهم: إنه هو المِيثاق الأوَّل، وإنَّما أُعيد من أَجْل الوَصْف، وهو قوله تعالى: ﴿غَلِيظًا﴾، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
وقال آخَرون: إنه غير الأوَّل؛ لأن القاعِدة أن الاسم إذا تَكرَّر فإن كان بلفظ المَعرِفة فالغالِب أن الثانيَ هو الأوَّل، وإن كان بلَفْظ النكِرة فالغالِب أن الثانيَ غير الأوَّل، هذا الغالِب وليس دائِمًا، فإنك ترَى قوله ﷾: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ جاء مُعرَّفًا بـ (أل)، والإحسان الثاني قطعًا غير الإحسان الأوَّل، لكن الأكثَر أنَّه إذا أُعيد الاسم مُنكَّرًا صار غير الأوَّل، وإن أُعيد مُعرَّفًا صار الأوَّل، فهنا أُعيد المِيثاق مُنكَّرًا قال: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾، فيَكون المِيثاق الثاني غيرَ الِميثاق الأوَّل.
ووجهُ المُغايرة: يَقول: إن المِيثاق الأوَّل هو المِيثاق الذي أُخِذ على جميع بني آدَمَ، والِميثاق الثاني هو المِيثاق الخاصُّ بالرُّسُل بما حُمِّلوه من القِيام بعِبادة اللَّه ﷿ وتَبليغ شريعته والدَّعوة إليه.
وأمَّا إذا قُلْنا: إن المِيثاق الثانيَ هو الأوَّل، فتكون فائِدة إعادته هو وَصْفَه بالغِلَظ، يَعنِي: أنَّه مِيثاق شديد أشَدُّ من الميثاق الذي أُخِذ على غيرهم.
[ ٧٩ ]
ولكن ذَكَر الميثاق العامِّ من باب التَّنويه به بالنسبة لهؤلاء الأنبياءِ ﵈؛ ولهذا عقَّبه بقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِم﴾ يَقول: ثُم أَخَذ الميثاق؛ ليَسأَل الصادِقين عن صِدْقهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: عِظَم المَسؤُولية على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجهُ ذلك أن اللَّه تعالى خصَّصَهم بأَخْذ المِيثاق.
ويُسْتَفاد منها فَرْعًا على هذه الفائِدةِ: عِظَم المَسؤُولية على أهل العِلْم؛ لأنَّهم ورَثة الأنبياء ﵈.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مَن أَنعَم اللَّه تعالى عليه بنِعْمة، فإن للَّه تعالى عليها شُكْرًا خاصًّا غير النِّعْمة العامَّة، كقوله ﷾: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾، فإن الإضافة هنا تَدُلُّ على التخصيص، المِيثاقَ الخاصَّ بهم، فكُلُّ مَن أَنعَم اللَّه تعالى عليه بنِعْمة، فإن للَّه تعالى عليه فيها عَهْدًا أن يَقوم بهذه النِّعْمةِ.
وبهذا التَّقريرِ نَسْلَم ممَّا ذكَره المُفَسِّر ﵀ من أن المِيثاق هنا يُرَاد به المِيثاق الذي أُخِذ عليهم من ظَهْر أبيهم آدَمَ ﵇، إذا أَنعَم اللَّه تعالى عليك بنِعْمة فإن هذا عَهْد أَعْطاك فأَعْطِه، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وذكَرَ اللَّه ﷾ هذا العَهْدَ في سورة المائِدة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا
[ ٨٠ ]
حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢] فهذا عَهْدٌ وميثاقٌ.
إذَنْ: إنَّ عهد النَّبيِّين عليهم الصلاة والسلام هي مَسؤُولية عَظيمة وهي تَبليغ الرِّسالة والعمَل والدَّعوة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فضيلة هؤلاء الأَنبياءِ الكِرام الخَمْسة: وجهُ الدَّلالة تَخصيصُهم بالذِّكْر، فإن تَخصيص أفراد العامِّ بالذّكْر يَدُلُّ على شرَف ذلك المُخصَّص.
الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: أنَّ محُمَّدًا -ﷺ- أفضَلُ هؤلاء الخَمْسةِ، وجهُه: تَقْديمه عليهم ذِكرًا مع أنَّه مُتأخِّر عنهم زمَنًا، وكان مُقْتَضى الحال لَو كانوا مُتَساوِين في الفَضيلة أَنْ يُذْكَروا بحسَب التَّرْتيب الزمَني.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن ترتيب هَؤُلاء في الفضِيلة: مُحَمَّد، ثُمَّ إبْرَاهيمُ، ثُمَّ موسَى، ثُمَّ عيْسَى، لكن تقديمَ الذِّكْر لا شَكَّ دلِيلٌ على العِنَاية والأفضَلية وما أَشبَه ذلك، والظاهِر لي: أنَّه لا يُستَفاد من الآية؛ لأننا لا نَعلَم أن إبراهيمَ أفضَلُ من نُوحٍ إلَّا بدليل خارِجيٍّ؛ صحيح أن محُمَّدًا ﵊ نَعلَم أنَّه أَفضَلُهم، لأنه لو كان المَقصود التَّرتيبَ الذِّكْريَّ لكان هو آخِرَهم، لكن جاء في الآية بعد ذِكْر محُمَّد -ﷺ- نُوحٌ وإبراهيمُ ومُوسَى وعِيسَى، وهذا تَرتيبٌ زمَنيٌّ فلا يَدُلُّ على الترتيب الفَضليِّ، والأدِلَّة الخارجية واضِحة.
وقدِ اختَلَف العُلَماء ﵏: أَيُّهما أفضَلُ عِيسى أو نُوحٌ؟ بعد اتِّفاقهم على أن مُحَمَّدًا أفضَلُ، ثُمَّ إبراهيمُ، ثُم مُوسى، لكن اختَلَفوا: أيُّهما أفضلُ عِيسى أو نوحٌ؟ .
فقال بعضُهم: إن نوحًا أفضَلُ؛ لأنه أوَّلُ رَسول أَرسَله اللَّه تعالى، ولأنه كابَدَ
[ ٨١ ]
من قومه ما لم يُكابِدْه غيره؛ لأنه بَقِيَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمسينَ عامًا، لا يَزيدهم دُعاؤُه إيَّاهم إلَّا فِرارًا -والعِياذُ باللَّه- وسُخريةً.
وقال بعضُهم: بل إنَّ عيسى ﵇ أفضَلُ؛ لأنه ﵊ أُوذِي أيضًا حتَّى إنه هُدِّد بالقَتْل حتَّى إنه قِيل: إنه قُتِل. فإن اليَهود يَرَوْن أنهم شَفَوْا أنفسهم حين قَتَلوا مَن أَلقَى اللَّهُ تعالى شَبَهَ عِيسى عَلَيْه ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧].
وعِندي في هذا: التَّوقُّفُ؛ لأن لكلِّ واحدٍ مِنهما مَزِيةً يَكون فيها أَفضَلَ من الثاني.
كما يَدُلُّ علَى أنَّ مَسؤُوليةَ أُولي العَزْم أعظَمُ من مَسؤُولية غَيْرهم وهو كذلك، ومن أَجْل أن مَسؤُوليتَهم أَعظَمُ وأنَّهم قاموا بها سُمُّوا أُولي العَزْم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَغليظُ المَسؤُولية على الأنبياء ﵊، لقوله ﷾: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: عظَمةُ الربِّ ﷾، وذلك بالتَّحدُّث عن نفسه بضمير العظَمة ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ﷿ يَتحدَّث عن نَفْسه تارةً بضمير العظَمة وتارةً بضمير الإِفْراد، وهو كثير في القُرآن، ولا حاجةَ لذِكْر أمثِلة، لأنه واضِحٌ.
* * *
[ ٨٢ ]