* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
* * *
هنا صدَّر اللَّه ﷾ هذا الأَمْرَ بالنِّداء المُتَصِف المُنادَى بهِ بالإيمان، فأَوَّلًا تَصديرُ الخِطاب بالنِّداء يَدُلُّ على الاهتِمام بِه؛ لأن النِّداء يُوجِب الانتباهَ؛ فلذلك إذا وجَدْت مثلَ هذا التَّعبر فاعلَمْ أن الأمر هامٌّ.
ثُمَّ إن توجيه الخِطاب والنِّداء إلى مَنِ اتَّصَفوا بالإيمان يَدُلُّ على أن هذا من مُقتَضيات الإيمان؛ لأنه لا يُوَجَّه الخِطاب لمَوْصوفٍ بصِفةٍ إلَّا أن ذلك من مُقتَضَيات صِفَته، فإذا قلت: يا رجُلُ افعل كذا وكذا. فمَعنَى هذا أنَّ المأمورَ به من صِفات الرِّجال.
ثُمَّ إن في وَصْفهم بالإيمان إغراءً لقَبول ما وُجِّه إليهم، يَعنِي: إذا قلت: يا مُؤمِنُ. مَعناه: أني أُغريك أن تَقبَل، إذ إن الإيمان يَقتَضي أن تَقبَل، ففيه إغراءٌ على قَبول ما أَمَر اللَّه تعالى به؛ قال ابن مسعود -﵁-: "إِذا سمِعْتَ اللَّه تعالى يَقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعَك -يَعنِي: استَمِع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به، وإمَّا شرٌّ تُنْهَى عنه" (^١).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد رقم (٨٦٦)، وسعيد بن منصور في السنن رقم (٥٠) [ط. الصميعي]، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٩٦).
[ ٩٠ ]
وقدِ اجتَمَع الأمران في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخِطاب هنا عامٌّ، الخِطاب يَعنِي: المُخاطَب عامٌّ، يُوَجَّه لأُناس مَوْصُوفين بالإيمان، هل يَختَصُّ بالمُؤمِنين في زمَن النُّزول، أو هو عائِد إلى كل المُؤمِنين؟
هو شامِل لكل المُؤمِنين، إذ إن اللَّه تعالى إذا أَنعَم على سلَف الأُمَّة بنِعْمة، فهو نِعْمة على الأُمَّة كلها؛ ولهذا يَذكُر اللَّه ﷾ بني إسرائيلَ بنِعَم أَنعَم بها على بني إسرائيلَ في عَهْد مُوسى ﵇، لأن الطائِفةَ واحِدةٌ ولا شكَّ أن نِعْمة اللَّه ﷿ على نَبيِّنا محُمَّد -ﷺ- وعلى أصحابه أنَّه نِعْمة علينا، وأن نَصْر اللَّه تعالى له ودِفاعه عنه نَصْرٌ لنا ودِفاعٌ عنَّا.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ نِعْمة اللَّه تعالى عامٌّ؛ لأنه مُفرَد مُضاف فيَعُمُّ، والشاهِد على أن المُفرَد المُضاف يَعُمُّ قوله ﷾: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] فليس المُرادُ نِعْمةً واحِدة، بل نِعَمٌ كثيرةٌ لا تُحصَى.
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إِحْسانه وفَضْله، ثم قال ﷾: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾ هذا التَّقييدُ لا يَعنِي تَخصيص النِّعْمة العامَّة في قوله ﷾: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لكنه كالتَّمجيد لشيء من هذه النِّعَمِ ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: (إِذْ) أي: حين ﴿جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، وهذه النِّعْمةُ خاصَّة بالذِّكْر، لأنها نِعْمة عظيمةٌ كما سيَتبَيَّن من تصوير اللَّه ﷿ لها قال: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ كلِمة (جُنود) هي بمِرة، لكنها يُراد بها التَّعظيمُ والتَّكثيرُ، يَعنِي: إذ جاءَتْكم جُنود كثيرة، وهؤلاءِ الجُنودُ همُ الأحزابُ
[ ٩١ ]
من المُشرِكين واليَهود الذين تَحزَّبوا لقِتال النبيِّ -ﷺ- وكانت هذه في السَّنَة الخامِسة من الهِجْرة في شَوَّال (^١).
