* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣ - ٥٤].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُفَسّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ في الدُّخول بالدُّعاء ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ فتَدخُلوا، ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ مُنتَظِرين ﴿إِنَاهُ﴾ نُضْجَه مَصدَر أَنَى يَأنِي].
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبَق لنا الكلام على مِثْل هذه العِبارةِ، وبيَّنَّا أن تَصدير الحُكْم بالنِّداء يَدُلُّ على الاهتِمام به والعِناية به؛ لأن النِّداء يَستَلزِم انتِباه المُنادَى، وأنَّ وَصْفَ هذا النِّداءَ بالإيمان يَدُلُّ على أن التِزام هذا الحُكمِ من مُقتَضَيات الإيمان، وأنَّ التَّخلُّف عنه سببٌ لنُقصان الإيمان.
ثُمَّ إنَّ التعبير بالإيمان فيه إغراءٌ وحثٌّ؛ لأن المُؤمِن حقًّا يَلتَزِم ما أُمِر به ويَترُك
[ ٤١٥ ]
ما نُهِيَ عنه، ومن ذلك إذا قُلْت: يا رجَلُ افعَلْ كذا. فالمَعنَى: بمُقتَضى رُجولِيَّتك يَلزَمك أن تَفعَل؛ وكذا: يا مُؤمِنُ افعَلْ كذا، أي: بمُقتَضى إيمانك؛ يَلزَم أن تَفعَل كذا، ففيه إغراءٌ وحثٌّ.
قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعنِي: لإيمانكم وجَّهنا إليكم هذا الخِطابَ.
قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ بُيوت النَّبيِّ جَمْع ومُضاف إلى الرسول -ﷺ-؛ لأن بُيوته كانت تِسْعة، كلُّ امْرَأة من نِسائه لها بيتٌ، لم يَجمَعْهنَّ ﵊ في بيت واحِد، بل جعَل لكل امرأة بيتًا.
وإضافته إلى النبيِّ -ﷺ- مع أنه أُضيف إلى النِّساء أنفسِهنَّ، كما سبَقَ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] هل هذا يَتَناقَض مع ذاك؟
الجَوابُ: لا، لا يَتَناقَض فهو مُضاف إلى كلِّ شيء منهما بنَسْبةٍ مُعيَّنةٍ، فباعتِبار أن هذه البُيوتَ مَأْوَى النبيِّ -ﷺ- ومَسكنُهُ أُضِيفت إليه، وباعتِبار أنها -أي: هذه البُيوتَ- مِلْك لزَوْجاته أُضيفَتِ البُيوت إليهِنَّ.
والعُلَماء ﵏ اختَلَفوا: هل بُيوت زَوْجات الرسول -ﷺ- مِلْك لهنَّ أو مِلْك للرسول ﵊؟ فيه قَوْلان لأَهْل العِلْم ﵏، وسبَقَ لنا أن الأظهَر أنها مِلْك للزَّوْجات، بدليل أنهن وَرِثْن هذه البُيوتَ، ولو كانَت مِلْكًا للرسول -ﷺ- ما ورَثْنها؛ لأن النبيَّ -ﷺ- يَقول: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا ترَكْنَا صَدَقَةً" (^١)،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فرض الخمس، رقم (٣٠٩٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي -ﷺ-: "لا نورث"، رقم (١٧٥٩)، من حديث عائشة -﵂-.
[ ٤١٦ ]
ولا يَرِد على هذا أن هذه البُيوتَ أُدْخِلت في المَسجِد فيما بعدُ؛ لأنها إمَّا أن تَكون أُخِذَت بعِوَض، وإمَّا أن تَكون أُخِذت برِضاءِ مُستَحِقِّيها، وهذا لا يُنافِي التَّنبيهَ.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ بالبِناء للمَجهول، ولم يَقُل: إلَّا أن يَأذَن النبيُّ؛ لأنه قد تَأْذَن المرأة من نِسائه لأَحَد فيَدخُل، فليس بشَرْط أن يَكون الإِذْن من الرسول -ﷺ-، ولكن اللَّه تعالى اشتَرَط ثلاثة شُروط:
الأَوَّل: الإِذْن.
والثاني: إلى طعام.
والثالِث: غير ناظِرين إِناهُ.
ولْنَنظُرْ هذه القُيودَ: هل هي مُعتَبَرة أم لا؟
فالأَوَّل: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يَشمَل: الإِذْن العُرفيَّ، والإِذْن اللَّفظِيَّ.
فالإِذْن اللَّفظِيَّ: أن يُقال: ادْخُلْ.
والإِذْن العُرفيُّ: أن يَكون هناك علامة تَدُلُّ على أن المَقام مَقام إِذن؛ كفَتْح الباب وما أَشبَه ذلك.
فلا يُمكِن الدُّخول بدون إِذْن، فالإِذْن إِذْن مُعْتَبر فهو قَيْد.
والثاني: قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، هذا لا يَدُلُّ على أنهم لو أُذِنَ لهم في الدُّخول إلى غير طعام لا يَحِلُّ، فلو دُعِيَ إلى غير طعام هل يَدخُل أو لا؟ إن نظَرْنا إلى ظاهِر
[ ٤١٧ ]
قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ قُلْنا: لا يَدخُل؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، ولكنَّنا نَقول: إن هذا القَيْدَ بَيان للواقِع، وما كان بَيانًا للواقِع فإنه لا مَفهومَ له، فالآية ورَدَت في قضية مُعيَّنة وهي دُخول هَؤلاءِ إلى الطَّعام بدون دَعْوة؛ فلهذا قُيِّدَت بقَوْله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾.
والثالث: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، ناظِر إن تَعَدَّت بـ (إلى) فهي من النَّظَر بالعَيْن، وإن تَعدَّت بنَفْسها فهي بمَعنَى: الانتِظار، تَقول: نظَرْت إليه. وتقول: نظَرْتُه. بمَعنَى: انتَظَرْته، قال اللَّه ﷾: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والمَعنَى: هل يَنتَظِرون؛ لأنها تَعَدَّت بنَفْسها، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، هذا من النَّظَر بالعَيْن؛ وهنا ﴿نَاظِرِينَ﴾ مُتعَدِّية بنَفْسها، فتَكون بمَعنَى: مُنتَظِرين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نُضْجه؛ وهل هذا شَرْط أم لا؟ نَقول: إنه شَرْط لجَواز الدُّخول أن يَدخُلوا لطعام غير مُنتَظِرين نُضْجَه، وكانوا يَتَحرَّوْنَ نُضْجَ الطعام، فإذا تَحَرَّوْا أنه قد نَضِج وقارَب أن يُقدَّم أو قُدِّم دخَلوا البيوت؛ لكي يَأكُلوا.
ولا شَكَّ أن مُفاجأة الإنسان عند أَكْله تُؤذِيه، ويُسمَّى هذا الذي يَفجَأُ الناس عند تَقديمهم الطعامَ يُسمَّى طُفَيْليًّا، وضَيْفَن بالنون؛ لأن هذه مِثل الذي يَتَّكِئ على عصًا كأنه ثَقيل، فإذا كان عِندك ضَيْف لا تُحِبُّ أن يَكون عندك، فقُلتَ لصاحِبك: هل عِندك ضَيفٌ؟ قلت: لا، عِندي ضَيْفَن. يَعنِي: ثَقيل، طُفَيْليٌّ جاء بلا دَعوة، ونام على نَهْض (^١) صاحِب البيت، فلا يَتَزَحْزَح ولا يَخرُج، ويَتَطلَّب: هاتِ ماءً، هاتِ شرابًا، هات كذا، أُريد الحَمَّام، أُريد أن أَروح لكذا. . . فيُتْعِبك.
_________________
(١) النهض من البعير: ما بين المنكب والكتف. تاج العروس (نهض).
[ ٤١٨ ]
المُهِمُّ: أن قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ هذا شَرْط، يَعنِي: لا يَجوز لكم أن تَتَحرَّوا إِنَى الطَّعام حتى تَدخُلوا لما في ذلك من التَّضيِيق على النبيِّ ﵊، ويُحتَمَل أن المَعنَى: لا تَدخُلوا مُبكِّرين بحيث تَبقَوْن في البيوت حتى يَنضَج الطعام؛ لأن في هذا أيضًا إِشْقاقًا على صاحِب البيت، فإذا كان تَجهيز الغَداء في الساعة الواحِدة، فجاء هؤلاءِ في الساعة الثانيةَ عشْرةَ، فانتَظَروا ساعة، وهذا فيه تَضيِيق على النبيِّ -ﷺ-، والنبيُّ ﵊ حَيِيٌّ كريم، لو استَأْذَنوا عليه قبل نُضْج الطعام بساعة لم يَرُدَّهم -ﷺ-، وإن كان يَتَأذَّى بذلك، لكن لكَرَمه وحَيائِه لا يَرُدُّهم.
فتَبيَّن بهذا النَّهي عن دُخول بيوت النبيِّ ﵊ إلَّا بثَلاثة شُروط:
١ - الإِذْن.
٢ - وأن يَكون إلى طعام.
٣ - وأن يَكونوا غير ناظِرين إِناهُ.
