* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ تَشريفًا له وإظهارًا لنُبوَّته.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوَصْفين؛ النُّبوَّة والرِّسالة على وَجْه صريح، وإلَّا فلو وُصِف بالرِّسالة وحدَها لتَضمَّنَت وَصْفه بالنُّبوَّة؛ لأنَّ كلَّ رَسول نبِيٌّ، وليس كل نَبِيٍّ رَسولًا، لكن الجمْع بين الوَصْفين أَوْلى على وجه النَّصِّ والتَّعيين، وفي حديث البَراءِ بنِ مالِكٍ -﵁- يُقال من الذِّكْر عند النَّوْم-؛ أنَّ النبيَّ -ﷺ- علَّمه إذا أَوَى إلى فِراشه أن يَقول مِمَّا يَقول: "آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"، فلمَّا أَعادَها عليه البَراءُ -﵁- قال: "آمَنْتُ بكِتابِكَ الَّذي أَنزَلْتَ وبِرَسولِكَ الَّذي أَرْسَلْتَ"، فقال -ﷺ- له: "وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" (^١)، قال العُلَماءُ ﵏: لأَجْل أن يَجمَع له بين وَصْفَي النُّبوَّة والرِّسالة على وجهِ التَّعيين؛ لأنَّ دَلالة الرِّسالة على النُّبوَّة من باب دَلالة الالتِزام، وأمَّا دَلالة النُّبوَّة على النُّبوَّة فهو من باب دَلالة النَّصِّ والتَّعيين، هذا من وَجْه.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء، رقم (٢٤٧)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، رقم (٢٧١٠).
[ ٣٣٧ ]
وجهٌ آخَرُ: أنَّه إذا قال: (وَرَسُولِكَ الَّذي أَرْسَلْتَ) لم يَكُن نصًّا في الإيمان بمُحمَّد -ﷺ-، إذ قد يَجوز أن يُراد به الرسولُ المَلَكيِّ دون الرسولِ البَشَريِّ.
هنا يَقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾، ولم يَقُل: (يا أيُّها الرسولُ إنا أَرسَلناكَ)؛ ليَجمَع له بين وَصفَي النُّبوَّة والرِّسالة على سبيل التَّعيين والنَّصِّ، لكن انظُرْ إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، حيثُ قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ثُمَّ قال تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾؛ لأنَّه إنما يَأمُره بالبَلاع، وهذا يُناسِب الرِّسالةَ.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَن أُرسِلْتَ إِلَيْهِم]، وكلِمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهِدُ يُطلَق على المُخبِر، ويُطلَق على الحاكِم، والنبيُّ -ﷺ- شاهِد مخُبِر حاكِم، فهو مخُبِر عن اللَّه ﷿ بما أَرسَله به، وكذلك مخُبِر عمَّن أُرسِل إليهم، بالقَبول أو الرَّفْض، وكذلك هو حاكِم، فإن الحُكْم للَّه تعالى ورسولِه -ﷺ-.
والدَّليلُ على أنَّ الشاهِد بمَعنَى: الحاكِم قولُه تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]، إذَنْ (شاهِد) بمَعنَى: (مخُبِر) و(حاكِم)، فهو مُخبِر عن اللَّه تعالى، ومخُبِر عن عِباد اللَّه تعالى، مخُبِر عن اللَّه تعالى بما أَوحاه إليه، ومُخبِر عن عِباد اللَّه تعالى بالقَبول أو الرَّفْض.
وكذلك هو شاهِد على مَن سبَقه من الأُمَم في تَبليغ رِسالات الرُّسُل، وفي تَكذيب قَوْمهم لهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، إِذَنْ: شاهِد بما أَوْحاه اللَّه تعالى إليه، وحاكِم به، وشاهِد على مَن أُرسِلَ إليهم، وشاهِد على مَن سبَقه مِن الأُمَم.
[ ٣٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ مَعطوف على ﴿شَاهِدًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾، أي: أَرسَلْناك مُبشِّرًا، والبِشارة تَقتَضي أربعة أُمور: مُبشِّر، ومُبشَّر، ومُبشَّر به، وسبَب يُوصِل إلى المُبشَّر به، فالرسولُ ﵊: مُبشِّر، فإذا كان الرسولُ ﵊ مُبشِّرًا، فلا بُدَّ أن يَكون هناك مَن يُبشِّره، وهم الذين أُرسِل إليهم، واتَّبَعوه على ما دعا إليه، ولا بُدَّ أن يَكون هناك مُبشَّرًا به، وهو الجنَّة، تَقدَّمنا في هذه الآياتِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ولا بُدَّ أن يَكون هناك سبَب يُوصِل إلى المُبشَّر به الأَعمال الصالحِة.