هذا الصحيحُ المشهورُ؛ لأنه من المعلوم أن أُحُد كانت في السَّنَة الثالثة من الهِجْرة في شَوَّال (^٢)، وكانت السَّنَة التي تَليها مِيعادًا لقُرَيْش، لكنهم ما حضَروا، ثُم في السَّنَة الثالِثة -وهي الخامِسة- صارت غَزوة الأَحْزاب.
وسبَبُها أن الأشرافَ من بني النَّضير الذين أَجْلاهم النبيُّ ﵊ من المَدينة لا شكَّ أن قُلوبَهم امتَلَأَت حِقْدًا على النبيِّ -ﷺ- وعَداوةً، فلمَّا رأَوُا انتِصارَ قُرَيْش في أُحُد أَرادوا أن يَستَغِلُّوا هذا الأمرَ، فذهَبوا إلى قُرَيْش وحرَّضُوهم على قِتال النبيِّ -ﷺ- ووعَدوهم أن يَنصُروهم بكلِّ ما يَستَطيعون، وأن يَتَّصِلوا ببني قُرَيْظةَ الذين بَقُوا في المدينة يَتَّصِلوا ببني قُرَيْظةَ من أجل أن يُساعِدوهم على قِتال النبيِّ ﵊، فاجتَمَعَت أَحزابٌ عظيمة قُدِّرت بعشَرة آلاف مُقاتِل، معَهم العُدَّة والسِّلاح والعَتاد وحضَروا إلى المدينة.
ولمَّا عَلِم بهمُ النَّبيُّ ﵊ اهتَمَّ بذلك اهتِمامًا عظيمًا، ولكن اهتِمام الرسول ﵊ لا يَعنِي الجُبْن والخَوَر والضَّعْف، ولكنه يَعنِي الاستِعْداد وأَخْذ الحذَر؛ أَخْذًا بتوجيهات اللَّه ﷿، لأن اللَّه تعالى دائِمًا يُحذِّر من الأعداء، ويَأمُر بأن نُعِدَّ لهم ما استَطَعْنا من قوَّةٍ، فخرَج بأصحابه بثلاثة آلافِ مُقاتِلٍ فقط، وقيل: بأقَلَّ من ذلك حتَّى قال بعضُهم: إلى سَبْع مئةِ مُقاتِلٍ، ونزَلوا عند سَلْعٍ، وجعَلوه خَلْف ظُهورهم، وحفَروا الخَنْدق بمَشورة سَلْمانَ الفارِسيِّ -﵁- من
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢١٤).
(٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٦٠).
[ ٩٢ ]
الحرَّة الشرقية إلى الحَرَّة الغربية، حفَروه مع ما بهم من الجَهْد والتَّعَب والمَشقَّة والجُوع والبَرْد، وكان الرسول ﵊ يَحفُر معهم، حتَّى إن التُّرابَ وارَى جِلْدةَ بَطْنه ﵊، وكان يُردِّد معهم:
"اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَه فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَه" (^١)
ويُردِّد أيضًا قوله -ﷺ-:
"اللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ العِدَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا" (^٢)
لأن هذا الإِنْشادَ في هذا المَوْطِن يُثير الِهمَم ويُنشِّط، وكان يَمُدُّ صَوْته بقوله -ﷺ-: "أَبْيَنَا".
المُهِمُّ: أنَّه حصَل فيه أشياءُ كَثيرةٌ ليس هذا مَوضِعَ ذِكْرها، لكنها تَدُلُّ على مِحَنٍ عظيمةٍ أَصابَت المُسلِمين، وهم مع ذلك صابِرون، ولمَّا نزَل الأحزابُ نزَلوا من الشَّمال من الشَّرْق والغَرْب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾.
ثُمَّ إن اللَّه ﷿ بحِكْمته امتَحَن المُسلِمين بزِيَادة البَلاء، وهو أن بني النَّضِير اتَّصلُوا ببني قُرَيظةَ، وطلَبوا منهم أن يَنْقُضوا العَهْد الذي بينهم وبين النبيِّ -ﷺ-،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب حفر الخندق، رقم (٢٨٣٥)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (١٨٠٥)، من حديث أَنس -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم (٤١٠٦)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (١٨٠٣)، من حديث البراء -﵁-.