ولكن ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ يَقولون: إن هذا ليس بشَرْط؛ لأنه قَيْد لبَيان الواقِع فلا مَفهومَ له، وكلُّ قَيْد لبَيان الواقِع فإنه لا مَفهومَ له؛ ولهذا لو دُعُوا إلى غير الطَّعام فلا بَأسَ أن يَدخُلوا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في الدُّخول بالدُّعاء ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾]، فأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أن قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ لا يَتَعلَّق بقوله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلَّا على وَجْه التَّضمين؛ لأن (يُؤذَن) لا تَتَعدَّى بـ (إلى)، وإنما تَتَعدَّى بـ (فِي) أو باللَّام، لكنها باللَّام للمَأذون له لا للمَأذون إليه، فتَتَعدَّى بـ (في): إلَّا أن يُؤذَن لكم في طَعام، لكنها جاءت بـ (إلى)؛ لأن الإِذْن هُنا ضُمِّن مَعنَى الدُّعاء، يَعنِي: إلَّا أن تُدْعَوْا إلى طعام.
[ ٤١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ جاءت مَنصوبةً، مع أن الذي قَبْلها مَجرور -يَعنِي: لم تَكُن بلَفْظ: إلى طَعام غيرِ ناظِرين إِناهُ-؛ لأنها حال من الكاف في قوله ﵎: ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾، أي: حالَ كَوْنِكم غيرَ ناظِرين إِناهُ، فإن كُنْتم مُنتَظِرين نُضْجَه وتَتَحرَّون نُضْجه فلا تَدخُلوا عليه أيضًا؛ لما في ذلك من الإِشْقاق والأَذِيَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَاهُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: إنها [مَصدَر أَنَى يَأنِي] إِنًى، فهي ليس فيها شيء مَحذوف، يَعنِي: لست (إِناءَه) في الأصل، بل هي (إِناهُ) أصلًا وفَرْعًا، مَصدَر أَنى يَأنِي إِنًى.
وقوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ لمَّا كان قوله ﵎: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قد يَتوَهَّم منه واهِمٌ أنهم لا يَدخُلون أبَدًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، فكان في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ كان فيه فائِدة، وهي أنهم متَى دُعوا دَخَلوا، فكَوْنهم هم يَدخُلون بأنفسهم لا يَجوز إلَّا بالشُّروط السابِقة، لكن إذا دُعوا فإنهم يَدخُلون، فإذا طعِموا فإنهم يَنتَشِرون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، أي: ولا تَدخُلوا بغير دَعْوة.
وهذا غير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾؛ لأن (يُؤذَن) مَعناها: أنهم جاؤُوا فاستَأْذَنوا، وأمَّا التي معَنا -الجُمْلة الثانية ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ - فهُنا هم الذين دُعُوا.
وقد كان الرسول ﵊ يَدْعو الناس إلى طَعامه، كما دعا أبو هُريرةَ -﵁- حين وَجَدَهُ جائِعًا في يوم من الأيام، فقد خرَج أبو هُريرةَ -﵁- من بيته
[ ٤٢٠ ]
وهو جائِع حتى كاد يَسقُط مَغشِيًّا عليه من الجوع، فلمَّا خرَجَ الناس تَبع عُمرَ بن الخَطَّاب -﵁- يَسأَلُه عن آية من كِتاب اللَّه تعالى، وأبو هُريرةَ -﵁- حينما سأَله عن الآية يَعرِف الآية لكن يُؤَمِّل لعَلَّ عُمرَ -﵁- يَقول: اتْبَعْنِي. ولكن عُمرَ -﵁- لم يُفكِّر في هذا الأَمْرِ، أَخبَرَه بالآية ومَضَى، يَقول: فلمَّا جاء الرسول -ﷺ- ورآني عرَف ما في وَجْهي. فدَعاه فدخَل، فجِيء بلَبَن إلى النبيِّ -ﷺ- فأَمَرَه أن يَدعُوَ أهل الصُّفَّة -وأهلُ الصُّفَّة: همُ الفُقَراء المُهاجِرون الذين ليس لهم مَأوًى في المَدينة، كان لهم صُفَّة في المَسجِد يَجتَمِعون فيها، أحيانًا يَبلُغون الثَّمانين، وأحيانًا يَكون أكثَرَ، وأحيانًا يَكون أقَلَّ- يَقول: لمَّا قال: ادْعُ أهل الصُّفَّة. واللَّبَن قليل، فكأنه تَردَّد -﵁- وقال: ما يُغنِي هذا اللَّبَنُ لأهل الصُّفَّة؟ فإذا دَعَوْت أهل الصُّفَّة وشَرِبوا اللبَن بَقِيتُ أنا جائِعًا، ولكن لم يَكُن لي بُدٌّ من طاعة اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ-، فذهَبَ فدعا أهل الصُّفَّة فجاؤُوا فشَرِبوا، كُلٌّ يَشرَب من هذا اللَّبَنِ، وكُلٌّ يَشرَب، فلمَّا بَقِيَ بقيَّةٌ قال: "اشْرَبْ". يَقول: فَشَرِبت حتى رَوِيتُ. فقال: "اشرَبْ أبا هرٍّ"، فقلتُ: واللَّه يا رسول اللَّه لا أَجِد له مَسارًا. فبَقِيَت بقيَّةٌ فشَرِبها النبيُّ -ﷺ- (^١).
ففي هذه دَعوة عامَّة ودعوة خاصَّة، وكذلك في حديث أنَسٍ -﵁- لمَّا صنَع النبيُّ ﵊ طعامًا، قال: اخرُجْ فادْعُ لي مَن لَقِيتَ (^٢)؛ فإذا دُعِيَ المُسلِمون إلى طعام فادْخُلوا، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ولم يَقُل: فإذا شبِعْتُم. قال: إذا طَعِمْتُم؛ لأن الطَّعام قد يُشبع وقد لا يُشبع.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبي -ﷺ- وأصحابه، رقم (٦٤٥٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الهدية للعروس، رقم (٥١٦٣) معلقًا، ومسلم: كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش، رقم (١٤٢٨)، من حديث أنس -﵁-.
[ ٤٢١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ أي: تَفرَّقوا؛ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا﴾ تَمْكُثوا ﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾]، أَفادَنا المُفَسِّر بقوله: [﴿وَلَا﴾ تَمْكُثوا] أن كلِمة ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ حال من فاعِل مَحذوف مع فِعْله، والتَّقدير: ولا تَمكُثوا مُستَأنِسين لحديثٍ.
والاستِئْناس بالشيء مَعناه: الاطمِئْنان إليه، يَعنِي: لا تَبقَوْا بعد الأكل تَتَحدَّثون وتَنبَسِطون وتَطمَئِنُّون، وأمَّا الحديث العابِر فلا بأسَ به بعد الأَكْل، ولكن هذا ليس من آداب الطاعِم على كل حال؛ لأنه عُلِّل، قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ من بَعْضكم لبَعْض ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المُكْثَ ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يُخرِجَكم ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يُخرِجَكم]. وعلى هذا فيُنهَوْن عن البَقاء مُطمَئِنِّين للحديث لِعِلَّة وهي الأذِيَّة، أذِيَّة النبيِّ ﵊، وبِناءً على هذه العِلَّةِ لو قُدِّر أنه لا يَتَأذَّى بذلك فلا حَرَجَ على الإنسان أن يَبقَى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، أَعاد الاسمَ الظاهِر في مَوضِع الضمير؛ تَعْلِيةً لشأن الرسول -ﷺ-، وإلَّا لكان المُتوقَّع أن يَقول: إن ذَلِكم كان يُؤذيه، ولكن قال تعالى: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إِعلاءً لشَأْنه -ﷺ-، وإشارة إلى أنه لنُبوَّته يَجِب أن يَتَحاشَى المَرءُ أَذِيَّته لما له من الفَضْل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ لماذا جَمَع فيها الخِطاب؟
الجَوابُ: لأن المُخاطَبِين جَمْع، واسمُ الإشارة إذا اقتَرَن بالكاف فإنه يُراعَى فيه المُخاطَب والمُشار إليه، والمُشارُ إليه يَتَغيَّر به اسمُ الإشارة، والمُخاطَب تَتَغيَّر به الكاف.
[ ٤٢٢ ]
فالقاعِدةُ: أنه إذا اقتَرَنَتِ الكاف باسْمِ الإشارة فإنه يُراعَى في اسم الإشارة المُشار إليه، وفي الكاف المُخاطَب.
فلْنَفْرِضْ أنَّني أُشير إلى جماعة وأُخاطِب واحِدًا أَقول: أُولَئِك. وبالعَكس أُشير إلى واحد وأُخاطِب جماعة أَقول: ذَلِكم. وأُشير إلى جماعة وأُخاطِب جماعة فأَقول: أُولَئِكم. وأُشير إلى جَماعة وأُخاطِب جماعة نِساء فأَقول: أُولَئِكن. وأُشير إلى واحِد وأُخاطِب جماعة نِساء فأَقول: ذلِكُنَّ، قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
الخُلاصةُ: أن اسم الإشارة إذا اقتَرَنت به الكاف؛ فإنه يُراعَى في الكاف المُخاطَب، ويُراعَى في اسم الإشارة المُشارُ إليه، فإن كان جَمْعًا فاجْمَعها، وإن كان مُثنًّى فثَنِّها، وإن كان مُفرَدًا فَأَفرِدها. فإذا كنت تُشير إلى اثنَيْن مخُاطِبًا اثنَيْن تَقول: ذانِكما. وإذا كنتَ تُشير إلى اثنَتَيْن مخُاطِبًا اثنَتَيْن تَقول: تانِكما؛ لأن المُثنَّى المُؤنَّث يُقال له: تانِ. قال ابنُ مالِك ﵀:
وَذَانِ تَانِ لِلْمُثَنَّى المُرْتَفِعْ . . . . . . . . . . (^١)
وهذه يَغْلَط فيها كثير من الطلَبة فيَلْتَبِس عليه المُشار إليه بالمُخاطَب.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المُشار إليه هنا مُفرَد، والمُخاطَب جَمْع؛ لأنه يُخاطِب جماعة المُؤمِنين، ويُشير إلى شيء مَذْكور، أي: إن ذلك المَذكورَ ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ الأذِيَّة ليست هي الضَّرَرَ؛ إِذْ قد يَتأذَّى المُتأذِّي
_________________
(١) الألفية (ص: ١٤).