إِذَنْ: فالنَّبيُّ ﵊ قد بيَّن وبلَّغَ الرِّسالة إلى المُبشِّرين، وبيَّنَ المُبشَّرَ به، وما يَتَضمَّنه من الثَّواب، وأنواع النَّعيم، وبيَّن الأسباب المُوصِلة إلى ذلك، وهي الأَعْمال الصالحِة؛ ولهذا ترَكَ النَّبيُّ -ﷺ- أُمَّته على محَجَّةٍ بَيْضاءَ، ليلُها كنَهارِها، لا يَزيغُ عنها إلَّا هالِك.
قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النَّذير هو: مَن أَتَى بالإنذار، وهو الإعلام المَقْرون بالتَّخويف يُسمَّى إنذارًا، وفي حديث جابِرٍ -﵁- في صِفة خُطْبة النبيِّ -ﷺ- يَقول: "كأَنَّه مُنْذِرُ جَيْش يَقول: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَنَذِيرًا﴾ نَقول فيها كما قُلْنا في ﴿بَشِيرًا﴾: لا بُدَّ فيها من أُمور أَرْبعة: مُنذِر، ومُنذَر، ومُنذَر بِهِ، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، فكلُّها قد جاء بها النبيُّ ﵊.
فالمُنذَر: الأُمَّة عُمومًا، والمُنذَر بِهِ: النارُ، وأسبابُه: الأعمال السَّيِّئة، والمُنذِر: هو
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم (٨٦٧).
[ ٣٣٩ ]
الرسولُ -ﷺ-، فقد بيَّن النَّبيُّ -ﷺ- كلَّ هذه الأمورِ، بيَّن لكُلِّ المُنذَرين، وأدَّى إليهم الرِّسالةَ، أو أدَّى الأمانةَ، وكذلك بين المُنذَر به، وما فيه من العُقوبات المُتنوِّعات والعذاب الأليم.
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى﴾ قال ﵀: [﴿وَمُبَشِّرًا﴾ مَن صدَقَك بالجنَّة ﴿وَنَذِيرًا﴾ مُنذِرًا مَن كذَّبَك بالنار ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعَتِه بإِذْنه بأَمْره].
هذا الوَصْفُ الرابِعُ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أن يَدعُوَ الناس إلى اللَّهِ ﷿، وقول المُفَسِّر ﵀: [إلى طاعَتِه] فيه نظَرٌ؛ فالأَوْلى أن تَبقَى الآية على ظاهِرها وأن النَّبيَّ -ﷺ- يَدْعو إلى اللَّه ﷿ وإلى الوُصولِ إليه في دار كَرامَتِه، ولا وصولَ إليه في دار كَرامَتِه إلَّا بامتِثال أَمْرِه واجتِناب نَهْيِه، فهو داعٍ إلى اللَّه تعالى بطاعَتِه واجتِناب نَهْيِه.
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لَمْ يُبيِّن هنا كَيْفية الدَّعوة، ولكنه بيَّنَها في آيةٍ أُخْرى في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
والدَّعوةُ لا بُدَّ فيها أيضًا من أُمور أربعة: داعٍ، ومَدعُوٌّ، ومَدعُوٌّ إليه، وسبَبٌ يُوصِل إلى المَدعُوِّ إليه، وكلُّ هذا جاء به النبيُّ -ﷺ-.
وقد كان ﵊ يَدْعو الناس سِرًّا وجَهْرًا حَسْب ما تَقتَضيه المَصلَحةُ والحاجةُ، فكان أوَّلُ دَعْوته سِرًّا؛ لأنه كان يَخشَى أن تُصادَم هذه الدَّعوةُ حتى تُدفَن، ثُم بعد ذلك جهَرَ بالدَّعوة لمَّا قال له اللَّه تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحِجر: ٩٤]، ثُمَّ صار يَدعو مَن قرُبَ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، ثُمَّ مَن بَعُدَ على حَسَب ما تَقتَضيه الدَّعوةُ.
