﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ تقدم الكلام عليها، ﴿سبح لله ما في السماوات والأَرض وهو العزيز الحكيم﴾ معنى سبح أي نزه الله - ﷿ - عن كل عيب ونقص، وعن مماثلة المخلوقين، ودليل تنزهه عن كل عيب ونقص قول الله ﵎: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأَرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ واللغوب يعني التعب والإعياء، وهذا يدل على كمال قوته - ﷿ - وقال تعالى: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ وقال تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ فنزه الله تعالى نفسه عن الغفلة، وقال تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأَرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ فنزه نفسه عن العجز، ودليل تنزهه عن مماثلة المخلوقين، قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وأثبت الله لنفسه وجهًا في قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، وأثبت الله لنفسه أنه استوى على العرش، والإنسان يستوي على البعير، أي يركب البعير ويستقر عليه ويعلو عليه، ليس استواؤه ﷾ على العرش كاستواء الإنسان على البعير، والدليل: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ فكل صفة يثبتها الله لنفسه وللمخلوق مثلها فإن ذلك موافقة للاسم فقط، أما في الحقيقة فليس كمثله شيء، مثال ذلك: أثبت الله لنفسه علمًا، وأثبت للمخلوق علمًا، فقال الله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ فأثبت الله لنا علمًا، وأثبت لنفسه علمًا ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون
[ ٣٥٧ ]
أنفسكم﴾ وليس العلم الذي أثبته لنفسه كعلم المخلوق والدليل قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ فالله - عزوجل - لا يمكن أن يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته، ولا في صفاته، ولهذا لا يمكننا أن ندرك الله - ﷿ - نعلمه بآياته وصفاته وأفعاله، لكنا لا ندرك حقيقته - عز
وجل - لأنه مهما قدرت من شيء فالله تعالى مخالف له غير مماثل، وقوله: ﴿ما في السماوات والأَرض﴾ أي: كل ما في السماوات والأرض، فإنه يسبح الله - ﷿ - وينزهه، ويشمل الآدمي، والجن، والملائكة، والحشرات، والحيوانات، وكل شيء، فكل ما في السماوات والأرض يسبح الله، وهل يسبحه بلسان المقال بمعنى يقول: سبحان الله، أو بلسان الحال، بمعنى أن تنظيم السماوات والأرض والمخلوقات على ما هي عليه يدل على كمال الله - ﷿ - وتنزهه عن كل نقص، الجواب: أنه يسبح الله بلسان الحال وبلسان المقال، إلا الكافر، فإنه يسبح الله بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الكافر يصف الله بكل نقص، يقول: اتخذ الله ولدًا، ويقول: إن معه إلهًا، وربما ينكر الخالق أصلًا، لكن حاله وخلقته وتصرفه تسبيح لله - ﷿ -. وهل الحشرات والحيوانات تسبح الله بلسان المقال؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ الحشرات كلها تسبح الله بلسان المقال، والحصى يسبح الله كما كان ذلك بين يدي رسول الله ﷺ (^١) ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ العزيز يعني ذو العزة، والعزة هي
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٦/٥٩٢) حيث عزاه الحافظ ابن حجر إلى البزار والطبراني في الأوسط.
[ ٣٥٨ ]
الكبرياء والغلبة والسلطان وما أشبه ذلك، فالعزيز هو ذو السلطان الكامل والغلبة الكاملة، فلا أحد يغلبه - ﷿ - يقول الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
والحكيم لها معنيان: المعنى الأول: ذو الحكمة، والمعنى الثاني: ذو الحكم التام، فهي مشتقة من شيئين: من الحكمة والحكم، فالحكمة هي أن جميع أفعاله وأقواله وشرعه حكمة، وليس فيه سفه بأي حال من الأحوال، ولهذا قيل في تعريف الحكمة: (إنها وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها)، فما من شيء من أفعال الله، أو من شرع الله إلا وله حكمة، فإذا قدر الله الحر الشديد الذي يهلك الثمار فهو حكمة لا شك، وإذا منع الله المطر فهو حكمة، وإذا ألقى الله الموت بين الناس فهو حكمة، وكل شيء فهو حكمة، والشرائع كلها حكمة فإذا أحل الله البيع وحرم الربا فهو حكمة، لأنا نعلم أن الله حكيم، ففرق الله - ﷿ - بين البيع والربا، فالبيع أحله الله، والربا حرمه، فإذا قال قائل: لماذا؟ قلنا: الله أعلم، الله حكيم - ﷿ -، ولهذا لما قالت المرأة لعائشة - ﵂ - يا أم المؤمنين ما بال الحائض تقضي الصوم - يعني إذا حاضت في رمضان - ولا تقضي الصلاة؟ سؤال فيه إشكال، لماذا الحائض إذا أفطرت في رمضان يلزمها قضاء الصوم، وإذا تركت الصلاة لا يلزمها قضاء الصلاة، وكلاهما فرض، قالت لها - ﵂ -: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^١)» فاستدلت - رضي
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة (٣٢١) ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (٣٣٥) (٦٩) .
[ ٣٥٩ ]
الله عنها - بالحكم على الحكمة، لأنا نعلم أن الله حكيم - ﷿ - فلم يوجب عليها قضاء الصوم دون قضاء الصلاة إلا لحكمة، لكن أحيانًا نعرف الحكمة وأحيانًا لا نعرفها، لماذا أحل الله البيع وحرم الربا؟ نقول: لأن الله أحل البيع وحرم الربا، ولذلك لما قال أهل الربا: إنما البيع مثل الربا.
رد الله قولهم فقال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، فإذا حكم الله بشيء شرعًا، أو حكم بشيء قدرًا فلا يشكل عليك، إن وفقك الله لمعرفة الحكمة فهذا خير، وإن لم تعرف فاعلم أن الله حكيم وله أيضًا الحكم - ﷿ - قال الله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ من يستطيع أن يرفع حكم الله - ﷿ - فيما إذا نزل به الموت؟ لا أحد، قال الله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونهآ إن كنتم صادقين﴾ لا يمكن، لأن الله حكم بهذا، وإذا حكم - ﷿ - بحروب وفتن من يرفع هذا إلا الله ﷿، والله تعالى له الحكم في الأمور الشرعية قال الله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ فالحكم لله - ﷿ - فإذا عرفت أن الله تعالى له الحكمة فيما شرع، وفيما خلق، وقدر، حينئذ تستسلم ولا تجادل، لأن الذي حكم بذلك هو الله، وإذا علمت أن الحكم لله - ﷿ - بين العباد فترجع الأمور الشرعية، إلى الكتاب والسنة، وفي الأمور القدرية ترجع إلى الله، فإذا حكم عليك بالمرض تفزع إلى الله - ﷿ -، وإذا حكم عليك بالفقر تفزع إلى الله، اللهم
[ ٣٦٠ ]
أغنني من الفقر، واقضِ عني الدين، فإذا آمن الإنسان بأن الحكم كله لله إن كان حكمًا قدريًا استسلم، وقال: هذا أمر الله، وأنا عبد الله ولا يمكن أن يكون سوى ما كان، وإذا كان شرعيًّا. قال الله - ﷿ - أعلم وأحكم بما يصلح العباد.
﴿له ملك السماوات والأَرض﴾ أي: لله تعالى وحده ملك السماوات والأرض خلقًا وتدبيرًا، فلا يملك السماوات والأرض أحد إلا الله عزوجل ﴿يحي ويميت﴾ أي: يجعل الجماد حيًا، ويميت ما كان حيًا، فبينما نرى الإنسان ليس شيئًا مذكورًا إذا به يكون شيئًا مذكورًا كما قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ ثم يبقى في الأرض ثم يعدم ويفنى، فإذا هو خبر من الأخبار ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ هذه جملة خبرية عامة في كل شيء من موجود ومعدوم، والقدرة صفة تقوم بالقادر حيث يفعل الفعل بلا عجز.
﴿هو الأَول والأَخر والظاهر والباطن﴾ أربعة أشياء ﴿الأَول﴾ أي الذي ليس قبله شيء، لأنه لو كان قبله شيء لكان الله مخلوقًا، وهو ﷿ الخلق، ولهذا فسر النبي ﷺ ﴿الأَول﴾ الذي ليس قبله شيء (^١)، فكل الموجودات بعد الله فليس معه أحد ولا قبله ﴿والأَخر﴾ الذي ليس بعده شيء، لأنه لو كان بعده شيء لكان ما يأتي بعده غير مخلوق لله، والمخلوقات كلها مخلوقة لله ﷿، فهو الأول لا ابتداء له، والآخر لا انتهاء له، ليس بعده شيء ﴿والظاهر﴾، قال النبي ﷺ: تفسيرها: «الذي ليس فوقه شيء» فكل المخلوقات تحته جل وعلا، فليس فوقه شيء
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم (رقم ٢٧١٣) .
[ ٣٦١ ]
﴿والباطن﴾ قال النبي ﷺ «الذي ليس دونه شيء» (^١) أي: لا يحول دونه شيء، خبير عليم بكل شي، لا يحول دونه جبال، ولا أشجار، ولا جدران ولا غير ذلك، ليس دونه شيء، ﴿الأَول والأَخر﴾ اشتملا على عموم الزمان، ﴿والظاهر والباطن﴾ على عموم المكان.
﴿وهو بكل شيء عليم﴾، كل شيء فالله عليم به، ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء﴾ فلو عمل الإنسان في جوف بيته في حجرة مظلمة فإن الله تعالى يعلم عمله، بل زد على ذلك أنه يعلم ما توسوس به نفسك كما قال الله - ﷿ -: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ . وأنت إذا فكرت في شيء فالله يعلم به قبل أن يكون، ويعلم الماضي البعيد، ويعلم المستقبل البعيد ويعلم بكل شيء، ولهذا قال موسى - ﵊ - لما سأله فرعون: ﴿فما بال القرون الأُولى﴾ يعني شأنها قصها علينا ﴿قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ لا يضل معناه لا يجهل، لأن الضلال معناه الجهل، كما قال الله - ﷿ - في نبيه: ﴿ووجدك ضآلا فهدى﴾ ضال ليس معناها فاسق، بل معناه أنه جاهل لا يدري كما قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينآ إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ وقال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ إذن الله بكل شيء عليم، وإذا علمت أن الله بكل شيء عليم هل يمكنك أن تقدم على معصية الله وأنت في خفاء عن الناس؟ لا، لأنك تعلم أن الله يعلمك، قال الله - عز
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٣٦١.