[ ٤٢٣ ]
ولا يَتضَرَّر بذلك؛ ولهذا يُوصَف اللَّه ﷾ بالتَّأذِّي ولا يُوصَف بالضرَر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال تعالى في الحَديث القُدسيِّ: "يُؤْذِيني ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ" (^١)، أمَّا في الضرَر فقال في الحديث القُدسيِّ: "يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْعَونِي" (^٢)، ونحن نُشاهِد الآنَ في أنفُسِنا أننا نَتَأذَّى بالشيء ولا نَتَضَرَّر به، إذ يَتأذَّى الإنسان بالرائِحة الكرِيهة؛ كرائِحة البَصَل والكُرَّاث والنَّتْن والوَسَخ والعَرَق وما أَشبَه ذلك، ولكنه لا يَتَضرَّر به، فلا يَلزَم من الأذِيَّة الضرَرُ.
يَقول تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ الفاء عاطِفة على قوله تعالى: ﴿يُؤْذِي﴾؛ يَعني: فكان أيضًا يَستَحْيِي منكم، أي: يَستَحْيِي منكم أن يُخرِجكم إذا دَخَلْتم في هذه الحالِ.
وقوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ إذا قيل لنا: ما هو الحَياء؟ أو عَرِّف الحَياء؟ فنَقول: الحَياء نَكتُب عليه ميم بخَطٍّ عَريض، أي: معروف، ففي القاموس إذا جاءَت كلِمةٌ مَعروفةٌ كُتِب: ميم، يَعنِي: مَعروف، فلا يَحتاج إلى أن نَحُدَّه، كما لو قيل لك: ما هي المَحبَّة؟ فلا تَستَطيع أن تَحُدَّها، مثلما قال ابنُ القَيِّم ﵀ في روضة المُحبِّين (^٣): إن المَحبَّة لا تُحَدُّ بأَوْضَحَ من لَفْظها، المَحبَّة هي المَحبَّة. وكذلك: الكراهة هي الكراهة؛ لأن هذه انفِعالاتٌ نَفْسية يُحِسُّ بها الإنسان من نَفْسه، ولا يَستَطيع أن يُعبِّر عنها، فالحَياءُ هو الحَياءُ، وكذلك: النَّوْم هو النَّوْم مَعروف، وبعضهم يَقول: إنها غَشْية
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، رقم (٤٨٢٦)، ومسلم: كتاب الأدب، باب النهي عن سب الدهر، رقم (٢٢٤٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٧٧)، من حديث أبي ذر -﵁-.
(٣) انظر: طريق الهجرتين (ص: ٣١٠)، ومدارج السالكين (٣/ ١١).
[ ٤٢٤ ]
ثَقيلة تَهجُم على المُخِّ فتُفقِد الوَعْيَ والإِحساس، فلو تَصوَّرتُ أن هذا هو النَّوْم ما جاءَني نَوْم، فلا أتصَوَّر أنه غَشْية! .
وكذلك: الجَوْع، من صِفات البَطْن من قِلَّة الطعام، هذا أثَرُه، أمَّا هو فإنه مَعروف. فهذه المَعانِي النَّفسِية لا يُمكِن في الحقيقة أن يُعرِّفها أحَدٌ، ولا يُمكِن أن تُعرَّف بأَوْضَحَ من لَفْظها.
إِذَنِ: الحَياء مَعروف، والنبيُّ -ﷺ- يَستَحْيِي من هؤلاء؛ لأنه -ﷺ- أَكمَلُ الناس إيمانًا، والحياءُ من الإيمان؛ ولأنه -ﷺ- أَكرَمُ الناس، والكريم يَستَحْيِي من ضَيْفه أن يُخرِجَه، أو أن يَتَبرَّم بوُجوده، أو أن يَتكَرَّهَ له؛ ولهذا الرسولُ -ﷺ- يَصبِر وإن كان مُتَأذِّيًا من ذلك؛ لمَا جَبَلَهُ اللَّه تعالى عليه من كمال الإيمان وكمال الكرَم، فيَستَحْي منكم.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يُخرِجَكم] قوله ﵀: [أَنْ يُخرِجَكم]، هذه في مَحَلَّ جَرِّ بدلِ اشتِمال؛ لأن التَّقدير: فيَستَحْيِي من إخراجِكم.
قوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، والحقُّ هو: العَدْل في الأحكام، والصِّدْق في الأخبار، فالرَّبُّ ﷿ لا يَستَحْي من الحقِّ؛ لأن الحَياء من الحقِّ يَستَلزِم تَرْك الحقِّ والخَوَر وعدَم الحَزْم، واللَّه ﷿ لا يَستَحْيي من أن يُبيِّن الحقِّ.
ويَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يُخرِجَكم]، هكذا قال المُفَسِّر ﵀، وفيما قاله نظَر، بلِ الصوابُ: ﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أَنْ يُبيِّنَه لكم؛ لأن المَقام هنا ليس مَقام إخراجٍ، بل المَقامُ مَقامُ تَبْيِين لما يَجِب على هؤلاء الذين استَأْذَنوا على الرسول ﵊، فالمَعنَى: لا يَستَحْيِي من الحَقِّ، كما قلتُ: إن الحَقَّ هو الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام، بينما المُراد بالحَقِّ هنا -على رَأْي
[ ٤٢٥ ]
المُفَسِّر ﵀- هو الإخراجُ، يَعنِي لا يَستَحْيِي أن يُخرِجَكم، ولكن الصواب لا يَستَحي أن يُبيِّن لكم ما يَلزَمكم فتَخرُجوا.
ثُمَّ قال المُفَسِّر عفا اللَّه عنه: [أي: لا يَتْرُك بَيانَه]، أي: لا يَترُك بَيان الحَقِّ، وهذا من التَّحريف؛ حيث فسَّر الحَياء بلازِمه وهو التَّرْك؛ لأن من لازِم الحَياء من الشيء أن يَدَعه حَياءً منه، فالمُفَسِّر ﵀ فسَّر الحَياءَ بلازِمِه وهو التَّرْك، أي: لا يَترُك بَيان الحَقِّ، وفي قوله: لا يَتْرُك بَيان الحَقِّ. مع قوله: [﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أن يُخرِجَكم] هناك شيء من التَّناقُض؛ لأنه جعَل المُستَحْيَا منه هنا بيانَ الحَقِّ وجعَله في القول الأوَّلِ الإخراجَ، والصواب قوله الثاني، أي: لا يَستَحي من بَيان الحَقِّ، لكن تَفسيره الاستِحياءَ بالتَّرْك هذا باطِل؛ لأنه خِلاف ظاهِر اللَّفْظ.
والواجِبُ عَلَيْنا فيما يَتعَلَّق بأَسماء اللَّه وصِفاته: أن نُجْرِيَها على ظاهِرها اللائِق باللَّه ﷾، مُعتَقِدين أنه لا مَثيلَ له في هذه الصِّفَةِ، ومُبتَعِدين عن تَكليفها، أمَّا وُجوب إِجْرائها على ظاهِرها؛ فلأن اللَّه تعالى خاطَبَنا بلِسان عرَبيٍّ مُبِين، ولو أَراد خِلاف ذلك الظاهِرِ لكان التَّعبيرُ بهذا الذي يُفيد ظاهِرُهُ الكُفْرَ أو التَّمثيلَ خِلافَ البَيان، واللَّه ﷿ يَقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، فكيف يُعبِّر ﵎ أو يَتكَلَّم بما هو خِلاف البَيان فيما يُعتَبَر صميمَ العَقيدة، وهو ما يَتعَلَّق بأسماء اللَّه تعالى وصِفاته؟ ! ولهذا كان طريقُ هَؤلاء المُنحَرِفين من أبلَغِ ما يَكون طَعْنًا في كلام اللَّه ﷿، بل من أَبلَغِ ما يَكون طَعْنًا في اللَّه تعالى نَفْسه؛ إذ إن طَريقَتَهم تَستَلْزِم أن يَكون اللَّه ﷿ لم يُبيِّن الحقَّ فيما يَتعَلَّق بأسماء اللَّه تعالى وصِفاته، وجعَل الحَقَّ مَوْكولًا إلى ما تَقتَضِيه عُقولهم، ويُحاوِلون بعد ذلك أن يَرُدُّوا كلام اللَّه ﷿ وكلام رسوله -ﷺ- إلى ما تَقتَضيه هذه العُقولُ الفاسِدةُ المُتَناقِضةُ، والطريق الأَسلَمُ والأَعلَمُ والأَحكَمُ هي
[ ٤٢٦ ]
طريق السَّلَفِ، أن تَأخُذ كلام اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- على ظاهِره؛ لأَنَّنا:
١ - نَعلَم عِلْم اليَقين أنه لا أَحَدَ أَعلَمُ باللَّه تعالى من نَفْسه، ولا أحَدَ من الخَلْق أَعلَمُ باللَّه تعالى من رَسول اللَّه -ﷺ-.