[ ٣٤٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يَعنِي: لا إلى نَفْسك؛ ولهذا كان النبيُّ -ﷺ- لا يَنتَقِم لنَفْسه قَطُّ أبَدًا إلَّا أن تُنْتَهَك حُرُماتُ اللَّه ﷿، فإنه كان أشَدَّ الناس غضَبًا للَّه تعالى؛ لأنه ليس يَدْعو إلى نَفْسه كما يُوجَد من كثير من الدُّعاة يَدْعون إلى أنفُسِهم في الواقِع، يُريدون أن يُعَظِّمهم الناس وأن يَأخُذوا بقولهم، حتى إنهم إذا خُولِفوا في ذلك تَجِد الإنسان يَتكَدَّر؛ لا لأنه خُولِف أمرُ اللَّهِ تعالى؛ ولكن لأنه خُولِف هو، الذي هذا شَأْنُه إنما يَدعُو إلى نَفْسه وليس يَدْعو إلى ربه، ففَتِّشْ نَفْسَك: هل فِيكَ سِرٌّ من هذا؟ إن كان فِيكَ سِرٌّ من هذا فأَصلِحِ الأَمْر، وإن كُنْت لا تَغضَبُ إلَّا للَّه تعالى، ولا تَرضَى إلَّا للَّه تعالى، فهذا هو الداعِيةُ حَقيقةً.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإِذْن هنا يَشمَل الإِذْن الكَوْنيَّ والإِذْنَ الشَّرعيَّ، فإن كان المُرادُ به ما يُدْعَى به فهو الشَّرْعيُّ، يَعنِي: إن كان المَعنَى: داعِيًا إلى اللَّه تعالى بأَمْره الذي أمَرَك بالدعوة إليه فالمُراد به الإِذْن الشَّرعيُّ، وإن كان المُرادُ داعِيًا إلى اللَّه تعالى بقَدَره يَعنِي: حيث قوَّاك على ذلك، وهيَّأَ لك الأسبابَ فهو إذنٌ كونيٌّ، والآيةُ تَشمَل هذا وهذا، فإن الرسول -ﷺ- إنما يَدعو بقَضاء اللَّه تعالى وقدَره، ويَدعُو كذلك بدِينه وشَرْعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
الوصف الخامس: قولُه ﵎: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مِثْله في الاهتِداء به سِراجًا، والسِّراج ما يُستَضاءُ به، ووَصَفْه بأنه ﴿مُنِيرًا﴾ إمَّا لبَيان الواقِع، لأن كل سِراج فله إِنارة؛ وإمَّا لِبَيان أن هذا السِّراجَ كان له إِضاءةٌ قوِيَّة فهو مُنيرٌ لما حَوْله، وهذا هو الأَقْرَب؛ لأن عندنا من القَواعِد المُقرَّرة أنه إذا دَار الأَمْر بين أن يَكون الكلام تَأْسيسًا أو تَوْكيدًا فالأصل أنه تَأْسيسٌ، لأن التأْسيس فيه زِيادةَ مَعنًى، بخِلاف التَّوْكيد، التَّوْكيد ليس فيه إلَّا التَّقْوية، لكِنَّ التَّأْسيس فيه زيادةُ مَعنًى، وعلى هذا
[ ٣٤١ ]
فالأَظهَرُ أن هذا وَصْف للسِّراج باعتِبار قُوَّته وإضاءَتِه، ولا شَكَّ أن النبيَّ -ﷺ- عَلَم يُهْتَدَى به في الظلُمات، فهو قد فَتَحَ للناس نُورَ العِلْم ونورَ الإيمان حتى ترَكَ أُمَّتَه على محَجَّةٍ بَيْضاءَ ليلُها كنَهارِها.
هذه الأَوْصافُ الخَمْسةُ التي بيَّنها اللَّه تعالى لرسوله -ﷺ- ويُمكِن أن نُضيف إليها وَصْفًا سادِسًا ووَصْفًا سابِعًا.
الوَصْفُ السادِسُ: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إِثْبات الرِّسالة له.
الوَصْفُ السابِعُ: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثباتًا للنَّبيِّ -ﷺ-.
وعلى هذا فالآيةُ تَضمَّنَتْ سَبْعة أَوْصافٍ للرسول -ﷺ-: النُّبوَّة والرِّسالة والشَّهادة والبِشارة والإِنْذار والدَّعْوة إلى اللَّه تعالى بإِذْنه، وكونه سَراجًا مُنيرًا.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: ثُبُوت رِسالة النبيِّ -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الرسول -ﷺ- مُبشِّر في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾.