[ ٩٣ ]
فتَلَكَّأت بنو قُرَيْظةَ فقالوا: كيف نَنقُض العَهْد بيننا وبين محُمَّد -ﷺ-، وهؤلاءِ الجُنودُ التي أَتَيْتم بهم ليس هذا محَلَّ إِقامتهم ولا سُكْناهم، إن رأَوْا نَصْرًا شارَكونا بالغَنائم، وإن رأَوْا هَزيمةً ذهَبوا إلى بلادهم وبَقِينا نحن تحت سُلْطة محُمَّد -ﷺ-.
وهذا كلام مَعْقول، لكنه مَعقول من الناحية الدُّنيوية فقَطْ، وأَبَوْا أن يُشارِكوهم، لكنهم ما زالوا بهم حتَّى أَغْرَوهم ونقَضوا العَهْد، فازداد ذلك في مَشقَّة المُسلِمين.
ولكن اللَّهَ ﷿ قال في كِتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وإذا دَافَع اللَّه ﷾ عن شَخْص فلا تَسأَل عن حاله، فإنه في حِصْن حَصين في مُدافَعة اللَّه ﷾.
ولهذا يَقول يَذكُر اللَّهُ ﷾ المُؤمِنين في هذه النِّعْمةِ: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، والتَّنْكير هنا للتَّعظيم والكَثْرة، يَعنِي: جُنود كثيرة، لكن بماذا قُوبلوا؟ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ سلَّط اللَّه ﷿ هذه الرِّيحَ، الريح الشرقيَّة شَديدة، يَعنِي: جعَلها اللَّه ﷾ ريحًا شَديدةً عظيمةً وبارِدةً حتَّى هَدَمت خِيامهم، وأَكفَأَتْ قُدورهم، وصارت الحِجارة تَرميهم كأنَّما يُرجمون بها رَجْمًا، يَعنِي: بدَأَتِ الريح تَحمِل الحِجارة وتَضرِب بها قُدورهم، تَضرِب بها خَيْلهم وإبِلَهم وأَبدانهم أيضًا، وقَلِقُوا قَلقًا عظيمًا، والجُنود الآخَرون -الملائِكة- تُزَلْزِلُ بهم وتُلقِي في قُلوبهم الرُّعْب؛ ولم تُقاتِل لأنه ما حصَل قِتال، لكنها زَلْزَلت بهم بإِذْن اللَّه ﷿.
وقِصَّة حُذَيْفةَ بنِ اليَمان -﵄- في تلك الليلةِ العَصِيبة، لمَّا هبَّتِ الرِّياح طلَب النَّبيُّ -ﷺ- من أصحابه أن يَنتَدِب أحدًا منهم، وضَمِن أن يَرجِع سالِمًا، وأن يَكون رفيقَ النَّبيِّ -ﷺ- في الجنَّة، يَعنِي: ضَمِن أمرَيْن؛ السلامة، وأن يَكون رفيقَ الرسول ﵊ في الجَنَّة، لكِن الصَّحابة معَهم تعَبٌ عظيم وجُوع شديد
[ ٩٤ ]
وبَرْد شديد ما قام أَحَد، ثُم ذهَب ﵊ يُصلِّي حتَّى مضَى هَوِيٌّ من الليل، ثُم رَجَع وقال هذا الكلامَ مرَّةً أُخرى، فلم يَقُم أَحَد، ثُم رجَع يُصلِّى، ثُم رجَع فقال هذا الكلامَ، فلَمْ يَقُم أَحَد.