٢ - ونَعلَم أيضًا أنه لا أَحَدَ أصدَقُ كَلامًا من اللَّه تعالى، ولا أحَدَ من المَخلوقين أصدَقُ كلامًا من رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا ثابِت أيضًا.
٣ - والأَمْر الثالِث: نَعلَم أنه لا أَحَدَ أوضَحُ بيانًا في كلامه من اللَّه ﵎، ولا أحَدَ من المَخلوقين أَعظَمُ بيانًا من رسول اللَّه -ﷺ-.
٤ - نَعلَم أيضًا أنه لا أحَدَ أَصَحُّ إرادةً وقصدًا من اللَّه ﷿؛ فإن اللَّه تعالى ما أَراد من عِباده إلَّا أن يُبيِّن لهُمُ الحَقَّ، وكذلك بالنِّسبة لرسول اللَّه -ﷺ- لا نَعلَم أحَدًا أَنصَحَ منه للخَلْق، وأصدَقَ إرادةً في بيان الحَقِّ.
فإذا تَمَّت هذه الأمورُ الأربعةُ في أيِّ كلام يَكون: صار ما يَدُّل عليه ظاهِره هو المرادَ الذي يَجِب علينا أن نَأخُذ به، فهذه أمور أَرْبعة إذا اجتَمَعَت في الكلام صار الكلام واجِبَ الأَخْذ بظاهِره؛ وهذه الأمورُ الأربعةُ هي: العِلْم والقَصْد والصِّدْق والبَيان.
وضِدُّها لا يُؤخَذ ولا يُعتَبَر، فلو جاء إنسانٌ جاهِلٌ يَتكَلَّم لك بكَلام من أَفصَحِ البيان، وهو رجُل نَعرِف أنه من أَنصَحِ الخَلْق، وأصدَقِهم؛ لا تَثِق بقوله.
ولو جاء رجُل يَتكَلَّم عن الطِّبِّ، ونحن نَعلَم أنه لم يَدرُس الطِّبَّ أبَدًا، وقام يَشرَح لنا الطِّبَّ؛ لا نَثِق به؛ لأنه جاهِل.
ولو جاء عالِم نَعرِف أنه عالِم بما يَتَكلَّم به، لكنه كَذُوب؛ لا نَثِق بكلامه؛ لأنه
[ ٤٢٧ ]
كذوب، قد يَكذِب علينا.
ولو جاءَنا رجُل عالِم، وصَدوق، لكنه سَيِّئُ الإرادة قد يَغُشُّ ويَقصِد ضَلال الخَلْق، هذا أيضًا لا نَثِق به؛ لأننا نَخْشَى أن يَغُشَّنا فيما قال.
ولو جاءَنا إنسان عالِم، وناصِح، وصَدوق، لكن ما يُحسِن يُعبِّر، مثل إنسان فارِسيٍّ لا يَعرِف باللغة العربية، وقام يُعبِّر باللغة العربية؛ فلا نَثِق بقوله؛ لأنه لا يُحسِن التعبير، فأحيانًا يَقول إذا أَراد أن يُضيف الضَّمير إلى نَفْسه: أنت أكَلْت. أي: أنه إذا أَراد أن يَقول: أنا أَكَلْتُ. يَقول: أنتَ أكَلْتَ. وإذا أَراد أن يَقول: أنت أكَلْتَ. يَقول: أنا أَكَلْتُ. فلا نَثِقُ بكلامه، لأنه قد يَقلِب الكلام؛ لأنه عَيِيٌّ.
لكن كلام اللَّه تعالى وكلام الرسول -ﷺ- اجتَمَعَت فيه صِفات القَبول الأَرْبَع؛ فلهذا يَجِب عَلينا أن نُؤْمِن بكل صِفة وَصَفَ اللَّه تعالى بها نَفْسَه.
فإن قال قائِل: الآية وما أَشبَهَها فيها نَفيُ الحَياء، والنَّفيُ ضِدُّ الإثبات، فكيف تَقول: إن في الآية إِثباتَ الحَياء؟ !
فالجَوابُ: مَنطوق الآيةِ ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، ومَفهومها: يَستَحْيِي من غير الحَقِّ؛ إذ لو لم يَكُن الأمر كذلك لكان نَفيُ الاستِحْياء عن الحقِّ لَغْوًا من القَوْل لا مَعنَى له.
ثُمَّ نَقول: إنه قد ثَبَتَتْ صِفة الحَياء للَّه ﷿ بصيغة الإثبات، كما في الحَديث الذي في المُسنَد: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ" (^١) فـ (حَيِيٌّ) فيها إثبات الحَياء للَّه ﷾.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤٣٨)، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء، رقم (١٤٨٨)، والترمذي: كتاب الدعوات، باب ١٠٥، رقم (٣٥٥٦)، وابن ماجه: كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، رقم (٣٨٦٥) من حديث سلمان الفارسي -﵁-.
[ ٤٢٨ ]
فكُلُّ صِفة أَثبَتَها اللَّه تعالى لنَفْسه؛ فإنه يَجِب علينا أن نَأخُذها بالقَبول، ولكنَّنا نُنزِّهُ اعتِقادنا عن محَذورين عظيمَيْن وهما: التَّمثيل، والتَّكييف.
والتَّعبير بـ (التَّمثيل) أحسَنُ من التعبير بـ (التَّشبيه)؛ لأن هذا هو الذي نَفاه اللَّه تعالى عن نَفْسه؛ ولأن نَفيَ التَّشبِيه المُطلَق هذا ليس بصواب، كما ذَكَرْنا أنه ما من مَوْجودَيْن إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة الوُجود، وإِنْ كانا يَتَبايَنان فيما تَقتَضِيه هذه الصِّفةُ في مُقتَضياتها ومُستَلزَماتها، وما من سَمِيعَيْن إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة السَّمْع وإن كانا يَختَلِفان في مَلزوماتها ومُقتَضَياتها، وما مِن بَصِيرَين إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة البَصَر، فيَكون بينهما مُشابَهة من بعض الوُجوه فيما يَشتَرِكان فيه؛ ولهذا فنَفيُ التَّمثيل هو الذي يَنبَغِي لنا -مَعشَرَ طلَبةِ العِلْم- أَنْ نُعبِّر به؛ لأنه هو الذي جاء في القُرآن وهو أَسلَمُ.
فإن قال قائِل: هل التَّعبيرُ بـ (تَشبيه) يَكون فيه قُصور، لا يُؤدِّي المَطلوب؟
فالجَوابُ: أنه لا يُؤدِّي المَطلوب، وفيه قُصور؛ لأنه بخِلاف تَعبير القُرآن، ولأن هذا أدَّى إلى أن تُنْكَر كثيرٌ من الصِّفات بهذه الدَّعوى؛ ولهذا شَيْخ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀ في العَقيدة الواسِطية لم يَقُلْ: من غير تَشبيه، قال: "مِن غَيْر تَحريف ولا تَعطِيل ولا تَكْيِيف ولا تَمثِيل" (^١)، وهذا هو الأَوْلى.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يَتْرُكُ بَيانَه، وقُرِئ: "يَسْتَحى" بياءٍ واحِدة]، فـ (قُرِئ) تَعنِي: قِراءة شاذَّة؛ لأن قاعِدة المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: (وَقُرِئَ)، فهي قِراءة شاذَّة بخِلاف ما إذا قال: (وفِي قِراءَةٍ)، أو قال: بالياء والنون، أو بالياء والتاء، وما أَشبَهَ ذلك؛ فهما قِراءَتان سَبْعِيَّتان.
_________________
(١) العقيدة الواسطية (ص: ٥٧).
[ ٤٢٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الفاعِل يَعود على الصَّحابة، والمَفعول يَعود على نِساء النبيِّ -ﷺ-، وهُنَّ لم يَسْبِقْ لهُنَّ ذِكْر في الآية، لكن قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ يَدُلُّ على ذلك؛ لأن ساكِنَ بُيوت النبيِّ هُنَّ أزواجُ النَّبيِّ -ﷺ-.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أَزواجَ النبيِّ -ﷺ-]: [أَيْ] هذه تَفسيرية، و[أَزْواجَ] عَطْفُ بَيان للهاء في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أزواجَ النبيِّ -ﷺ- ﴿مَتَاعًا﴾ المُراد بالمَتاع: ما يُتَمتَّع به من مَلابِسَ ومَطاعِمَ ومَشارِبَ وغيرِها، حتى الدراهِم تُعتبَر مَتاعًا، فكل ما يُتمتَّع به فهو مَتاع.
قوله المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ سِتْر] و(اسْأَلوهُنَّ) تَنصِب مَفعولَيْن؛ الأوَّل: الهاء في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، والثاني: محَذوف دلَّ عليه ما قَبْله، أي: فاسْأَلوهُنَّ المَتاع من وراء حِجاب.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ حِجاب بمَعنى سِتْر، وكلِمة ﴿مِنْ﴾ تَدُلُّ على أنَّ هذا السِّتْر لا بُدَّ أن يَنفَصِل، وأنه غير سَتْر الوَجْه أو البدَن بالثِّياب، بل هو سَتْرٌ آخَرُ: حِجاب، وحِجاب أُمَّهات المُؤمِنين غيرُ حِجاب نِساء المُؤمِنين؛ لأن حِجاب نِساء المُؤمِنين يَصِحُّ أن يَكون مُتَّصِلًا بالبَدَن كالخِمار والمِلحَفة، وما أَشبَهَهُما، أمَّا حِجاب أُمَّهات المُؤمِنين فإنه حِجاب آخَرُ مُنفَصِل يَحُول بين الرجُل وبين رُؤْية أُمَّهات المُؤمِنين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فتَدُلُّ على أنَّ هذا الحِجابَ مُنفَصِل عنِ المُسْتَتِر به، ومنه قوله تعالى عن الكُفَّار يَقول للرسول -ﷺ-: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ لماذا قال: (ذَا) مُفرَد و(كَمْ) جَمْع، فكيف يَتلاءَمُ جَمْع مع مُفرَد؟
[ ٤٣٠ ]
الجَوابُ: لاختِلاف المَرجع، فاسمُ الإشارة يَعود على المُشار إليه، والكاف للخِطاب يَعود على المُخاطَب، فقد يَكون المُشار إليه مُفرَدًا والمُخاطَب جَمْعًا كما هنا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المَذكور والخِطاب للصَّحابة -﵃-.