[ ٣٦٢ ]
وجل -: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ الجواب: بلى، ﴿ورسلنا لديهم يكتبون﴾، فإذن إذا آمنت بأن الله - جل وعلا - عليم بكل شيء فإنه يستلزم أن لا تقوم بمعصيته ولو في الخفاء، وأن لا تترك طاعته ولو في الخفاء، ولقد قال الله - ﷿ - عن نوح ﵊ أنه قال: ﴿وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في ءاذانهم﴾ لأجل أن لا يسمعوا، ﴿واستغشوا ثيابهم﴾ لئلا يبصروا بها - والعياذ بالله - لأنهم يكرهون الحق وقوله: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ يشمل أفعال العباد وأقوال العباد، بل إنه يعلم ﷾ ما في قلب
الإنسان وإن لم يظهره، كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ فإياك أن تضمر في قلبك شيئًا يحاسبك الله عليه، لكن الوساوس التي تطرأ على القلب ولا يميل الإنسان إليها بل يحاربها، ويحاول البعد عنها بقدر إمكانه لا تضره شيئًا، بل هي دليل على إيمانه لأن الشيطان إنما يأتي إلى القلب فيلقي عليه الوساوس إذا كان قلبًا سليمًا، أما إذا كان قلبًا غير سليم فإن الشيطان لا يوسوس له، لأنه قد انتهى. ﴿هو الذي خلق السماوات والأَرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأَرض﴾ خلق السماوات والأرض أي: أوجدها - ﷿ - بكل نظام وتقدير، والسماوات سبع والأرضون سبع، والأرض سابقة على السماء، لأن الله تعالى قال في سورة فصلت لما ذكر خلق الأرض قال: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأَرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتآ أتينا طآئعين﴾، لكن الله يبدأ بالسماوات لأنها
[ ٣٦٣ ]
أشرف من الأرض وأعلى من الأرض، والسماوات بينها مسافة بعيدة جدًا جدًا، وهذا يلزم أن يكون أصغر السماوات سماء الدنيا ويليها الثانية والثالثة، كل واحدة أوسع من الأخرى سعة عظيمة، وهي طباق متطابقة بعضها فوق بعض، وفي حديث المعراج أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلما صعد إلى سماء استفتح ففتح له (^١)،
والأرض جعلها تعالى في القرآن بصيغة الإفراد، لكن الله تعالى أشار إلى أنها متعددة في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأَرض مثلهن﴾ أي: مثلهن في العدد لا في الصفة، لأن التماثل في الصفة بين الأرض والسماء بعيد جدًا، لكن مثلهن في العدد، وصرحت بذلك السنة في قول النبي ﷺ «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله يوم القيامة به من سبع أراضين» (^٢) وخلقها الله عزوجل في ستة أيام، والأيام أطلقها الله - ﷿ - ولم يبين أن اليوم خمسين ألف سنة، أو أقل، أو أكثر، وإذا أطلق يحمل على المعروف المعهود وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، (^٣) فالجمعة منتهى خلق السماوات
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء (رقم ٣٤٩)، ومسلم، كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله؟ إلى السماوات وفرض الصلوات (رقم ١٦٣) ..
(٢) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض (٢٤٥٣) ومسلم كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (١٦١٠) .
(٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله؟ بيدي فقال: «خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين. وخلق المكروه يوم الثلاثاء. وخلق النور يوم الأربعاء. وبث فيها الدواب يوم الخميس. وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة » . وأخرجه مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇ (رقم ٢٧٨٩) .
[ ٣٦٤ ]
والأرض ومبتدئه الأحد، والسبت ليس فيه خلق لا ابتداء ولا انتهاء.
فإذا قال قائل: أليس الله قادرًا على أن يخلقها في لحظة؟
فالجواب: بلى، لأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن. فيكون، وإنما خلقها في ستة أيام - والله أعلم - لحكمتين: الحكمة الأولى: أن هذه المخلوقات يترتب بعضها على بعض، فرتب الله تعالى بعضها على بعض حتى أحكمها، وانتهى منها في ستة أيام. الحكمة الثانية: أن الله علّم عباده التؤدة والتأني، وأن الأهم إحكام الشيء لا الفراغ منه، حتى يتأنى الإنسان فيما يصنعه، فعلم الله سبحانه عباده التأني في الأمور التي هم قادرون عليها، وكلا الأمرين وجيه، وقد تكون هناك حكم أخرى لا نعلمها، ومع هذا لا نجزم به ونقول: الله أعلم ﴿ثم استوى على العرش﴾، استوى عليه يعني على وجه يليق بجلاله، ولا يمكن أن نمثله بخلقه لأن الله ليس كمثله شيء، والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الذي خلقه - ﷿ -، وقد جاء في الحديث: أن السماوات السبع، والأرضين السبع في الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، الحلقة حلقة الدرع المكون من حلق من الحديد، فالحلقة من الحديد من الدرع تكون بالنسبة للفلاة لا شيء، فلاة من الأرض واسعة ضاع فيها حلقة من حلق الدرع ماذا تكون نسبتها وماذا
[ ٣٦٥ ]
تشغل من الأرض؟! لا شيء، قال ﷺ: «ما السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة» (^١) إذن لا يعلم قدره إلا الله - ﷿ - وليس لنا أن نسأل: من أين مادة الكرسي؟ من ذهب، من فضة، من لؤلؤ؟ ليس لنا الحق في أن نتكلم في هذا.
هو عرش عظيم كما وصفه الله ﴿رب العرش العظيم﴾ ﴿ذو العرش المجيد﴾، عرش عظيم جدًا جدًا، لا يعلم قدره إلا الله، استوى الله عليه لكمال سلطانه - جل وعلا - و(ثم) في قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ تدل على الترتيب، أي أن خلق السماوات والأرض سابق على الاستواء على العرش، ومعنى ﴿استوى﴾ أي: على؛ لأن الاستواء في اللغة العربية إذا تعد بـ (على) كان معناها العلو، مثاله قول الله ﵎: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾، ومن ذلك قوله تعالى عن نوح: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظلمين﴾ .
فقوله: ﴿استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ يعني علوت عليه،
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٢/٥٦٩ - ٥٧٠رقم ٢٠٦) . وابن حبان كما في الموارد (١/١٩١- ١٩٢ رقم ٩٤) والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ١٠٩) .
[ ٣٦٦ ]
إذن ﴿استوى على العرش﴾ يعني على العرش، وإذا رأيت من يقول استوى على العرش أي استولى على العرش، فقد كذب على الله - ﷿ - لأن الله تعالى نزل هذا القرآن العظيم باللغة العربية، واللغة العربية تدل على أن استوى إذا تعدت بعلى فهي بمعنى العلو لا غيره، فيكون الذي يفسرها باستولى كاذب على الله - ﷿ - جانيًا على نصوص الكتاب، محرفًا لها، وجنايته عليها من وجهين:
الوجه الأول: صرفها عن ظاهرها.
والوجه الثاني: إحداث معنى لا يدل عليه الظاهر، وهذا قد يوجد كثيرًا في كتب الأشاعرة، سواء كانوا مفسرين أو غير مفسرين لكنهم بهذا والله والله والله قد ضلوا ضلالًا مبينًا، نسأل الله العافية، فمن الذي استولى على العرش حين خلق السماوات والأرض؟! إذا كان الله لم يستولِ عليه إلا بعد خلق السماوات والأرض فهو لمن من قبل؟! نعم يلزمهم أن يقولوا لغير الله، وإلا فقد أخطأوا يعني تبين خطأهم وهم مخطئون والحمد لله، ﴿يعلم ما يلج في الأَرض﴾ أي: ما يدخل فيها من جثث الموتى، ومن الحبوب التي تنبت بإذن الله، ومن المياه التي يسلكها الله ينابيع في الأرض ثم يخرجها، وغير ذلك من الحشرات وغيرها، فكل ما يلج في الأرض يعلمه الله.
﴿وما يخرج منها﴾ أي: من النبات والمياه والمعادن وغيرها، ﴿وما ينزل من السماء﴾ أي: من الملائكة والأمطار والشرائع وغير ذلك، ﴿وما يعرج فيها﴾ أي: إليها، لكن جاءت بلفظ
[ ٣٦٧ ]
﴿فيها﴾ بدل إليها لنستفيد فائدتين:
الفائدة الأولى: العروج يعني الصعود.
الفائدة الثانية: الدخول، لأن ﴿في﴾ يناسبها من الأفعال الدخول، تقول: دخل في المكان، أما عرج ويعرج فالذي يناسبها إلى، لكن الله - ﷿ - عدل عن قوله (يعرج إليها) إلى قوله ﴿يعرج فيها﴾ ليفيد الصعود، والدخول.
وضمن يعرج معنى يدخل. والتضمين موجود في القرآن الكريم، وفي اللغة العربية قال الله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرًا﴾ المناسب ليشرب (من) كما قال تعالى: ﴿يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون﴾ يعني منه، ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾ وهنا قال: ﴿يشرب بها﴾ قال العلماء: الحكمة أن يشرب هنا ضمنت معنى يروى، أي: يروى بها. ومعلوم أنك إذا قلت: يروى بها. فقد تضمن معنى يشرب، وزيادة. والتضمين فن مهم في باب البلاغة، ينبغي لطالب العلم أن يدرسه ويحققه، حتى يستفيد إذا اختلفت الحروف مع عواملها، ﴿يعرج فيها﴾ من الأشياء ما يصل إلى السماء الدنيا ويقف، ومنها ما يعرج في السماء الدنيا حتى يصل إلى الله - عزوجل - ﴿وهو معكم﴾ هو الضمير يعود إلى الله - ﷿ - ﴿معكم﴾ أي: مصاحب لكم، كما قال النبي ﷺ: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل» (^١) لكن هذه الصحبة ليست صحبة مكان. بمعنى أننا إذا كنا
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (١٣٤٢) .