فنَصَّ على حُذَيْفةَ -﵁- قال -ﷺ-: "قُمْ يَا حُذَيْفَةُ" يَقول: فلمَّا ذَكَرني لم يَكُن لي بُدٌّ من طاعة اللَّهِ ورَسولِه. قام -﵁-، وأَوْصاه الرسول ﵊ أن يَذهَب إلى القوم ويَنظُر خبَرَهم، وألَّا يُحدِث شيئًا أبدًا يَقول: لمَّا انصَرَفْت من عند الرسول -ﷺ- صِرْت كأنما أنا في حَمَّام، لا أُحِسُّ بِرِيح ولا بِبَرد حتَّى وصَلْتُ إلى القَوْم، وجعَلْت أُشاهِد أبا سُفْيانَ؛ لأنه رئيس قُرَيْش أُشاهِده وهو يَصطَلي على النار من شِدَّة البَرْد، ويَأذَن بالرَّحيل، يَأمُرهم بأن يَرحَلوا: ليس لنا مُقام هنا. ووَضَع سهمًا في قَوْسه يُريد أن يَرمِيَه؛ لأنه قريب منه، لكنه -﵁- تَذكَّر قولَ النبيِّ ﵊: "لَا تُحْدِثْ شَيْئًا"، فامتَنَع، يَقول: فقال أَبو سُفْيانَ: يَنظُر كلُّ واحِد منكم جَليسَه؛ خاف من الجَواسيس والعُيون، فأَمسَكْت برَجُل من جانبي وقُلْتُ: مَن أنت؟ ابتَدَأ به قَبْل أن يَسأَل هُو قال: أنا فُلان بنُ فُلان.
فأَخَذ الخَبَر ثُم رجَع إلى النبيِّ -ﷺ- كأنما هو في حَمَّام لا هواءَ ولا بَرْدَ، لكن لمَّا وصَل للرسول ﵊ واستَقَرَّ أَحَسَّ بالبَرْد، فلمَّا أَحَسَّ بالبَرْد وضَع النَّبيُّ ﵊ عليه لِباسًا كان معه؛ ليَدفَأ به، ونامَ، والنبيُّ -ﷺ- يُصلِّي ويَتهَجَّد، يَقول: فلمَّا أَصبَح الصُّبْح أَيْقَظني وقال: "يَا نَوْمَانُ قُمْ قُمْ يَا نَوْمَانُ" (^١).
فالحاصِلُ: أن هذه الرِّيحَ كانت شديدةً جِدًّا أزَقتهم حتَّى انصَرَفوا مع ما أَلقَت
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (١٧٨٨)، من حديث حذيفة -﵁-.
[ ٩٥ ]
المَلائِكة في قُلوبهم من رُعْب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ لأن اللَّه تعالى حجَبَ المَلائِكة عن أَعيُن الناس؛ لأن المَلائِكة تَحضُر مجَالِس الذِّكْر، والملائِكة يَتَعاقَبون في بني آدَمَ بالليل والنهار، والمَلائِكة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، ومع ذلك لا نَراهم؛ لأن اللَّه تعالى حجَبَهم، يَأتينا -إن شاء اللَّهُ تعالى- في الفَوائد أن في هذا دَلالةً بيِّنةً على ضَعْف بني آدَمَ، فأَجرام مَحسوسة مَوْجودة بين أيديهم، بل عن أيمانهم وعن شَمائِلهم، ومع ذلك لا يَرَوْنها.
قال ﵀: [﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ مِن المَلائِكة ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء من حَفْر الخَنْدق، وبالياء من تَحذير المُشرِكين] يَعنِي: فيها قِراءَتان "بِمَا يَعْمَلُونَ" و﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ هذه الرِّيحُ هي الريح الشَّرْقية، ولهذا جاء في الحديث: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" (^١)، الدَّبور: الرِّيح الغَرْبية، يَقول: [بما تَعمَلون بالتاء من حَفْر الخَنْدق] ولكن هذا التَّخصِيصَ لا يَنبَغي، لأَنَّنَا إذا خصَّصنا العُمُوم في الآية قصَرْنا معنَى اللَّفْظ أو قصَرْنا اللَّفْظ على بعض مَعناه، والصوابُ: أنَّها بما تَعمَلون من حَفْر الجنْدق وغيره من كل ما عمِلْتم في هذه الغزوةِ.