وقوله ﵎: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾: ﴿أَطْهَر﴾ يَعنِي: أَبلَغ في طُهْر القُلوب لقُلوبكم أيُّها السائِلون ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: المَسؤُولات، قال ﵀: [من الخَواطِر المُريبة] وانْظُرْ! فهذا الخِطابُ للصحابة وهُمْ أَطهَرُ هذه الأُمَّةِ قُلوبًا في جانِب نِساء النبيِّ -ﷺ-، وهنَّ أَعظَمُ النساء عِفَّةً وبُعدًا عن الَمكروه، فإذا كان هذا الخِطابُ في مِثْل هؤلاء القَوْمِ لهؤلاءِ النِّساءِ، فما بالُكَ بمَن سِواهُم، إذا كان احتِمال تَدَنُّس القَلْب بمُخاطَبة المرأة من دون حِجاب وارِدًا في مثل هؤلاءِ القَوْمِ، فما بالُكَ فيمَن دونَهم بمَراحِلَ لا في الزمَن ولا في الرُّتْبة؟ ! يَكون هذا أشدَّ وأشَدَّ؛ ولذلك يُنكَر إنكارًا عظيمًا على مَن قال: إن الحِجاب خاصٌّ بأُمَّهات المُؤمِنين؛ فمِن أين الخُصوصية؟ ! فإذا كان اللَّه تعالى علَّل بأنه أَطهَرُ لقُلوبهم، أي: قُلوب المُخاطَبين والمُخاطَبات، وهُنَّ -بلا شَكٍّ- أطهَرُ النساء وأَعفُّهُنَّ، وكذلك الذين يُخاطِبونهنَّ خير الناس كما جاء في الحديث: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" (^١) فما بالُكَ بمَن دُونَهم؛ فاحتِمال تَنَجُّس القَلْب من مخُاطَبة المرأة بدون حِجاب فيمَن بعد الصحابة أَقرَبُ وأقرَبُ بكثير، وإذا كان هذا باعتِبار الصحابة مع زوجاتِ الرسول -ﷺ- فغَيرُهم مع نِساء دُونَهُنَّ بكثير من بابِ أَوْلى.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، رقم (٢٦٥٢)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة -﵃-، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، رقم (٢٥٣٣)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
[ ٤٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ المُفَسِّر ﵀ يَقول: [مِن الخَواطِر المُريبة] الخَواطِر التي تَرِدُ على القَلْب والخَواطِر التي تَرِد على القَلْب إذا لم يَطمَئِنَّ الإنسان إليها ويَستَرسِل معها فإنه لا يُعاقَب عليها؛ لأنها من حديث النَّفْس، بل هي ممَّا يَصُولُ عن النَّفْس، والتَّحرُّز منها أشَدُّ؛ لأن الرسول -ﷺ- ثبَتَ عنه أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهَا أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتكَلَّمْ" (^١)، فإذا كان هذا في حديث النَّفْس، فما بالُك بما يَهْجُم على النَّفْس بدون قَصْد؟ إِذْ يَكون قصد العَفْو عنه من بابِ أَوْلى.
فالخَواطِر التي تَرِد على القَلْب إذا لم يَسْتَرْسِل معها الإنسان ويَطمَئِنَّ إليها فإنها لا تَضُرُّه، سواءٌ كانت هذه الخَواطِرُ فيما يَتَعلَّق بجلال اللَّه ﷿ أو فيما يَتَعلَّق برَسوله -ﷺ-، أو فيما يَتَعلَّق بشَهْوة النَّفْس وإراداتها، فإنها لا تَضُرُّ الإنسان بشَرْط ألَّا يَستَرْسِل، بل إن هذه الخَواطِرَ ما تَرِد إلَّا على قَلْب سَليم، يُهاجِم الشَّيْطان بها القَلْب حتى يُفْسِده؛ ولهذا لمَّا شَكا الصحابة إلى النبيِّ -ﷺ- مِثْل هذه الخَواطِرِ، قال: "أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ" قالوا: نعم. قال: "ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ" (^٢)، يَعنِي: خالِصهُ؛ لأن الشيطان لا يَهجُم على قَلْب فاسِد، وإنما يَهجُم على القُلوب الصالحِة ليُفسِدها، ودواءُ ذلك أن تَستعيذَ باللَّه تعالى من الشَّيْطان الرجيم، وأن تَنتَهيَ، وأن تُثنِيَ على اللَّه ﷿ بما هو أَهْلُه، فتَقول: اللَّه أحَدٌ صمَدٌ لم يَلِد، ولم يُولَد، ولم يكن له كُفوًا أحَد، استِجارةً باللَّه تعالى وانتِهاءً، ووصفًا للَّه تعالى بالكَمال، وبعد ذلك تَزول عنك شيئًا فشيئًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، رقم (٥٢٦٩)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، رقم (١٣٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٤٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ الخِطاب للصَّحابة -﵃-، وكذلك مَن بَعدَهم من بابِ أَوْلى؛ (مَا كَانَ لَكُمْ)، ومِثْل هذه العِبارةِ تَدُلُّ على المُمتَنِع غايةَ الامتِناع؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشَيْء] ولم يُبيِّنها، يَعنِي: لا يَصلُح ولا يَستَقيم، ولا يُمكِن لكم أن تُؤذوا رسول اللَّه ﷺ.
ومِثْل هذا التَّعبير يَدُلُّ على امتِناع الشيء مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] المَعنَى أن ذلك مُمتَنِع لا يَصلُح ولا يَستَقيم، فكلُّ مُؤمِن لا يُمكِن في حَقِّه ولا يَستَقيم ولا يَصلُح في حَقَّه أن يُؤذِيَ رسول اللَّه -ﷺ- لا بالقول ولا بالفِعْل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، وأَذِيَّة الرسول -ﷺ- من أعمال المُشرِكين، فهُمُ الذين يُؤذون الرسول -ﷺ- بالقَوْل وبالفِعْل.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهنا قال: ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وأوَّلُ آية يَقول: ﴿النَّبِيِّ﴾ إشارةً إلى أن الرسول -ﷺ- شَرُفَ لعِظَمَ مَن أَرسَله وهو اللَّه تعالى، فلمَّا كان رسول اللَّه -ﷺ- فلا يُمكِن أن يُؤذَى؛ لأنه رسول من عِند اللَّه ﵎، أَذِيَّة الرسول ﵊ في حَياته ما يَتَّصِل بشَخْصه، وأَذِيَّة الرسول -ﷺ- بعد مَماته ما يَتَّصِل بسُنَّته، فإنه لا يَنبَغي ولا يَصلُح لأيِّ مُؤمِن أن يَقول في سُنَّة الرسول ﵊ على وَجْهٍ يَتَأذَّى به الرسول -ﷺ- مثل رَدَّها وتَحريفها وما أَشبَهَ ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾.
إِذَنْ: هل نَجلِس مُستَأنِسين للحديث بعد الطَّعام، يَعنِي: في حقِّ الرسول ﵊؟
[ ٤٣٣ ]
الجَوابُ: لا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، إِذَنْ: ما كان لنا أن نَجلِس ما دام فيه أذِيَّةٌ للرسول -ﷺ-.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ يَعنِي: وما كان لكم أن تَنْكِحوا أزواجَه من بعدِه أبَدًا؛ وقوله تعالى: ﴿تَنْكِحُوا﴾ المُراد بالنِّكاح هنا العَقْد، يَعنِي: لا يُمكِن أن تَعقِدوا على أزواجه من بَعْده، وكلُّ نِكاح في القُرآن فإنه بمَعنَى العَقْد، خِلافًا لمَن قال: كلُّ نِكاح في القُرآن فهو بمَعنَى الوَطْء إلَّا قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والصَّوابُ: أن كل نِكاح في القرآن فإنه بمَعنَى العَقْد، وأمَّا مَن قال: إنه بمَعنَى الجِماع إلَّا في الآية هذه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فليس بصحيح.
وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجَهُ﴾ تَكون المَرأة زَوْجة للإنسان بالعَقْد عليها.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد مُفارَقته لها، ومُفارَقة النبيِّ -ﷺ- لها تَكون بالحياة وتَكون في الموت، والمُفارَقة في الحَياة تَكون قبل الدُّخول وبعد الدُّخول، فهاهنا ثلاثُ حالات:
الحالُ الأُولى: مَن فارَقَها بمَوْته، فهذه لا تَحلُّ لأَحَد من بعده بالإِجْماع، ولم يُخالِف في ذلك أحَدٌ.
الحال الثانِية: مَن فارَقها في حياته بدون دُخول، فهذه تَحِلُّ، ولا نِزاعَ فيها كما ذكَرَه ابنُ كثيرٍ ﵀ في التفسير (^١).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٠٣).