[ ٣٦٨ ]
في مكان كان الله معنا. حاشا وكلا، لا يمكن هذا، وكيف يتصور عاقل أن الله معنا في مكاننا، وكرسيه وسع السماوات والأرض؟! هذا مستحيل، والكرسي موضع القدمين، كما جاء عن ابن عباس ﵁ (^١)،
فإذا كان كذلك هل يعقل أن رب السماوات والأرض الذي يوم القيامة تكون السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته هل يمكن أن يكون معنا في أماكننا الضيقة والواسعة؟ لا يمكن، إذا ﴿معكم﴾ أي: مصاحب لكم، والمصاحب قد يكون بعيد عنك، يقول العرب في أسلوبهم: ما زلنا نسير والقمر معنا، مازلنا نسير والقطب معنا. ما زلنا نسير والجبل الفلاني معنا، وليس معهم في مكانهم. ومعلوم أن القمر في السماء، والنجم في السماء، والجبل قد يكون بينك وبينه مسافة أيام، ومع ذلك فالعرب تطلق عليه المعية مع البعد في المكان، وكوننا نؤمن بأن الله معنا إذن هوعالم بنا، سميع لأقوالنا، بصير بأفعالنا، له القدرة علينا والسلطان، ومدبر لنا بكل معنى تقتضيه المعية، واعلم أن من الضلال من يقول: إن الله معنا في أمكنتنا، نسأل الله العافية، وينكرون أن الله في السماء عاليًا فأتوا داهيتين عظيمتين، الأولى: إنكار علو الله. والثانية: اعتقاد أنه في الأرض.
سبحان الله! هل يعقل أن يعتقد عاقل فضلًا عن مؤمن أنه إذا كان في المرحاض كان الله معه؟ أعوذ بالله، الذي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٢/٣٩ رقم ١٢٤٠٤) والحاكم (٢/٢٨٢) والخطيب البغدادي في تاريخه (٩/٢٥١ ٢٥٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٣١٣): رجاله رجال الصحيح..
[ ٣٦٩ ]
يعتقد هذا أشهد بالله أنه كافر، لأن أعظم استهزاء بالله وأعظم حط من قدر الله هو هذا، ثم نقول: إذا كان الله - كما يقولون - في كل مكان يعني أنه في الحجرة، وفي السوق، وفي المسجد، ثم من الذي يكون مع أناس في الحجرة، وأناس في الشارع؟ أهما إلهان؟ لا يمكن أن يقولوا إنه متعدد، هل هو متجزء؟ إذن بطل أن يكون معنا بذاته في أمكنتنا لأنه إما أن يكون متعددًا، وإما أن يكون متجزءًا، وكلاهما باطل، قررت هذا لأنه يوجد من يعتقد أن الله في كل مكان فنقول: المعية هي المصاحبة، ولا يلزم من المصاحبة المقارة في المكان، وكيف يمكن أن يكون الله معك في مكانك وهو ﷾ وسع كرسيه السماوات والأرض، ولكن هؤلاء الذين يعتقدون أنه في كل مكان ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوا عظمته وجلاله قال الله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأَرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويت بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ فكيف يعتقد أن الله معنا في مكاننا، فيجب على الإنسان أن يعرف نعمة الله عليه بكونه يؤمن بالقرآن الكريم ظاهره معظمًا لله حق تعظيمه ﴿أين ما كنتم﴾ أي: في أي مكان، لأن أين ظرف مكان ﴿والله بما تعملون بصير﴾ أي: بما تعملون من الأعمال كلها بصير، والبصر هنا يشمل بصر الرؤية قال النبي ﷺ عن ربه: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^١) ويشمل بصر العلم، فمن المعلوم أن
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام وفي قوله حجابة النور (رقم ١٧٩) .
[ ٣٧٠ ]
أعمالنا قد تكون مرئية الحركة، وقد تكون مسموعة كالأقوال، فرؤية المسموع العلم.
﴿له ملك السماوات والأَرض﴾ أي: لله تعالى وحده ملك السماوات والأرض خلقًا وتدبيرًا، فلا يملك السماوات والأرض أحد إلا الله - ﷿ - لا استقلالًا ولا مشاركة، قال تعالى: ﴿لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأَرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ فنفى الاستقلال ونفى المشاركة ﴿وما له﴾ أي: ما لله ﴿من ظهير﴾ أي: من مساعد ساعده على خلق السماوات والأرض، فله ملك السماوات والأرض وعددها سبع، قال الله تعالى: ﴿قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم﴾ والأرضون أيضًا عددهم سبع كما جاء ذلك ظاهرًا في القرآن وصريحًا في السنة، قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأَرض مثلهن﴾ يعني في العدد، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه يوم القيامة من سبع أراضين» (^١)
﴿وإلى الله ترجع الأُمور﴾، كل الأمور أي الشؤون العامة والخاصة، الدينية، والدنيوية، والأخروية كلها ترجع إلى الله - ﷿ - يتصرف كما شاء يحكم بما شاء ولا معقب لحكمه - ﷿ - فكل أمور الإنسان الخاصة ترجع إلى الله، ولذلك يجب عليك إذا ألمَّت بك ملمة أن ترجع
_________________
(١) تقدم ص ٣٦٤..
[ ٣٧١ ]
إلى الله - ﷿ - لأن المشركين وهم مشركون - إذا ألمت بهم الملمات التي يعجزون عنها يرجعون إلى الله - ﷿ - فإذا عصفت بهم الرياح في أعماق البحار على السفن يلجئون إلى الله ﷿، ويرجعون إلى الله، ويسألونه أن ينجيهم وهم مشركون، فكيف بك أنت أيها المسلم، فالجأ إلى الله في كل صغير أو كبير، ديني أو دنيوي خاص بك أو بأهلك، لا تلجأ لغير الله، فمن أنزل حاجته بالله قُضيت، ومن أنزل حاجته بغير الله وُكل إليه، فنقول: إلى الله ترجع الأمور عامة: الأمور الدينية والدنيوية والأخروية، والخاصة والعامة، وإذا آمنت بهذا ويجب أن تؤمن به صرت لا تلجأ إلا إلى الله - ﷿ - ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾، يولج أي يُدخل الليل في النهار، ويولج النهار أي يُدخله في الليل، وهذا يعني اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر، أحيانًا يبدأ الليل في الزيادة فيدخل على النهار، فهذا ﴿يولج الليل في النهار﴾ .
وأحيانًا يبدأ الليل ينقص ويزيد النهار، فيدخل النهار على الليل، ولا أحد يقدر على ذلك إلا الله ﷾، لو اجتمع الخلق كلهم إنسهم وجنهم، والملائكة ما استطاعوا أن يولجوا دقيقة واحدة من الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، والله - ﷿ - يولج الليل في النهار أو من النهار في الليل، ثم هذا الإيلاج لا يأتي دفعة واحدة، ولكنه يأتي تدريجيًا شيئًا فشيئًا، أول ما يبدأ بالزيادة تجده يأخذ قليلًا في اليومين أو الثلاثة دقيقة واحدة، ثم يبدأ يزداد حتى يكون عند تساوي الليل والنهار يأخذ حوالي دقيقتين في اليوم تدريجيًّا،
[ ٣٧٢ ]
أرأيتم لو جاء دفعة واحدة، كنا مثلًا في أطول يوم في السنة وإذا بنا في اليوم الثاني إلى أقصر يوم في السنة، فيترتب على ذلك مفاسد عظيمة؛ لأن الناس سينقلبون من حر مزعج إلى برد مؤلم في خلال أربع وعشرين ساعة، وهذا لا شك أنه مضر بالأبدان والنبات والجو، ولكنه - ﷿ - يولجه على تنظيم موافق للحكمة تمامًا، ولا أحد يستطيع أن يفعل هذا أبدًا مهما بلغ من القوة، ﴿وهو عليم بذات الصدور﴾، أي: صاحبة الصدور يعني القلوب، والدليل أنها القلوب قول الله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور﴾ إذن هو عليم بما في القلب، وإذا كنت تصدق بذلك فهل يمكن أن تضمر في قلبك ما لا يرضاه الله، إن كنت مؤمنًا؟ لا يمكن، فطهِّر قلبك من الرياء والنفاق، والغل على المسلمين والحقد والبغضاء، لأن قلبك معلوم عند الله - ﷿ -، اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا، اللهم طهر قلوبنا.
فطهر القلب من هذا، واملأه محبة لله تعالى وتعظيمًا، كما يليق به ومحبة للرسول ﷺ وتعظيمًا، كما يليق به، ومحبة للمؤمنين، ومحبة لشريعة الله تعالى، فلا تضمر في هذا القلب شيئًا يكرهه الله، فإن فعلت فالله عليم به لا يخفى عليه، فطهر قلبك حتى يكون نقيًا سليمًا، لأنه لا ينفع يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم كما قال - ﷿ -: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ وتغيرات القلب تغيرات سريعة وعجيبة، ربما ينتقل من كفر إلى إيمان، أو من إيمان إلى كفر في لحظة، نسأل الله الثبات، وتغير القلب يكون على حسب
[ ٣٧٣ ]
ما يحيط بالإنسان، وأكثر ما يوجب تغير القلب إلى الفساد حب الدنيا، فحب الدنيا آفة، والعجب أننا متعلقون بها، ونحن نعلم أنها متاع الغرور، وأن الإنسان إذا سرّ يومًا أسيء يومًا آخر، كما قال الشاعر:
ويوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
كل لذة في الدنيا فهي محوطة بمنغص، لذلك احرص على تطهير القلب من التعلق بالدنيا إلا فيما ينفعك في الآخرة، كأن تتعلق بالدنيا لتصبح غنيًا تنفق مالك في سبيل الله وفيما يرضي الله، - ﷿ - فهذا شيء آخر، وطلب المال للأعمال الصالحة خير، لكن طلب المال لمزاحمة أهل الدنيا في دنياهم شر.
﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ ﴿آمنوا﴾، الخطاب للعباد كلهم، ﴿بالله﴾ رب العالمين ﴿ورسوله﴾ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والأمر هنا للوجوب الذي هو أشد أنواع الوجوب تحتمًا، والإيمان بالله أن تؤمن بأنه رب العالمين، وأن تؤمن بأنه الإله المعبود حقًّا الذي لا يستحق العبادة إلا هو، وأن تؤمن بأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأن تؤمن بأنه الفعال لما يريد، وأن تؤمن أنه لا معقب لحكمه وهو السميع العليم، وأن تؤمن أن مرجع الخلائق إليه في الأحكام الشرعية والأحكام الكونية، فمن يدبر الخلق إلا الله - ﷿ - والذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون هو الله - ﷿ - ﴿ورسوله﴾ محمد ﵊، أرسله الله تعالى إلى جميع الخلق والإنس والجن. وختم به النبوات، فلا
[ ٣٧٤ ]
نبي بعده، والدليل ﴿ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ .
يعني كان رسول الله خاتم النبيين فلا نبي بعده، فمن ادعى النبوة بعده فهو كافر، يجب أن يقص عنقه إلا أن يتوب ويرجع، ﴿وأنفقوا﴾، الإنفاق البذل، ﴿مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ يعني المال؛ لأن الله جعلنا مستخلفين في المال فهو الذي ملكنا إياه، فلا منة لنا على الله بما ننفق، بل المنة لله علينا بما أعطى، والمنة له علينا بما شرع لنا من الإنفاق، ولولا أن الله شرع لنا أن ننفق لكان الإنفاق ضياعًا وبدعة، ولكن شرع لنا أن ننفق، فلله تعالى المنة أولًا فيما ملكنا من المال، وله المنة ثانيًا بما شرع لنا من إنفاقه، وله المنة ثالثًا بالإثابة عليه ﴿فالذين آمنوا منكم﴾ أي: آمنوا بالله ورسوله؛ لأنه قال: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا﴾ أي مما جعلهم مستخلفين فيه، ﴿لهم أجر كبير﴾، والآيات في هذا كثيرة ﴿لهم أجر كبير﴾، ﴿ولهم أجر عظيم﴾ ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾، فوصف الله الأجور على العمل بأنه كبير عظيم كثير، الكثير نأخذه من قوله: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ وبهذا نعرف منة الله علينا: يأمرنا بالعمل ونعمل به ويأجرنا عليه أجرًا كثيرًا، أجرًا عظيمًا، أجرًا كبيرًا، منة عظيمة كبيرة، فعلينا أن نشكر الله، وأن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه، فهل ننفق كل ما نملك أو بعض ما نملك؟ قال الله تعالى: ﴿وأنفقوا مما﴾ ومن هذه هل هي للتبعيض أو هي لبيان ما ينفق منه إذا كانت للتبعيض فالمعنى أنفقوا بعض ما رزقكم وليس
[ ٣٧٥ ]
كله.
إذا جعلناها للبيان، فالمعنى أنفقوا مما جعلكم حسب ما تقتضيه المصلحة: إما الكل وإما البعض، والأحسن أن تجعل ﴿مما﴾ للبيان، وإذا جعلناها للبيان صار الإنسان مخيرًا ينفق كل ماله، أو بعض ماله، أكثره أو أقله، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومعلوم أنه كلما كان المعنى أوسع كان الأخذ به كان أولى، والقرآن الكريم العظيم معانيه واسعة عظيمة، ولذلك حث النبي ﷺ مرة على الصدقة، وكان الصحابة - ﵃ - يتسابقون إلى الخير، كل واحد يحب أن يكون هو السابق، فقال عمر - ﵁ -: اليوم أسبق أبا بكر؛ لأن هذين الرجلين هما أخص الصحابة بالرسول ﵊، وأحب الصحابة إلى الرسول ﷺ، والنبي ﷺ يحب أبا بكر أشد من حب علي بن أبي طالب - ﵁ -، مع أن علي بن أبي طالب - ﵁ - ابن عمه وزوج ابنته، لكن أبا بكر - ﵁ - يحبه أشد وأكثر، فقد سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: «أبو بكر (^١)» وقال: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر (^٢)»
والمهم أن عمر كان هو وأبو بكر - ﵄ - كفرسي رهان، يحب أن يسبقه لا حسدًا لأبي بكر - ﵁ - ولكن حبًّا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي؟: لو كنت متخذًا خليلًا (٣٦٦٢) ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (٢٣٨٤) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي؟: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر (رقم ٣٦٥٤) ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (٢٣٨٢) ..
[ ٣٧٦ ]
للفضل لنفسه، قال: اليوم أسبق أبا بكر، فجاء بنصف ماله لينفقه، فقال النبي ﵊: يا عمر، «ماذا تركت لأهلك»؟ قال: تركت لهم الشطر، يعني النصف، وجاء أبو بكر فقال: «ما تركت لأهلك»؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، أي أتى بكل ماله، فقال عمر: - ﵁ - والله لا أسابقك على شيء بعد هذا (^١)، عرف أنه يعجز أن يسبق أبا بكر، والشاهد من هذا الحديث أن أبا بكر - ﵁ - تصدق بجميع ماله، فإذا رأى الإنسان المصلحة في أن يتصدق بجميع ماله، وأن عنده من قوة التوكل والاعتماد على الله واكتساب الرزق ما يمكنه أن يسترد شيئًا من المال لأهله ونفسه، فحينئذ نقول: تصدق بجميع مالك، وإذا كان الأمر بالعكس فكان رجلًا أخرق لا يعرف أن يكتسب، وليس هناك داع أن ينفق كثيرًا، فهنا نقول: الأولى أن تنفق بعض المال، وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويثبته، وكلما رأى فيه تزعزعًا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ومضى إلى سبيله، وأن ينفق من المال، والمال محبوب قال الله تعالى: ﴿وتحبون المال حبًا جمًا﴾ وقال - ﷿ -: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ ولا يمكن أن يبذل الإنسان شيئًا محبوبًا إليه إلا لما هو أحب، فإذا بذل الإنسان المحبوب إليه ابتغاءً لرضوان الله، علمنا أن الرجل يحب رضوان الله أكثر من المال، وبذلك يتحقق الإيمان، أسأل الله تعالى أن يجعلنا من ذوي العلم الراسخ
_________________
(١) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما (رقم ٣٦٧٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٣٧٧ ]
والإيمان الثابت، إنه على كل شيء قدير.
﴿وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين﴾ هذا معطوف على الآية التي قبلها وهي ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله﴾ يعني أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله، وقد تمت أسباب وجوب الإيمان به، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال ﷿: ﴿والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم﴾ يعني أخذ الله تعالى العهد أن تؤمنوا به وبرسوله، فصار هناك سببان للإيمان، الأول: دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه، والثاني: الميثاق الذي أخذه الله علينا، وذلك بما أعطانا - ﷿ - من الفطرة والعقل والفهم الذي ندرك به ما ينفعنا ويضرنا، هذا هو الصحيح في معنى الميثاق، وقيل: إنه الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهره، إن صح الحديث الوارد في ذلك (^١)
المهم أن الله تعالى ينكر على من لم يؤمن فيقول: ما الذي حملك على أن لا تؤمن، وقد تمت أسباب وجوب الإيمان بدعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبأخذ الميثاق ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يعني إن كنتم مؤمنين فالزموا الإيمان بالله ورسوله، ﴿هو الذي ينزل على عبده ءايات بينات﴾ لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الإيمان بين
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/٢٧ ٢٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر. ووافقه الذهبي وأخرجه أيضًا في (٢/٥٤٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي..
[ ٣٧٨ ]
أنه نزل عليه ﷺ ﴿ءايات﴾ أي: علامات دالة على صدقه، وأن ما جاء به هو الحق، ﴿بينات﴾ ظاهرات بما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة، والبيان العجيب، حتى إن العرب وهم أئمة البلاغة وأمراؤها تحداهم الله - ﷿ - عدة مرات أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولم يستطيعوا، ﴿ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ قوله: ﴿ليخرجكم﴾ يحتمل أن يكون المراد بذلك الرسول ﷺ أي يكون سببًا في إخراجكم من الظلمات إلى النور، ويحتمل أن يعود إلى الله - ﷿ - أي ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور، وكلا المعنيين حق، قال الله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ وقال الله تعالى: ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ فالنبي ﷺ سبب في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأما المخرج حقيقة فهو الله - ﷿ -، والمراد بالظلمات: ظلمات الجهل، وظلمات الشرك، وظلمات العدوان، وظلمات العصيان، وكل ما خالف الحق فهو ظلمة، وكل ما وافقه فهو نور، ﴿وإن الله بكم لرءوف رحيم﴾، هذه الجملة خبرية مؤكدة بإن، واللام ﴿لرءوف رحيم﴾ الرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو - ﷿ - رؤوف رحيم، أي ذو رحمة بالمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ ورحمة الله ﷾ إما
عامة وإما خاصة، فالعامة الشاملة لجميع الناس، والخاصة بالمؤمنين، كما قال - ﷿ -: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ فإذا قال قائل:
[ ٣٧٩ ]
أي رحمة من الله للكافر؟ فالجواب: أمده بأنعام وبنين، وعقل، وأمن، ورزق، بل الكفار قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا قال الله ﷿: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾ فإذا سألك سائل: هل لله رحمة على الكافر؟ لا تقل: نعم ولا لا، أما بالمعنى العام فنعم رحمة، ولولا رحمة الله به لهلك، وأما بالمعنى الخاص فلا، الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط قال - ﷿ -: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ ﴿وإن الله بكم لرءوف رحيم﴾ ولما أمرنا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين قال: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله﴾ يعني أي شيء يمنعهم، والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه، ففي سبيل الله هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق على النفس، والإنفاق على الزوجة، والإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء واليتامى، والإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فكل ما أمر الله تعالى بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية حتى إنفاقك على نفسك صدقة، وإنفاقك على زوجك صدقة، ولكن لاحظ النية، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص - ﵁ - «واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» (^١)،
فلزم هذا القيد، لابد أن تبتغي بها وجه الله إلا أجرت، أي: أثبت عليها، ﴿ولله ميراث السماوات والأَرض﴾ يعني كيف لا تنفق والذي سيرث السماوات
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب رقى النبي؟ سعد بن خولة (١٢٩٥) ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (١٦٢٨) ..