قوله تعالى: ﴿بَصِيرًا﴾ أَيْ: عليمًا، أو بما يَعمَلون، يَعنِي: الجُنُود ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ واللَّهُ تعالى بما يَعمَلون بَصير، من التَّحزُّب على النبيِّ -ﷺ-، والقُدوم إلى بلَد الرسول ﵊، لأَجْل القَضاء عليه على زَعْمهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم (٤١٠٥)، ومسلم: كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، رقم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٩٦ ]
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مِنَّة اللَّه ﷾ على هذه الأُمَّة أَوَّلها وآخِرها بهذا الدِّفاع من اللَّه ﷾ عن المُؤمِنين، ووجهُه: أن اللَّه تعالى أَمَرنا بأن نَذكُر هذه النِّعْمةَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نِعمة اللَّه ﷾ إمَّا إِيجاب المَحبوب، أو دَفْع مَكروه، والذي في الآية من باب دَفْع المكروه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان شِدَّة عَداوة الكُفَّار للمُؤمِنين؛ لأنَّهُم تَحزَّبُوا ضِدَّهم، فقد تَكُون هذه القبائِلُ ليس بينهَا رابِطةٌ في حَدِّ ذاتها، ولكن من أجل أنَّها اتَّفَقت في عَداوة الإسلام اجتَمَعت.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اليَهود لا عَهْدَ لهم، وأنهم أهلُ غَدرٍ وخِيانةٍ، ووجهُه: نقضُ بني قُرَيْظةَ للعهد الذي بينهم وبين الرسول -ﷺ-، وكل القبائل الثلاث من اليَهود كلها عاهَدَتِ الرسول ﵊ حين قدِم المدينة، ومع ذلك فإنهم نَقَضوا العهد: بنو قَيْنقاع وبنو النَّضير وبنو قُرَيْظةَ، كلُّهم نقَضوا العَهْد، لأن اليَهود من أشَدِّ الناس غَدْرًا وكذِبًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ قُدْرة اللَّه ﷿ من قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ما أَشار إليه بعض أَهْل العِلْم من أن الريح إذا جاءَت مُفرَدةً، فإنها تَكُون في العذاب، وإذا جاءَت مَجموعةً فإنها تَكونُ في الرحمة، إلَّا أنَّها قد تَأتِي مُفرَدةً في الرحمة، إذا وُصِفت بما يَدُلُّ على ذلك، مثل قوله ﷾: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢].
[ ٩٧ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المَلائِكة جُنُود للَّه ﷿؛ لقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
فإن قُلْت: هنا ما أُضيفت إلى اللَّه ﷿ فكيف تَقول: إنهم جُنود اللَّه تعالى؟ لأنه يَقول: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾، فأَضاف إرسالَهم إليه، وقد قال تعالى في آيات أُخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فهلِ الرَّبّ ﷿ مُحْتاج إلى جُنودٍ؟
فالجَوابُ: لا، ولا يُمكِن أن يَكون محتاجًا، لكن سُمّوا جُنودًا مع أنَّه لا حاجةَ به إليهم؛ لأنهم يَقومون بأَمْره، ويُدافِعون عن أوليائه، فهُمْ بمَنْزِلة الجنود، وإلَّا فاللَّه ﷿ لا يَحتاج إليهم ولا إلى غيرهم فإنه غَنَيٌّ عن كلٍّ أحَد.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأَصْل أن الناس لا يَرَوْن الملائِكة؛ لقوله ﷾: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهو كذلك، لكن قد يَرَوْنهم مِثْلما رأَى الناس جِبْريلَ ﵇ حين جاء إلى النبيِّ -ﷺ- يَسأَلُه عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ والساعةِ وأَمَاراتها.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عُمُوم عِلْم اللَّه ﷿ في كلِّ ما نَعمَل؛ لقوله ﷾: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾، ويَشمَل ذلك عمَل القَلْب بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] وهو عمَل قَلْبٍ، أمَّا عمَل الجَوارح فظاهِرٌ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الترغيب والترهيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]، فإن هذا فيه بالنِّسبة للعمَل الصالِح ترغيب، وأن هذا العمَلَ لم يُهدَر؛ لأنه معلومٌ عند اللَّه ﷾، ولا بُدَّ أن يُجازِيَ عليه، وترهيبٌ لكل مَن عمِل سَيِّئةً، وتهديدٌ لهم، فعِندما تُحدِّثك نَفْسُك يومًا من الأيام بأن تَعمَل سَيِّئةً؛ لأنه لا يَطَّلِع عليها أحَدٌ من الخَلْق، فاذْكُر أن اللَّه تعالى يَطَّلِع عليك، قال ﷾:
[ ٩٨ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبيِّ ﵊: "أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ" (^١)، ليس معَك في مَكانك، ولكنه معَك وهو على عَرْشه ﷾، محُيط بك.
* * *
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٨٧٩٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة رقم (١٦٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٢٧)، من حديث عبادة بن الصامت -﵁-.
[ ٩٩ ]