[ ٤٣٤ ]
الحال الثالِثة: مَن فارَقَها في حياته بعد دُخوله بها، فهذه مَوضِع خِلاف بين أَهْل العِلْم.
فمِنهم مَن قال: إنها تَحِلُّ. ومِنهم مَن قال: إنها لا تَحِلُّ. وعلى هذا الرأي الذي يَقول: إنها لا تَحِلُّ؛ يَقول: إنه يَصْدُق عليها أنها زَوْجته، وأنها من بعده، ولولا أنَّ مَنْ عَقَدَ عليها ثُمَّ فارَقها قبل الدُّخول لولا الإجماعُ لقُلنا أيضًا لا تَحِلُّ لمَن بعدَه.
فصارتِ الأَحوالُ ثَلاثةً: مَن فارَقها بموته فهذه لا تَحِلُّ بالإجماع، ومَن فارَقها في حَياته قبل الدُّخول بها فهذه جائِزة تَحِلُّ لغيره، قال ابنُ كَثير ﵀: لا نِزاعَ في ذلك. ومَن فارَقها في حَياته بعد الدُّخول بها ففيها خِلاف بين العُلَماء ﵏، منهم مَن قال: إنها تَحِلُّ. ومِنهم مَن قال: إنها لا تَحِلُّ.
فائِدةٌ: لا نَعلَم أن أحَدًا تَزوَّج زوجة للرسول -ﷺ- بعدَ الدُّخول بها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المُشار إليه: إيذاءُ النبيِّ -ﷺ- ونِكاحُ زوجاته مِن بَعدِه.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ﴿كَانَ﴾ هنا مُسلوبة الدَّلالة على الزمَن، والمُراد إثبات عِظَم ذلك عند اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وفي كَوْن هذا الأمرِ عَظيمًا عند اللَّه ﷿ دليلٌ على حِماية اللَّه ﷿ لرسوله -ﷺ-، ولا سيَّما فيما يَتعَلَّق بالنِّكاح؛ ولهذا قال اللَّه في قِصَّة الإِفْك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
فهُنا قال ﷾: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ عَظيمًا أي: في إِثْمه وجُرْمه.
[ ٤٣٥ ]
وعلى هذا فالعِظَمُ مَعناهُ: عِظَم الشيء، يَعنِي: كِبَره، وهو شامِل لما يَكون مَدْحًا، ولما يَكون ذَمًّا، فهنا كان عند اللَّه عَظيمًا في إِثْمه قال: [فيُجازِيكم عليه] على حسَب الذَّنْب الذي قُمْتم به؛ لأن الجَزاء من جِنْس العمَل، ونِكاح زَوْجات الرسول -ﷺ- من بَعدِه عَظيم عن اللَّه تعالى.
وقد حذَّر تعالى من مخُالَفة ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب: ٥٤]، والجُمْلة هُنا شَرْطية و﴿شَيْئًا﴾ نَكِرة في سِياق الشَّرْط، فتَكون دالَّةً على العُموم: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في نِكاحِهِنَّ بَعدَهُ]، والصَّوابُ في الآية عدَمُ التَّقييد، وأنها عامَّة في كل شيء، في نِكاح زوجات النَّبيِّ -ﷺ- بعده وفي غَير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يَعنِي: فلا تُظهِروه لأَحَد، تُخفُوه في أَنفُسكم، أو تُخفوه فيما بينكم وبين أقارِبكم؛ لأن الإِخْفاء أو الإِظْهار أمرٌ نِسبِيٌّ، أشَدُّه ما أَخفاه الإنسان في نَفْسه، ثُمَّ ما أَظهَره لذَوِيه وأصحابه وأَخْفاه عن غيره، ثُمَّ ما أَظهَره لأهل بلَده، ثُمَّ ما أَظهَره لعُموم الناس، وأيًّا كان فإن كل ما أَبداه الإنسان أو أَخفاه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤].
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجُملة هنا جَواب الشَّرْط، واقتَرَنَت بالفاءِ؛ لأنها جُملة اسمِيَّة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ فهي جُملة اسمِيَّة وإن قُرِنت بـ (إنَّ) الدالَّة على التَّوْكيد، ووجهُ ارتِباطها بما قَبْلها -أي: بفِعْل الشَّرْط-: أنه إذا كان اللَّه تعالى عالِمًا به، فسَوْف نُجازِيكم عليه؛ إن خَيرًا فخَير، وإن شرًّا فشَرٌّ.
[ ٤٣٦ ]
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أنه لا يَحِلُّ لأحَد من المُؤمِنين أن يَدخُل بُيوت النَّبيِّ ﵊ إلَّا بالشُّروط المَذكورة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والأصل في النَّهي التَّحريم حتى يَقوم دليلٌ على أنه لغَيْر التَّحريم، ويُؤيِّد التَّحريم هنا أن هذا يَتعَلَّق بحقِّ الآدَميِّ، وما كان مُتعلِّقًا بحَقِّ الآدَميِّ فإنه لا يُسامَح فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإضافة تَكون لأَدْنى مَلابَسة؛ فإضافة الشيء إلى الشيء تَكون لأَدْنى مُلابَسة، سواءٌ كان ذلك على صِفة المِلْكِيَّة أو الاخْتِصاصيَّة أو الصُّحْبة أو القُرْب أو غير ذلك؛ ولهذا من قَواعِدهم المَعروفة: أنَّ الإضافة تَكون لأَدْنى مُلابَسة، لكن لا بُدَّ أن يَكون بين المُضاف والمُضاف إليه شيء من الارتباط؛ تُؤخَذ هذه من قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾؛ لأن إضافتَها إلى النبيِّ ﵊ باعتِبارها مَأواهُ، وإلَّا فهي مِلْك لزوجاته على القولِ الراجِح.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإِذْن بالدُّخول مُعْتَبر، سواء كان من صاحِب البَيْت أو مِمَّن أَنابَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، ولم يَقُل: إلَّا أن يَأذَن لكم -أي: النبيُّ- فإذا أُذِن للإنسان للدُّخول سواءٌ كان من صاحِب البَيْت أو من خادِمه أو من ابنِه أو ما أَشبَه ذلك جاز الدُّخول، وهل يُستَفاد من جَواز الدُّخول إذا وَجَدْت الباب مَفتوحًا وقد كان بينَك وبين صاحِبك وَعْد؟
الجَوابُ: إن قُلْنا بأن الإِذْن العُرفيَّ كالإِذْن اللَّفْظيِّ فهو مُستَفاد من ذلك، ويُؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، فإن الاستِئْناس -وهو الاطْمِئْنان- يَشمَل الاستِئْذان
[ ٤٣٧ ]
باللَّفْظ والاستِئْذان بالفِعْل والعُرْف.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه يَجوز دُخول بُيوت النبيِّ ﵊ بهذه الشُّروطِ: الإِذْن، وألَّا يَكون ذلك بانتِظار نُضْج الطعام؛ لما في المُفاجأة من الإيذاء؛ لأنه إذا نَضِج طعامُك ثُم جاء إنسان يَستَأذِن صار في هذا نوعٌ من الإيذاء؛ لأنك إن منَعْته شقَّ عليك، وإن أَذِنْت له شقَّ عليك أيضًا، فلهذا لا يَجوز الدُّخول لمُنتَظِر نُضْج الطعام.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم التَّطفُّل؛ لأن الطُّفَيْليَّ عادَتُه أنه يَنتَظِر متى يُقدَّم الطعام، فإذا قُدِّم الطعام استَأذَن أو هجَم هُجومًا بدون استِئْذان؛ لأنه قَبْل أن يَنضَج الطعام ويُقدَّم يُمكِن أن يَدخُل، ثُم يُقال له: اخْرُجْ. لكن بعد أن يُقدَّم الطعام لا بدَّ أن يَأكُل.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: مَشروعية إجابة الدَّعوة؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، وهل يُستَفاد منها دُخول الإنسان المَدعوِّ وإن لم يُؤذَن له إذا وَجَد الباب على هَيْئة تَدُلُّ على الإِذْن؟
الجَوابُ: نعَمْ، وهو واضِح؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ ولم يَقُل: إذا دُعيتم فأَجيبوا، والدُّخول أخَصُّ، وعلى هذا فإذا كنتُ مَدعُوًّا وحَضَرْتُ إلى الباب فلي أن أَدخُل إذا عَلِمْنا بالقَرينة أن الباب قد وُضِعَ مَوضِع الإِذْن، كما لو كان مَفتوحًا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الإنسان يَنبَغي له إذا قضَى حاجته من الطعام أن يَنصَرِف؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وهذا كما أنه في بُيوت النبيِّ -ﷺ- فهو أيضًا في بُيوت غيره.
فإن الأَفضَل لمَن دُعِيَ إلى طعام أنه إذا طَعِم أن يَنْتشِر؛ لأن بَقاءَه قد يَشُقُّ على
[ ٤٣٨ ]
صاحِب البَيْت؛ ولأن الحاجة التي جاء من أَجْلها قد انتَهَت، وإذا تَأمَّلْت الشريعة وجَدت أن الإنسان من حُسْن أدَبه وسُلوكه أنه كلَّما فرَغ من حاجته التي يُريد: يَنتَهي منها ويَنصَرِف إلى حاجاتٍ أخرى؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في المُسافِر: "إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلْيَعْجَلْ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَنْتَظِرْ" (^١).