[ ٣٨٠ ]
والأرض هو الله، ومن جملة ذلك مالك الذي بخلت به سيرثه الله - ﷿ - وترجع الأمور كلها لله ﷾. قال أهل العلم: إن الشح في إنفاق المال سفه في العقل، لأن هذا المال إما أن يفنى في حياتك فتعدمه، وإما أن يبقى بعد موتك فإذا ورث مالك من بعدك فإما أن يرثه صالح فيكون أسعد به منك، وإما أن يرثه مفسد فتكون خلفت له ما يستعين به على إفساده، فإذا خلفت المال فإما أن تخلفه إلى من ينفقه في سبيل الله فيكون هو أسعد بمالك منك، وإما أن تخلفه لمفسد يستعين به على معصية الله فتكون أعنته على معصية الله، بما خلفت له من المال، إذن اللائق بك أن تنفقه في سبيل الله حتى يكون لك غنم وتسلم من غائلته لو ورثه من يفسد به، فتذكر يا أخي عندما تفكر في الإنفاق فيأتيك الشيطان فيأمرك بالبخل ويعدك الفقر، فكر أنك إذا خلفت هذا المال فلابد أن يورث، لن يدفن معك، لابد أن يورث ويكون الإرث دائرًا بين الأمرين السابقين.
﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء، وانتبه دين العدل في العمل والجزاء وليس كما يقول المحدَثون: «إنه دين المساواة»، هذا غلط عظيم، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل، والمؤمن والكافر سواء، ولا فرق، وسبحان الله إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، بل لابد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وآيات كثيرة، فاحذر أن تتابع فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا
[ ٣٨١ ]
دعاء ونداء، بدل من أن تقول: (الدين الإسلامي دين مساواة) قل: (دين العدل الذي أمر الله به، يعطي كل ذي حق حقه)، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث، وفي الدية، وفي العقيقة، وفك الرهان يختلفون. وفي الدين: المرأة ناقصة إذا حاضت لم تصل ولم تصم، وفي العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرا، والذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشرعية الإسلامية ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل يعطي كل إنسان ما يستحق، حتى جاء في الحديث: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود (^١)»
يعني إذا أخطا الإنسان الشريف الوجيه في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء، إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة، لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو وجد إنسان فاسق ماجن فهذا اشدد عليه العقوبة وأعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - ضاعف العقوبة بدل أربعين جعلها ثمانين (^٢)، كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن: «من شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه» (^٣)، لأن لا
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب في الحد يشفع (٤٣٧٥) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ١١٨٥) ..
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب الضرب بالجريد والنعال (رقم ٦٧٧٩) .
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه (١٤٤٤) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم ٦٣٠٩) .
[ ٣٨٢ ]
فائدة في جلده، ثلاث مرات نعاقبه ولا فائدة إذن خير له ولغيره أن يقتل، وإذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال الله ﷿: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأَنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذاب مهين﴾ والخلاصة أن التعبير بأن دين الإسلام دين ااساواة غلط وليس بصحيح، بل هو دين العدل ولا شك، والعجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام، يقولون إن النبي ﷺ قال: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى (^١)»
فيتناقضون، والحديث لم ينف مطلقًا، وإنما قال: «إلا بالتقوى» فهم يختلفون بالتقوى، ثم إن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﵊، لأنه قال: «إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (^٢)» ففضل، ولا شك أن جنس العرب أفضل من جنس غير العرب لا شك عندنا في هذا، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ورسالة، محمد ﷺ، وقد قال الله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ فالأجناس تختلف، وقال ﵊: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا (^٣)» فاحذر أن تتابع في العبارات التي ترد من
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/٤١١) . وقال الهيتمي في مجمع الزوائد (٣/٢٦٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح..
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي؟ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (رقم ٢٢٧٦) .
(٣) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾ (٣٣٥٣) ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف ﵇ (٢٣٧٨) .
[ ٣٨٣ ]
المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد، أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.
﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ أي: لا يكونوا سواء، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من عام ستة من الهجرة، وسمي فتحًا، لأنه صار فيه توسيع للمسلمين وتوسيع أيضًا للمشركين. واختلط الناس بعضهم ببعض، وأمن الناس بعضهم بعض حتى يسر الله - ﷿ - أن نقضت قريش العهد، فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم، فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان قال الله - ﷿ -: ﴿أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم، فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله ﷾ يجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يفهم منه أن لا فضل للاحقين قال: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ أي: كل من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني الجنة، ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي: عليمببواطن أموركم كظواهركم لا يخفى عليه شيء، وإذا كان عالمًا بها فسوف يجازي - جل وعلا - كل عامل بما عمل، قال الله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل
[ ٣٨٤ ]
مثقال ذرة شرًا يره﴾ .
ثم قال - ﷿ -: حاثًّا ومرغبًا في الإنفاق في سبيله، فقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له﴾ أي: أين الذين يقرضون الله قرضًا حسنًا، أي: ينفقون فيما أمرهم بالإنفاق فيه، وأشار الله في هذا إلى شيئين: إلى الإخلاص في قوله، ﴿من ذا الذي يقرض الله﴾ يعني لا يرى سوى الله - ﷿ - والمتابعة في قوله: ﴿حسنًا﴾؛ لأن العمل الحسن ما كان موافقًا للشريعة الإسلامية، والإخلاص والمتابعة هما شرطان في كل عمل: أن يكون مخلصًا لله، وأن يكون متابعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصف الله تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهًا بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره، لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرده عليك، هكذا أيضًا العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك، بل ﴿فيضاعفه له﴾ والمضاعفة هنا الزيادة، وقد بين الله ﵎ قدرها في سورة البقرة، فقال: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ فأنت إذا أنفقت درهمًا فجزاؤه سبعمائة درهم، ثوابًا من عند الله - ﷿ - والله فضله أكثر من عدله وأوسع، ورحمته سبقت غضبه، فيضاعفه له إلى سبعمائة بل إلى أكثر كما جاء في الحديث إلى أضعاف كثيرة، ﴿وله أجر كريم﴾، أي: حسن واسع، وذلك فيما يجده في الجنة، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال - ﷿ -: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: أذكر للأمة يوم ترى أيها الإنسان ﴿المؤمنين
[ ٣٨٥ ]
والمؤمنات﴾ يوم القيامة ﴿يسعى نورهم بين أيديهم﴾ أي: أمامهم ﴿وبأيمانهم﴾ يكون من الأمام ومن اليمين، أما من الأمام فلأجل أن يقتدي الإنسان به، وأما عن اليمين فتكريمًا لليمين يكون بين أيديهم وبأيمانهم، وقوله: ﴿يسعى نورهم﴾ يفيد أن هذا النور على
حسب الإيمان، لأن الحكم إذا علق بوصف كان قويًّا بقوة ذلك الوصف، وضعيفًا بضعفه، إذن نورهم على حسب إيمانهم الذكر والأنثى.
﴿بشراكم اليوم جنات﴾ تقول الملائكة لهم ﴿بشراكم﴾ أي: ما تبشرون به ﴿اليوم﴾ يعني يوم القيامة ﴿جنات تجرى من تحتها الأنهار﴾ هذه الجنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فيها ما يشاءون، كما قال الله ﷿: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ وجمعها لأنها جنات متعددة متنوعة، ودرجات مختلفة حسب قوة الإيمان والعمل وقوله ﴿تجرى من تحتها الأنهار﴾ أي: تسير، وقد بين الله ﵎ في سورة القتال أنها أربعة ﴿أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ وهذه الأنهار لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إلى جدول، بل تسير على سطح الأرض، حيث شاء أهلها، قال ابن القيم - ﵀ -:
أنهارها من غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان
فلا تذهب يمينًا ولا شمالًا إلا حيث أراد أهلها، وقوله ﴿من تحتها﴾ إشارة إلى علو قصورها وأشجارها، يعني تكون هذه الأنهار من تحت هذه القصور العالية والأشجار الرفيعة ﴿خالدين فيها﴾ أي:
[ ٣٨٦ ]
ماكثين فيها، وقد جاءت آيات متعددة بأن هذا المكث دائم ليس فيه زوال ولا انقطاع ولا تغير، ﴿ذلك هو الفوز العظيم﴾ المشار إليه ما وعدهم الله به الجنات التي تجري من تحتها الأنهار هو الفوز العظيم، و﴿هو﴾ يسميها العلماء ضمير فصل، وهو مفيد للتوكيد والاختصاص، أي هذا الذي ذكر هو الفوز العظيم، لأنه لا فوز مثله، كما أنه لا فوز أعظم منه، نسأل الله أن يجعلنا من أهله إنه على كل شيء قدير.