وَيَتَفرَّع على ذلك: أنه أَتَى بالأسباب التي تُوجِب البِشَارة من الأعمال الصالحِة والطاعات.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه مُنذِر أيضًا، لأن كَوْنه مُنذِرًا وكونه مُبشِّرًا فائِدتان.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الجمْع بينهما فائِدةٌ ثالِثةٌ: أن النبيَّ -ﷺ- جَمَع بين البِشارة والإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن رَسول اللَّه -ﷺ- داعٍ إلى اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
[ ٣٤٢ ]
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارة إلما أنه يَجِب على الداعِية أن تَكُون دَعْوته إلى اللَّه تعالى لا إلى حَظِّ نَفْسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾، فإن هذا وَصْف الرسول -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن دَعوةَ رسول اللَّه -ﷺ- إلى اللَّه تعالى كانت بإِذْنٍ منه؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
وهذه يَتَفرَّع عليها فائِدةٌ أُخرى: وهي رِضَا اللَّه تعالى عمَّا كان الرسول -ﷺ- يَدْعو إليه، أليس كذلك؟ لأن اللَّه تعالى لا يَأذَن إلَّا بما يُحِبُّه ويَرْضاه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ دَعوة النبيِّ -ﷺ- على شَرْع اللَّه تعالى بكَيْفيَّتها وفيما يَدْعو إليه؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، فهو داعٍ إلى اللَّه تعالى بإِذْنه أي: على حَسَب أَمْره وبشَرْعه، فيَدعو إلى سبيل اللَّه تعالى بالحِكْمة، والمَوْعِظة الحسَنة ويُجادِل بالتي هي أَحسَنُ، وكذلك يَدعو إلى شَرْع اللَّه تعالى لا يَتَجاوَزُه.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن النبيَّ -ﷺ- لا يُمكِن أن يُشرِّع مِن عِندِه؛ لقوله ﵎: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عِنْده.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن ما يَدعو إليه الرسول ﵊ فهو من اللَّه تعالى.
ويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: أن طاعة الرسول ﵊ طاعةٌ للَّه تعالى، ومعصيةَ الرسول ﵊ معصيةٌ للَّه تعالى؛ ولهذا لمَّا جاءَتِ امرأةٌ إلى ابنِ مَسعود -﵁- وقالت: إنك تَقول: إن المُتفَلِّجاتِ للحُسْن مَلعُوناتٌ بكِتاب اللَّهِ، وإنني فتحْتُ المُصحَف أو قرَأْتُ المُصحَف من فاتِحَتِه إلى خاتِمِتِه فلَمْ أَجِدْ ذلك. فقال: بلَى. ثُمَّ قرَأ عليها الحديثَ، وتَلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
[ ٣٤٣ ]
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] " (^١).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْبات الإِذْن للَّه تعالى، وإِذْن اللَّه تعالى -كما سَبَقَ في التَّفسير- يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن: شَرعيٍّ وكَوْنيٍّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما جاء به النبيُّ -ﷺ- فهو نُورٌ كالسِّراج يُضيء الظُّلَم؛ لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَن قال: إن النبيَّ -ﷺ- لا ظِلَّ له. يَعنِي: لو وقَفَ في الشمس والشَّمْس مائِلة لا يَكون له ظِلالٌ، فهذا غيرُ صحيح، فإن قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: سِراجًا مَعنَويًّا، وإلَّا فإن الرسول -ﷺ- له ظِلٌّ كغيره؛ لأنه بشَرٌ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن كلَّ مَن حكَمَ بشَريعة النبيِّ -ﷺ- فإنه على سِراج مُنير؛ لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة النبيِّ -ﷺ- حيث جَمَع اللَّه تعالى له بين هذه الأَوْصافِ العَظيمة النُّبوَّة والرِّسالة والشَّهادة والبِشارة والإنذار، والدعوة إلى اللَّه تعالى بإِذْنه، وأنه السِّراج المُنير.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب المتنمصات، رقم (٥٩٣٩)، ومسلم: كتاب اللباس، باب تحريم فعل الواصلة، رقم (٢١٢٥)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
[ ٣٤٤ ]