ولو أننا حَفِظْنا أوقاتَنا بِمِثْل هذا الأدَبِ لكانت أَوْقاتُنا مُبارَكةً، لكن تَجِدنا نُضِيِّع أَوْقاتَنا، ولَسْنا نُراعِي هذه الحالَ، أنه كلَّما انتَهَى الشُّغْل لا نَنتَظِر، بل نَمشِي إلى شُغْل آخَرَ، كما قال اللَّه ﷾: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، فلا تُضيِّعِ الوقتَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن دخَل بُيوت النبيِّ -ﷺ- بدَعوة، ثُمَّ طَعِمَ فإنه لا يَجلِس للحديث؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وهذا فَوْق قَولِه تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ لأن ذلك أَمْر، أمَّا هذا فنَهيٌ، يُنهَى أن يَبقَى هؤلاءِ المَدعُوُّون مُستَأنِسين للحديث بعد فَراغهم من الطعام.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن هذا الحُكمَ إنما يَكون في حال تَأذِّي صاحِب البيتِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أمَّا إذا كان لا يَتأذَّى به بل يُسَرُّ به، بل قد يَكون بطلَبه، فإذا فرَغ من الطعام قال: انتَظِروا، اجلِسوا نَستَأنِس، ونَتحَدَّث، فإن هذا ليس مَنهيًّا عنه، بل جائِز، ولا بأسَ به؛ لأن القاعِدة عند أهل العِلْم ﵏: أنَّ الحُكْم يَدور مع عِلَّته وُجودًا وعدَمًا، فإذا وُجِدَتِ العِلَّة وُجِد المعلول، وإذا انتَفَتِ العِلَّةُ انتَفَى المَعلول.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، رقم (١٨٠٤)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب، رقم (١٩٢٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٤٣٩ ]
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن النبيَّ -ﷺ- كغَيْره من البشَر يَتَأذَّى كما يَتَأذَّى غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، لكنه يَختَلِف عن غيره في قُوَّة صَبْره وتَحمُّله -ﷺ-، بخِلاف غيره من البشَر فإن غيرَه لا يَصبِر ويَسأَم ولا يَتحَمَّل كما يَتحَمَّل النبيُّ -ﷺ-؛ ولهذا كان الرسولُ -ﷺ- يَتَأذَّى من بَقائِهم مُستَأنِسين لحديث ولا يَنهاهُم حتَّى نَهاهُمُ اللَّه ﷿.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: عِناية اللَّه ﷿ بنَبيِّه -ﷺ- وذلك بالدِّفاع عن كل ما يُؤذِيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كمال حَياء الرسول ﵊ وكَرَمه؛ لقوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾، وإنما كان يَستَحيِي لشِدَّة حَيائِه، فإنه كما وُصِف: أَحْيَى من العَذراء في خِدْرها (^١)، و"الَحيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ" (^٢) كما ثبَتَ به الحديث عن النبيِّ -ﷺ-، وهو أيضًا دَليل على كرَمه؛ لأن الكريمَ يَستَحيِي أن يُخجِل أَضيافه بقَوله: اخرُجوا! أو يُخجِلهم بالتَّبرُّم مِنهم والتَّكَرُّه لتَصرُّفهم؛ فلهذا كان الرسول -ﷺ- يُعامِلهم وكأنه مَسرور منهم حتى بيَّن اللَّه تعالى ذلك للصَّحابة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن القُرآن شامِلٌ لكلِّ شَيءٍ، يَعنِي حتى آداب الدُّخول والجُلوس والطَّعام وما أَشبَه ذلك قد بيَّنه القُرآن، فيَكون في ذلك إيضاحٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب صفة النبي -ﷺ-، رقم (٣٥٦٢)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه -ﷺ-، رقم (٢٣٢٠)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب الحياء من الإيمان، رقم (٢٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، رقم (٣٦)، من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ٤٤٠ ]
ودَلالةُ القُرآن على الأشياءِ نَوْعان:
دَلالة عَيْنِيَّة: بمَعنى أنها تَدُلُّ على الشيءِ بِعَيْنه وهذا واضِح.
ودَلالة شُمول: لَفْظيٍّ أو مَعنَوِيٍّ.
فالشُّمول اللَّفظيُّ: بمَعنَى أنه يَكون اللَّفْظ عامًّا في صِيغته يَشمَل كلَّ ما يَحتَمِله ذلك اللَّفظُ من المَعنى.
والعُموم المَعنويُّ: هو ما يُعرَف عند أهل العِلْم بالقِياس؛ لأنه يَكون المَقِيسُ والمَقِيسُ عليه مُتَّفِقَيْن في العِلَّة، فيَكون بينهما عُموم في المَعنَى.
فدَلالة القُرآن على هذا الشيءِ تَكون على هذا الوَجْهِ، إمَّا دَلالة لَفْظية، وإمَّا دَلالة مَعنَويَّة بالشُّمول اللَّفْظيِّ أو المَعنَويِّ.
وهُناك أيضًا دَلالة الالتِزام وهي مُتفَرِّعة أو داخِلة فيما ذكَرنا من الدَّلالتين.
فإن قُلت: يَرِدُ عليك أنه لا يُوجَد في القُرآن مِقْدار أَنصِبة الزكاة ولا مِقْدار الواجِب، ولا يُوجَد عدَد الركعات، ولا مِقدار ما يُسَنُّ فيها من الذِّكْر، فما هو الجوابُ؟
فالجَوابُ: أن السُّنَّة قد بَيَّنت ذلك، وقد أمَرنا اللَّه تعالى في كِتابه أن نَأخُذ بما جاء عن رسول اللَّه -ﷺ-، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ يَشمَل ما آتانا من المال، وما آتانا من العِلْم، والعِلْم يُسمَّى إيتاءً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٦]، فكما أن إِعْطاء المال يُسمَّى إيتاءً فإعطاء العِلْم أيضًا يُسمَّى إيتاءً، فقَوْله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر: ٧] يَشمَل ما آتانا من المال وما آتانا من
[ ٤٤١ ]
العِلْم، وكذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ وكلُّ هذا يَدُلُّ على أن ما جاءت به السُّنَّة فهو ممَّا جاءَ به القُرآن.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَصْفُ اللَّه تعالى بالحَياء، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وَجهُ الدَّلالة أنه لو كان اللَّه ﷾ لا يُوصَف بالحَياء ما صَحَّ أن يُنفَى عنه الحَياء في حال من الأَحْوال دون الحال الأُخرى، وعلى هذا فتَكون الآية دَليلًا على أن اللَّه تعالى مَوصوف بالحَياء، ولكن حَياء اللَّه تعالى ليس كَحَياء الإنسان؛ لأن اللَّه تعالى يَقول في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن من الأُمور ما هو حقٌّ ومِنها ما هو باطِل، فالحَقُّ في الأخبار هو: الصِّدْق، وفي الأَحْكام: العَدْل، والباطِل فيهما عَكْس ذلك، فالباطِل في الأَخْبار هو الكذِب، وفي الأحكام هو الجَوْر.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ أنه لا يَجوز سُؤال زوجات النَّبيِّ -ﷺ- شيئًا إلَّا من وراء حِجاب، والآية في ذلك صَريحة: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: جَواز تَكليم زوجات النبيِّ -ﷺ-؛ وجهُه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، فأَباح اللَّه تعالى سُؤالَهُن، والسُّؤال هنا ليسَ فقَطْ سُؤالَ استِجْداء، ولكن سُؤال العِلْم من بابِ أَوْلى.
وهل يُستَفاد منه جَواز مُكالمَة النِّساء غيرِ زَوْجات الرسول ﵊؟
الجَوابُ: نعَمْ؛ يُستَفاد لأنه إذا جاز في زَوْجات الرسول ﵊ مع ما
[ ٤٤٢ ]
لَهُن من الاحتِرام والتَّعظيم ففي غَيْرهن من بابِ أَوْلى، ولكنه يُشتَرَط في ذلك الأَمْن من الفِتْنة، فإن خِيفَتِ الفِتْنة من المُكلِّم أو من المَرأة كان ذلك حرامًا، وكذلك يُشتَرَط ألَّا يَتَمتَّع الإنسان بمُكالمة المرأة وإن لم يَكُن تَمَتُّعَ شَهوة، يَعنِي: قد يَكون الإنسان مثلًا يَتَمتَّع بمُخاطَبة المرأةِ ليس من الناحِية الجِنْسية الغَريزية، ولكنه يُحِبُّ أن يَستَمِرَّ معَها في الكَلام، فهذا أيضًا لا يَجوز، اللَّهُمَّ إذا كانت من محَارِمه، وأَراد أن يَتَحدَّث معها ليُؤنِسَها أو يَستَأنِس بها، فهذا لا بأسَ به.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أن الحِجاب المَذكور هنا ليس هو سَترَ الوَجْه فقَطْ، بل هو شيء فَوْق ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ولم يَقُل: مُتحَجِّبات، وهذا يَدُلُّ على أنها الحِجاب مُنفَصِل وليس من ثِياب المرأة، بل هو شيء مُنفَصِل، مثل أن تَكون في خِدْرِها فيَتحَدَّث الناس إليها.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: ثُبوت تَعليل الأحكام الشَّرْعية؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾، ومن قوله تعالى فيما سَبَق: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾.