﴿يوم يقول المنافقون والمنافقت للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ ﴿يوم يقول﴾ أي: اذكر يوم يقول، فكلمة ﴿يوم يقول﴾ ظرف زمان، ولابد للظرف الزماني والمكاني، والجار والمجرور من شيء تتعلق به، والعلماء يقدرون المحذوف في كل مكان بما يناسب، وهنا المناسب أن يكون التقدير: اذكر أيها الإنسان يوم يقول المنافقون، هذا اليوم هو يوم القيامة، والمنافقون هم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ﴿يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم﴾ ولم يظهر النفاق إلا بعد أن قويت شوكة المسلمين بعد غزوة بدر، وكانت غزوة بدر في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، انتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا على الكفار، فلما بزغ فجر الإسلام وقويت شوكته ظهر النفاق. والنفاق هو أن الإنسان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فظهر ذلك في المسلمين، فكانوا يأتون إلى الناس ويحضرون الجماعة لكنها ثقيلة عليهم، «وأثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء
[ ٣٨٧ ]
وصلاة الفجر (^١)»،
لأنه ليس هناك أضواء يشاهدون فيها، وهم إنما يصلون يراءون الناس، وفي يوم القيامة يظهر نور للمؤمنين والمنافقين، ثم ينطفىء نور المنافقين، وأنت تعلم أيها الإنسان أن انطفاء النور بعد ظهوره يكون أشد ظلمة مما لو لم يكن هناك نور، ولهذا لو أطفأت النور القوي ثم فتحت عينيك لم تر شيئًا إلا بعد برهة من الزمن، فيكون انطفاء النور بعد وجوده أشد عليهم مما لو لم يكن هناك نور، ثم تكون الحسرة أشد، فيقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾، أي: نأخذ شيئًا قليلًا بقدر الحاجة، ﴿قيل ارجعوا وراءكم﴾، والقيل هذا إما من المؤمنين، أو من الملائكة، فالله أعلم لا ندري.
﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا﴾ وهل هو حقيقة يريدون أن يذهبوا إلى مكان النور، الذي انطفأ فيه النور لعله يتجدد النور، أو أن هذا من الاستهزاء بهم والسخرية؟ الآية محتملة هذا وهذا ﴿فضرب بينهم﴾ أي بين المنافقين والمؤمنين ﴿بسور له باب﴾ هذا سور عظيم، له باب يمنع من القفز، له باب يدخل منه المؤمنون ويمنع منه المنافقون، ﴿باطنه فيه الرحمة﴾ أي: باطن هذا السور فيه الرحمة للمؤمنين، ﴿وظاهره من قبله العذاب﴾ للمنافقين، وأنت لا تستطيع أن تتصور هذه الحال، لأن الحال أعظم من أن نتصورها، حال عظيمة ﴿ينادونهم﴾، المنادى المنافقون، والمنادى المؤمنون، ﴿ألم نكن معكم﴾ يعني
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل العشاء في الجماعة (٦٥٧) ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها (٦٥١) (٢٥٢) ..
[ ٣٨٨ ]
في الدنيا كنا نصلي معكم ونتصدق ونذكر الله، ﴿قالوا بلى﴾ يعني أنتم معنا، ولكن في الظاهر دون الباطن، ولهذا قالوا: ﴿ولكنكم فتنتم أنفسكم﴾ يعني أضللتموها ﴿وتربصتم﴾، انتظرتم بنا الدوائر ﴿وارتبتم﴾ شككتم في الأمر، فليس عندكم إيمان ﴿وغرتكم الأماني﴾ أي: ظننتم أنكم محسنون لأنكم تقولون إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، نوفق بين المؤمنين والكافرين، وبين الإيمان والكفر، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فهم مع المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، فهم مع الكفار، ظنوا أنهم بهذه المداهنة كسبوا المعركة، فغرتهم الأماني ﴿حتى جاء أمر الله﴾، وذلك بموتهم ﴿وغركم بالله الغرور﴾ .
الغرور هو الشيطان ودليل هذا قول الله ﵎ عنه حين وسوس إلى أبوينا قال الله عنه ﴿فدلاهما بغرور﴾، فالغرور هو الشيطان، ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية﴾ الأسير في الدنيا يمكن أن يفدي نفسه ويبذل المال فيسلم، لكن في الآخرة ليس فيه فدية، ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية﴾ أيها المنافقون، ﴿ولا من الذين كفروا﴾ الذين أعلنوا الكفر وصاروا أشجع من هؤلاء المنافقين فلا فدية لا لهؤلاء ولا لهؤلاء، ﴿مأواكم النار﴾ أي: مثواكم ومآلكم النار ﴿هي مولاكم﴾ الذي تتولونه، والتي تتولاكم، فهم يتولون النار بعمل أهلها، والنار تتولاهم لأنهم مستحقون لها ﴿وبئس المصير﴾ أي: المرجع وهذا تقبيح لها، أعاذنا الله منها، نسأل الله أن يجعلنا ممن زحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن الفائزين المتقين المفلحين.
﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ أي: ألم
[ ٣٨٩ ]
يحق لهؤلاء المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: أن تذل وتنقاد غاية الانقياد لذكر الله تعالى في القلوب واللسان والجوارح ﴿وما نزل من الحق﴾، يعني القرآن الكريم، وهو من ذكر الله، وذكره بخصوصه لأهميته، ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأَمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾، الذين أوتوا الكتاب من قبل هم اليهود والنصارى ﴿فطال عليهم الأَمد﴾ يعني طال بهم الزمن ونسوا حظهم مما ذكروا به فقست قلوبهم - والعياذ بالله - وكثير منهم فاسقون وبعضهم مستقيم، ففي هذه الآية الكريمة يبين الله - ﵎ - انه قد حق للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولكتاب الله، وأن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم لبعدهم عن زمن الرسالات، وفي هذا إشارة إلى أن أول الأمة خير من آخرها، وأخشع قلوبًا؛ وذلك لقربهم من عهد الرسالة، وقد صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^١)
وفي هذا التنديد التام باليهود والنصارى لأنها قست قلوبهم لما طال عليهم الأمد، وفيه العدالة التامة في حكم الله - ﷿ - حيث قال: ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ ولم يعمم، وهذا هو الواجب على من تحدث عن قوم أن يبين الواقع؛ لأن بعض الناس إذا رأى من قوم زيغًا في
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (٢٦٥٢) ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٢٥٣٣) ..
[ ٣٩٠ ]
بعضهم عمم الحكم على الجميع، والواجب العدل إن كان الأكثر هم الفاسقون، فقل: أكثرهم، وإن كان كثير منهم فاسقين فعبر بالكثير على حسب ما تقتضيه الحال، لأن الواجب أن يقوم الإنسان بالعدل ولو على نفسه أو والديه والأقربين.
﴿اعلموا أن الله يحي الأَرض بعد موتها قد بينا لكم الأيات لعلكم تعقلون﴾ اعلموا: فعل أمر، فأمر بالعلم بهذه القضية الهامة، وهي أن الله يحيي الأرض بعد موتها، يعني أن الأرض تجدها يابسة ليس بها نبات فينزل الله عليها المطر فتنبت وتحيا وتنمو، إذا علمنا هذا ونحن عالمون به ونشاهده، فإننا نستدل به على قدرة الله - ﵎ - على إحياء الموتى، فإن الناس أحياء الآن، ثم يموتون، ثم يبعثون يوم القيامة، فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها من أجل الحساب والجزاء؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله - ﵎ - خلقًا يأمرهم وينهاهم ويبيح دماء من لم يستجب وأموالهم ثم تكون النتيجة أن يموت الإنسان فقط، بل لابد من حياة، هي الحياة الحقيقية، كما قال - ﷿ -: ﴿وإن الدار الأَخرة لهي الحيوان﴾ ومعنى الحيوان، أي: الحياة الحقيقية التامة الكاملة التي ليس بعدها موت، وليس المراد بالحيوان الحيوانات الدواب، فالقادر على أن يجعل العيدان اليابسة خضراء نامية، قادر على أن يحيي الموتى وبكلمة واحدة، قال الله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ وقال ﷿: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ وقال
[ ٣٩١ ]
- ﷿ -:.
﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ ﴿قد بينا لكم الأيات لعلكم تعقلون﴾ أي: أظهرناها لكم، والآيات هي العلامات الدالة على كمال قدرة الله - جل وعلا - وعلى كمال رحمته وسلطانه، وأضرب لذلك مثلًا: إذا أنزل الله المطر ونبتت الأرض، وشبعت البهائم، وطابت الأجواء فهذا من آثار رحمته، فنستدل بهذا على رحمة الله، ونستدل بما خلق الله في الكون من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق الله تعالى في الأرض من الجبال والأنهار وغيرها على كمال حكمة الله - ﷿ - لأنك إذا تدبرتها وجدت فيها من الحكمة ما يبهر العقل، ﴿لعلكم تعقلون﴾ لعل هنا للتعليل وليست للرجاء، مع أنها في اللغة العربية تأتي للرجاء كثيرًا، لكنها هنا للتعليل؛ لأن الرجاء لا يمكن في حق الله، إذ إن الرجاء طلب شيء فيه نوع من العسر، لكن الله - ﷿ - لا يتصور في حقه الرجاء، لكن تأتي لعل للتعليل، أي لأجل أن تعقلوا، والمراد بالعقل هنا: عقل الرشد، أي: تعقلوا عقلًا ترشدون به، ويكون دليلًا لكم على ما فيه الخير ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾، ﴿إن المصدقين﴾ أصلها: إن المتصدقين، لكن قلبت التاء صادًا لعلة تصريفية معروفة عند أهل النحو، ﴿وأقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾ أي: أنفقوا في سبيل الله إنفاقًا حسنًا، والإنفاق الحسن ما جمع شرطين، الأول: الإخلاص لله - ﷿ -.
والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالمرائي الذي ينفق رياء لم يقرض الله قرضًا حسنًا، ومثال ذلك:
[ ٣٩٢ ]
إنسان تصدق على فقير من أجل أن يراه الناس، فيقولون: إن فلانًا كثير الصدقة، فهذا مرائي وصدقته لا تنفعه، ولا تقبل منه؛ لأن كل عمل يراد به غير الله فهو غير مقبول، قال الله - ﵎ - في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (^١) وإنسان آخر يتعبد لله تعالى بعبادات غير مشروعة، صاحب بدعة لكنه مخلص، لو سألته لِمَ فعلت هذا؟ قال: أريد ثواب الله، وأريد التقرب إلى الله، فلا تنفعه هذه العبادة، لعدم المتابعة، فقوله - ﷿ -: ﴿وأقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾ أي: مخلصين فيه لله، متبعين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: لماذا عبر الله تعالى بالقرض وهو الغني ﷾؟
فالجواب: يقول هذا - جل وعلا - ليبين أن أجرهم مضمون، كما أن القرض مضمون، وسيرد عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، لكن كيف تكون الواحدة بعشرة وهي ربا في القرض، كيف يكون هذا؟ الجواب: أولًا: لا ربا بين العبد وبين ربه. ثانيًا: القرض إذا أعطاك المقترض شيئًا بدون شرط فهو حلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استقرض بكرًا، والبكر يعني بعيرًا صغيرًا، وردَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥) .
[ ٣٩٣ ]
خيرًا منه وقال: «خيركم، أحسنكم قضاء» (^١)، ولهذا عبارة الفقهاء: (كل شرط جر نفعًا للمقرض فهو ربا)، ولم يقولوا كل زيادة، ﴿يضاعف لهم﴾ هذا خبر (إن) يعني إن المتصدقين والمتصدقات وأقرضوا قرضًا حسنًا يضاعف لهم، أي: يعطون أجرهم مضاعفًا، عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ﴿ولهم أجر كريم﴾ أي: ثواب كريم، والكريم هو الحسن الطيب، وذلك أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأصل الكرم الحسن، ودليل ذلك قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل - ﵁ - لما بعثه لليمن: «إياك وكرائم أموالهم» يعني إذا أخذت الزكاة اجتنب كرائم الأموال، يعني أحاسنه، «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (^٢) ثم قال - ﷿ -: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ الإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء:
الأول: الإيمان بوجوده.
الثاني: الإيمان بربوبيته.
الثالث: الإيمان بألوهيته.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه (رقم ١٦٠١) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء (رقم ١٤٩٦)، ومسلم كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (رقم ١٩) .
[ ٣٩٤ ]
والإيمان بوجود الله لا ينكره إلا مكابر في الواقع، لأن كل إنسان يعرف أن هذا الكون المستقر المنظم لابد له من موجد ومنظم، والموجد والمنظِّم هو الله - ﷿ - لأن كل إنسان يعلم أنه لا يستطيع أحد من البشر أن يتصرف بهذا الكون، مَن الذي يأتي بالليل مع وجود النهار؟ ومن الذي يأتي بالنهار مع وجود الليل؟ لا أحد يقدر، إذن كل إنسان عاقل فهو مؤمن بقلبه وإن أنكر بلسانه، مؤمن بوجود الله - ﷿ -، وجه ذلك أن هذه الخليقة العظيمة لابد لها من مدبر، لو قال قائل: إنها جاءت هكذا صدفة، فنقول: إن الشيء إذا جاء صدفة لا يكون منظمًا، ولو قال قائل: هي أوجدت نفسها، نقول: هذا أيضًا محال عقلًا، كيف توجد نفسها وهي عدم، هذا لا يمكن، إذن لابد لها من موجد، ولهذا قال الله تعالى في سورة الطور: ﴿أفرءيتم ما تمنون أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ والجواب: بل أنت يا ربنا، نحن لا نقدر أن نخلق جنينًا في بطن أمه أبدًا، قال الله - ﷿ -: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾ استمعوا يا أيها الناس، خطاب للناس كلهم: الكافر والمؤمن، ولهذا إذا قرأت الآية يجب أن تستمع ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا﴾ هذا الذباب المهين لا يمكن أن يخلقوه ﴿ولو اجتمعوا له﴾، كل المعبودات لا يمكن أن تخلق ذبابًا وهو من أصغر الحيوان وأذلها، زد على هذا، ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه﴾ يعني لو أن الذباب أخذ من هذه الأصنام شيئًا ما استطاعت أن تستنقذه منه، قال أهل العلم: المعنى لو وقع الذباب على أحد هذه الأصنام
[ ٣٩٥ ]
وامتص من الطيب الذي فيها، لأنهم يطيبون أصنامهم، ما استطاعت الأصنام أن تستنقذه، ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾، فلا يمكن لأحد أن ينكر من صميم قلبه وجود الله - ﷿ - أبدًا، لأنه باتفاق العقلاء أن كل حادث لابد له من مُحدث، ولا أحد
يحدث هذا الكون إلا الله - ﷿ -.
الثاني: الإيمان بربوبيته، أي أنه وحده الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للكون إلا الله، ولا مالك للكون إلا الله - ﷿ - حتى ملك الإنسان ما في يده ليس ملكًا حقيقيًّا، والدليل أنه لا يمكن أن يتصرف فيما في يده كما يشاء، لو أردت أن أحرقه منعت شرعًا، وحرام عليَّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال (^١)، إذن ملك الإنسان ما بيده ليس ملكًا حقيقيًا، بل إنه يختص به عن غيره فقط.
الثالث: الألوهية: هي أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله - ﷿ - وعبادة الأصنام غير حق، كما قال - ﷿ -: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ إذن الألوهية أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، أي لا معبود حق إلا الله - ﷿ - وما عبد من دونه فهو باطل، وعليه فلا تصرف العبادة إلا لله.
الرابع: الإيمان بالأسماء والصفات: قال الله - ﷿ -:
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى (ص ٢٧٨) .
[ ٣٩٦ ]
﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وصفاته كذلك عليا ليس فيها صفة نقص، قال الله ﵎: ﴿للذين لا يؤمنون بالأَخرة مثل السوء ولله المثل الأَعلى﴾ أي الوصف الأعلى، وأسماء الله تعالى كثيرة لا يمكن حصرها مهما أردت، والدليل على ذلك حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - «ما من إنسان يصيبه هم أو غم أو حزن ثم يقول: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (^١) . فجعل الله الأسماء ثلاثة أقسام، ما أنزله في كتابه، مثال الاسم الذي جاء في القرآن (الرحمن) أو علمته أحدًا من خلقك مثل (الرب، الشافي)، جاء في السنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (^٢) . وقال ﵊: «أما الركوع فعظِّموا فيه الرب» (^٣) فهذا مما علمه أحدًا من خلقه.
«أو استأثرت به في علم الغيب عندك» هذا القسم الثالث ما استأثر الله به في علم الغيب، واستأثر بمعنى انفرد، وما انفرد الله بعلمه فلم ينزله في الكتاب ولم يعلمه أحدًا من الخلق لا يمكن الإحاطة به
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/٣٩١، ٤٥٢) والحاكم (١/٥٠٩ - ٥١٠) وأبو يعلى (رقم ٥٢٩٧) وابن السني (رقم ٣٣٩، ٣٤٠) .
(٢) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم (ص ٣٦٧) .
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (٤٧٩) .
[ ٣٩٧ ]
إذن أسماء الله لا يمكن الإحاطة بها ولا هي محصورة بعدد، لأننا لا نعلمها، وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (^١) فالمعنى أن من الأسماء تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة هذا المعنى، ومعنى (أحصاها) أي: عرفها لفظًا، وعرفها معنى، وتعبد لله بمقتضاها، وليس المراد أن تحفظها فقط، بل لابد من حفظ اللفظ وفهم المعنى، والتعبد لله بها بمقتضاها، فمثلًا: إذا علمت أن الله - ﷾ - غفور فتعرض للمغفرة، لا تقل: الله غفور، وتفعل الذنب متى شئت، بل تعرض للمغفرة واستغفر الله تجد الله غفورًا رحيمًا، وإذا علمت أن الله عزيز فتتعبد الله بمقتضى هذا وتخاف منه وتحذر، وهلم جرا.
أما الإيمان بالرسل فإنه يتضمن تصديقهم كلهم من أولهم إلى آخرهم بما أخبروا به، إذا صح عنهم، وأما العمل بشرائعهم فإننا لا يلزمنا العمل إلا بشريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك لأن الشرائع السابقة كلها نسخت بهذه الشريعة، لقول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ وقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يعني أمة الدعوة - يهودي ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم إلا واحدًا (٧٣٩٢) ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (٢٦٧٧) (٦) .
[ ٣٩٨ ]
نصراني ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار» (^١) ﴿أولئك﴾، أي: الذين آمنوا بالله ورسله ﴿هم الصديقون﴾ أي: البالغون في الصدق مبلغًا كبيرًا، لأن الصديق صيغة مبالغة، والصدق يكون بالقصد وبالقول وبالفعل، فأما الصدق بالقصد فأن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله ﵎ لا يقصد غيره، وإذا قصد بعبادته شيئًا غير الله فقد أشرك ولا يقبل عمله، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث القدسي عن الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (^٢) .
الثاني: الصدق في القول بأن يكون الإنسان صادقًا فيما يخبر به، وقد أثنى الله تعالى على الصادقين، وأمرنا أن نكون معهم، فقال - جل وعلا -: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ وأثنى على المهاجرين الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، وأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصدق وحث عليه، ورغَّب فيه، فقال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولايزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد؟ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (١٥٣) .
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (رقم ٢٩٨٥) .
[ ٣٩٩ ]
الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولايزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا» (^١) .
أما الصدق بالفعل فمتابعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن من كان صادقًا فيما يدعي من محبة الله تعالى ورسوله ﷺ فليتبع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ وقد سمى بعض السلف هذه الآية آية المحنة، يعني الامتحان، فمن ادعى حب الله ورسوله قلنا له: عليك باتباع الرسول ﷺ، فإن اتبعه فهو صادق، وإن خالفه فليس بصادق، ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ الشهداء جمع شهيد، والمراد بهم من قُتلوا في سبيل الله، والقتال في سبيل الله: أن يقاتل الإنسان عدو الله لتكون كلمة الله هي العليا، قال ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه: أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^٢) .
فالشجاع يحب القتال، كالصياد يحب أن يصيد، ويخرج ويتجشم المصائب ليصيد الصيد، وإذا صادها صارت عنده
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٦٠٩٤) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (٢٦٠٧) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا (١٢٣) ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (١٩٠٤) .