الْفَائِدَةُ العِشْرُونَ: أنه يَجِب على المَرْء أن يَسعَى في كل ما فيه تَطهير قَلْبه، وأن يَبتَعِد عن كل ما فيه تَدنيسُ قَلْبه؛ لأنه عَلَّل الأمر بالحِجاب؛ لكونه أَطهَرَ للقُلوب، ولا فرقَ في ذلك بين طَهارة القَلْب من الأخلاق الرَّذيلة كالزِّنا واللِّواط أو طَهارته من الاعتِقادات الفاسِدة أو الإرادات السَّيِّئة؛ فكلُّ هذا يَجِب على المَرْء أن يُطهِّر قلبه مِنه، وأن يَبتَعِد عن كل ما يُدَنِّسَ قَلْبه من ذلك.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُون: أن الفِتْنة في مخُاطَبة النِّساء قد تَكون من الرجُل وحدَه ومن المرأة وحدَها، ومنهما جميعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ فقَدْ يَكون الرجُل هو الذي يَتَلذَّذ بمُخاطَبة المرأة، والمرأة ليس على بالها هذا الأمرُ ولا اهتَمَّتْ
[ ٤٤٣ ]
به، ولا فكَّرَتْ في هذا المَوْضوعِ، لكن هو يَتَلذَّذ بهذه المُخاطَبةِ، فيَكون الدَّنَس في قَلْب الرَّجُل، وقد يَكون الأمر بالعكس، تَتَحدَّث المرأة إلى الرجُل وهي تَتَلذَّذ بهذه المُخاطَبةِ والرجُل ليس على باله هذا الأَمرُ، فيَكون هنا الدَّنَس في قَلْبها هي، وقد يَكون من الطرَفَيْن فيَكون الدَّنَس في قلبَيْهما جميعًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: تَحريم نِكاح زوجات النبيِّ -ﷺ- بعده؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: أن التَّحريم فيهن مُؤبَّد؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾، وعلى هذا فالمُحرَّماتُ إلى الأَبَد: محُرَّمات بالنَّسَب، وبالرَّضاع، وبالصِّهْر، وبالمُلاعَنة، وبالاحتِرام؛ فهذه خمسة أَنْواع.
أمَّا المُحرَّمات بالنَّسَب فسَبْع، ذُكِرْنَ في قوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣].
وبالرَّضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وقول النبيِّ -ﷺ-: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (^١).
وبالصِّهْر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، رقم (٢٦٤٥)، ومسلم: كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، رقم (١٤٤٧)، من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٤٤٤ ]
لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
والمُحرَّماتُ باللِّعان هو: أن الرَّجُل إذا قذَف امرأته بالزِّنا ولم تُقِرَّ به ولم يَثْبُت بِبَيِّنة فإنه يُلاعِنها، فإذا تَمَّ اللِّعان حُرِّمت عليه على التَّأبيد.
وأمَّا المُحرَّمات إلى الأَبدَ بالاحتِرام، فهن زَوْجاتُ النبيِّ -ﷺ-.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: عِظَم إِثْم مَن تَزوَّج واحِدة من زوجات الرسول ﵊ من بعده؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ وَالعِشْرُونَ: أن الذُّنوب تَتَفاوَت في العِظَم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وهو كذلك، فإن في الذُّنوب كبائِرَ وصغائِرَ، والكبائِرُ فيها ما هو أكبَرُ وما هو دون ذلك، والصغائِرُ كذلك تَختَلِف، وكذلك الطاعاتُ تَختَلِف منها ما هو من أُصول الإيمان والإسلام، ومنها ما هو دون ذلك.
وهل يُستَفاد من الآيةِ الكَريمة أنه لا يَنبَغِي للضَّيْف أن يَسأَل عن طعام المُضَيِّف إذا قدَّمه له، فيَقول مثَلًا -لو قُدِّم له دَجاج-: هذا الدَّجاجُ مُستَوْرَد أو غيرُ مُستَوْرَد؟
الجَوابُ: قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ فلم يَأمُرِ اللَّه تعالى بالسُّؤال عن الطَّعام، وهو كذلك، فإنه ليس من المَشروع ولا من الأَدَب أيضًا أن تَسأَل صاحِبَك الذي قدَّم لكَ الطَّعام، وتَقول: من أين هذا؟ وهل هو حَلال أو حَرام؟ ! لأن هذا خِلاف هَدْي النبيِّ ﵊، فالنَّبيُّ ﵊ قَدَّمَت له امرأةٌ من اليَهود
[ ٤٤٥ ]
شاةً فأكَلَ منها (^١) ولم يَسأَل، ودعاه يَهودِيٌّ إلى طعام فأَكَل مِنه (^٢) ولم يَسأَلْ، ثُمَّ إنك إذا سَأَلْت أَخجَلْت صاحِبك، رجُل أَكرَمك بالضِّيافة تَقول له: من أين هذا؟ هل من المَشروع أو من المُستَوْرَد؟ وإذا فتَحْنا هذا البابَ نَقول: أصل هذا الطَّعام من أين جاءَك؟ فيُمكِن أنه غاصِبُه أو سارِقه! وإذا انتَفَى هذا فيُمكِن أن هذا الرجُلَ له كَسْب حَرام، فلا نَدرِي عنه! فنَقول له: من أين جاءَكَ؟ يَقول: هذا شَرَيْته من السُّوق. نَقول له: هاتِ شُهودًا أنك شارِيه؟ فهذه مُشكِلة! إذا فتَحْنا هذا البابَ انفَتَح علينا أبوابٌ كثيرة؛ ولهذا كانت من حِكْمة الشَّرْع أن الإنسان لا يُشرَع له السُّؤال أبَدًا مهما كان، حتى لو كان الذي قَدَّم لك الطعام يَهوديًّا أو نَصرانيًّا فلا تَسأَلْه عن الطعام؛ لأن هذا من التَّعنُّت والتَّعمُّق، وفيه إِشقاق على صاحِبك وإِشقاق على نَفْسك؛ لأنك إذا عَوَّدت نَفْسك أنك لا تَأكُل إلَّا بعد البَحْث فمَعناه: كل شيء تَأكُله تَكون شاكًّا فيه، والحَمْدُ للَّه تعالى على السلامة.
فإن قال قائِل: ألَا يُسْأَل عن لَحْم البَعير؟
فالجَوابُ: أبَدًا، ولا يُسأَل عن لَحْم البَعير؛ أوَّلًا لأن لَحْم البَعير في الغالِب أنه معروف، إلَّا إذا كان (حاشي صغير) (^٣)، والإنسان هذا ما تَمَرَّن في أَكْل اللَّحْم مُمكِن يَشْتَبِه عليه.
فإن كان الشَّخْص مَريضًا فربما يَسأَل لأجل دَفْع الضَّرَر، وليس لأَجْل التَّعمُّق،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، رقم (٢٦١٧)، ومسلم: كتاب السلام، باب السم، رقم (٢١٩٠)، من حديث أنس -﵁-.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٢١١)، من حديث أنس -﵁-.
(٣) هو الجمل صغير السن.
[ ٤٤٦ ]
فمثَلًا إذا كان قد قِيل له: لا تَأكُل لَحْم الإِبِل، وشَكَّ في هذا: هل هذا لَحْمُ إبِلٍ أم لا؟ فهذا قد نَقول له: إنَّ السُّؤال لا من أَجْل الحِلِّ أو من أَجْل: هل يَجِب عليه الوُضوء أو لا يَجِب؟ فهذا لدَفْع الضَّرَر لا بأسَ به.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالعِشْرُونَ: تَحريم أذِيَّة الرسول -ﷺ- وامتِناعه أشَدَّ الامتِناع من المُؤمِنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، فالإشارة إلى امتِناع ذلك -أي: امتِناع الأذِيَّة- لكونه رَسولًا من عند اللَّه تعالى امتَنَع غايةَ الامتِناع من المُؤمِنين أن يُؤْذوه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ تَشَوُّفَ الشَّرْع إلى ما يَكون سببًا لطهارة القلوب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالعِشْرُونَ: أنه إذا أَوْجَب اللَّه تعالى في ذلك العَصْرِ ما يَكون سبَبًا لكمال طَهارة القُلوب، ففي عَصْرنا من بابِ أَوْلى، فكل ما يَكون سببًا لطَهارة القُلوب، وبعدها عن دَناءة الأَخْلاق، فإنه يَكون واجِبًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالعِشْرُونَ: وتَعليقًا على ما سَبَق من قَرْن الأحكام بحِكَمِها نَقول: إن من فَوائِدِ ذلك: طُمَأْنينة الإنسان للحُكْم، وبَيان سُمُوِّ الشريعة، وأن أَحكامها ليسَتْ لَهْوًا ولا باطِلًا، وإلحاق ما وافَق الحُكْم في عِلَّته بحُكْمه، يَعنِي: نُلحِق بهذا الحُكْمِ ما وافَقَه في تِلكَ العِلَّةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ: عُموم عِلْم اللَّه تعالى بكُلِّ شيء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحذير المُكلَّف من مخُالَفة اللَّه ﷿ بقَليل أو كثير؛
[ ٤٤٧ ]
لأن الفائِدة من ذِكْر عِلْمه هو التَّحذيرُ من المُخالَفة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الرَّدُّ على القَدَرية على غُلاة القَدَرية المُنكِرين لعِلْم اللَّه ﷾ بأَفْعال العَبْد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إذا إنه يَشمَل ما سيَفعَله الإنسانُ وما قد فعَله.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: أن ما يَفعَله العَبْد من خَيْرٍ أو شَرٍّ فإنه محُاسَب عليه، إمَّا له وإمَّا عليه؛ لعُموم كلِمة: ﴿شَيْءٍ﴾، وفي آيةٍ أُخرى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾، لكِنَّ هذه الآيَةَ أعمُّ.
* * *
[ ٤٤٨ ]