[ ٤٠٠ ]
أرخص من كل شيء، فهذا يقاتل شجاعة، لأنه شجاع يحب أن يقاتل، ويقاتل حمية يعني عصبية لقومه، ويقاتل ليُرى مكانه، أي: رياء كما جاء في اللفظ الآخر، «ويقاتل رياء» قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ومن قاتل ليسترد أرضه المغصوبة فهو من باب الحمية إلا إذا قال: أريد أن أستردها لأقيم عليها شعائر الإسلام، فهذا في سبيل الله، أما من قاتل لأن هذه أرضه ويريد أن ترد إليه، فهذا حمية ليس له أجر الشهداء إذا قتل، هؤلاء الشهداء ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾ أي: ثوابهم العظيم كما قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بمآ ءاتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ ولما ذكر - ﷿ - أهل الإيمان وثوابهم ذكر أصحاب الشمال بعد ذلك قال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ لأن القرآن مثاني، تثنى فيه الأمور والمعاني، ولهذا تجد القرآن الكريم في الغالب إذا ذكر الله الجنة ذكر النار، وإذا ذكر أولياء الله ذكر أعداء الله، والحكمة من ذلك أن لا يمل الإنسان، لأنه كلما تنقل المعنى إلى معنى آخر نشط الإنسان، وحكمة أخرى أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله، أي متعبدًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا مرت به صفات المؤمنين قوي جانب الرجاء، وإذا ذكرت أحوال الكافرين غلب جانب الخوف.
﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ عطف التكذيب على
[ ٤٠١ ]
الكفر وهو نوع منه؛ لأنه أشد، فالذي يكفر ولم يكذب أهون من الذي يكفر ويكذب، فعطف كذبوا بآياتنا على كفروا من باب عطف الخاص على العام، كعطف الروح على الملائكة وهو منهم، قال الله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ والروح جبريل وهو من الملائكة، ﴿أولئك أصحاب الجحيم﴾ . الجحيم اسم من أسماء النار، وأصحابها يعني الملازمين لها، ولهذا إذا مرت آية فيها (أصحاب) فالمعنى أنهم ملازمون لها مخلدون فيها، نسأل الله العافية، وفي هذه الآيات الترغيب بالأوصاف التي توصل إلى الجنات، لأن الله تعالى لم يذكر لنا هذه الأمور لنتطلع عليها فقط، ولكن لنسعى لها، وفيها التحذير من الكفر والتكذيب؛ لئلا يقع الإنسان في هذا العقاب الأليم.
لما ذكر الله أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين وهم في الدنيا، كل يعمل على شاكلته، بين حقيقة الدنيا ما هي، وأمرنا أن نعلم من أجل أن يجتهد الإنسان في التأمل والتفكر، فالأمر بالعلم بشيء واقع يعني أن المطلوب أن تتأمل كثيرًا حتى يتبين لك الأمر، ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا﴾ وهي حياتنا هذه ﴿لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال﴾، خمسة أشياء: اللعب بالجوارح، بأن يعمل الإنسان أعمالًا تصده عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما اللهو بالقلوب فهو الغفلة، وهذا أشد وأعظم، وغفلة القلب - اعاذنا الله منها وأحيا قلوبنا - الغفلة عظيمة تفقدك جميع لذات الطاعة، وتحرم من جميع آثارها لقول الله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾ لم يقل: لا تطع من أسكتنا لسانه،
[ ٤٠٢ ]
بل قال: ﴿من أغفلنا قلبه﴾، وما أكثر ذكرنا باللسان مع غفلة الجنان، وهذا لا شك أنه ينقص الثواب، وينقص الآثار المترتبة على الذكر من صلاح القلب، والاتجاه إلى الله، والإنابة إليه وغير ذلك: ﴿وزينة﴾ أي: زينة بالملابس، وزينة بالمراكب، وزينة بالمساكن، وزينة في كل شيء، ولذلك تجد الإنسان ولو كان فقيرًا يحب أن يزين بيته، وكذلك سيارته عند الزواج إذا أراد الزواج يركب سيارة يجعلون عليها عقودًا من الأزهار وغيرها من الزينة ﴿وتفاخر بينكم﴾ أي: كل واحد يفخر على الثاني، إما بالقبيلة، أو بالعلم، يكون هذاعنده علم بالطب، وهذا لا يعرف، وهذا علمه بالهندسة وهذا لا يعرف، فيفخر عليه، وأقبح من ذلك التفاخر بالعلم الشرعي، لأن العلم الشرعي يجب على الإنسان إذا اكتسبه ومنَّ الله عليه به أن يزداد تواضعًا، وأن يعرف نفسه وقدر نفسه، ومن ذلك ما يحصل بين الشعراء في بعض الأحيان من التطاول على الآخرين ومن التفاخر كما يوجد في بعض الأفراح وبعض المناسبات مما نسمع.
﴿وتكاثر في الأموال والأولاد﴾ أي يحب أن يكون أكثر أموالًا وأكثر أولادًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ هذه حقيقة الدنيا، ومع هذا اللهو واللعب والتفاخر والزينة لا تبقى، فلابد أن تزول، وإذا طال الزمان عاد الإنسان إلى الهرم، وفي هذا يقول الشاعر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
[ ٤٠٣ ]
كل إنسان إذا فكر في عيشه وأنه في نعيم يقول: ما بعد ذلك؟! ما الذي بعده، إما موت أو هرم، إما أن تموت وتنتهي من الدنيا، وإما أن تهرم، وتكون عالة على ابنك وبنتك حتى أهلك يملونك، ولهذا أشار الله - ﷿ - إلى هذه الحالة فقال: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف﴾ لأنهما إذا بلغاالكبر اختل تفكيرهما وصارا يتعبان، فأنت إما أن تموت وإلا تصل إلى حال الهرم، هذا إن بقيت لك الدنيا، وإلا فقد تسلب إياها قبل أن تصل إلى الهرم وقبل أن تموت، فنأخذ من هذا الحذر من فتنة الدنيا، وكم من إنسان أطغته الحياة الدنيا فهلك، وفي الحديث القدسي: «إن من عبادي من إذا أغنيته أفسده الغنى» بل قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تفتح الدنيا فتنافسوا فيها كما تنافس فيها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم» (^١) وصدق الرسول ﵊، فأكثر الفسقة، وأكثر الكفرة من الملأ والأشراف، واقرأوا القرآن، مَن يكذب الرسل؟ هم الملأ والأشراف، واعتبروا بالواقع الآن، أكثر من يفسد الدنيا هم الأثرياء والأغنياء، الذين فتحت عليهم الدنيا، فليحذرها العاقل اللبيب، وليقتصر منها على ما ينفعه في الآخرة.
ثم ضرب الله لها مثلًا؛ لأن الأمثال تقرب المعاني، إذ إن المثل يعني قياس المعنى على المحسوس ﴿كمثل غيث﴾ أي:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب ١٢ (٤٠١٥) ومسلم، كتاب الزهد والرقائق (٢٩٦١) .
[ ٤٠٤ ]
مطر تنبت به الأرض وتزول به الشدة، ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته﴾ أي النبات الناشىء عنه، وأعجبهم: أي استحسنوه، والكفار هم الكافرون بالله - ﷿ - لأن الكافر تعجبه الدنيا ويفرح بها ويسر بها، وقلبه متعلق بها ليس له هم إلا ما يراه من زينتها ولهوها، فهو قد أعجب الكفار بالله، وخص الكفار لأن الكفار هم الذين يستحسنون الدنيا ويعجبون بها وتتعلق قلوبهم بها، أما المؤمنون فهم على العكس لا يهمهم إلا ما فيه مصلحة الآخرة، وقيل: إن المراد بالكفار هنا الزراع، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن إطلاق الكفار على الزراع نادر جدًا، هذا إن صح، والذين يقولون: إن المراد بهم الزراع يقولون: لأن الزارع يكفر الحب، أي: يستره في الأرض، ولكن ما قررناه أولًا هو الصواب: أن المراد بالكفار، هم الكفار بالله، يعجب الكفار نباته ثم بعدما يظهر ويعجب الكفار ويستحسنونه ويتعجبون منه ﴿يهيج﴾ أي: ييبس ويجف، ﴿فتراه مصفرًا﴾ بعد أن كان أخضر ناميًا يكون مصفرًّا دائمًا، ﴿ثم يكون حطامًا﴾ يعني: يتحطم ويتكسر؛ لأنه يبس، فماذا كانت النتيجة لهذا الزرع؟ التلف، والزوال، هذه حال الدنيا، تزهو للإنسان بنعيمها وقصورها ومراكبها وأموالها وأولادها وغير ذلك، وإذا بها تتحطم، كم من غني كان مسرورًا في أهله، منعمًا في بيته وفي مركوبه وفي ثيابه، وفي كل أحواله، وإذا به يعود فقيرًا، فتتحطم دنياه، فإن لم تكن مات وتحطمت دنياه بفراق هذه الدنيا، فلابد من أحد أمرين: فإما أن تفارقك الدنيا، وإما أن تفارقها، هذه حال الدنيا، وهذا أمر لا يشك فيه في
[ ٤٠٥ ]
الواقع، لكن النفوس معها غفلة يسهو بها الإنسان عن مثل هذا الأمر الواقع، فيظن أن كل شيء على ما يرام، ويستبعد زوال الدنيا،
أو زواله هو عن الدنيا، أما الآخرة فاستمع إليها، قال: ﴿وفي الأَخرة عذاب شديد﴾ للكافرين، ﴿ومغفرة من الله ورضوان﴾ للمؤمنين، فأيما أحق أن يؤثر الإنسان؟ الدنيا التي مآلها الفناء والزوال، أو الآخرة؟! يؤثر الآخرة هذا العقل، لأنك إن آثرت الدنيا ففي الآخرة عذاب شديد، وإن آثرت الآخرة ففيها مغفرة من الله ورضوان، ﴿ومغفرة﴾ للذنوب ﴿ورضوان﴾ بالحسنات، ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ هذه الجملة فيها حصر طريقة النفي والإثبات، وهو أعلى طرق الحصر، ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، يغتر بها الإنسان، فيلهو ويلعب ويفرح ويبطر ثم تزول، كل هذه الجمل وهذه الأوصاف يريد الله ﷿ - وهو أعلم - أن يزهد الإنسان في الدنيا ويرغبه في الآخرة، ومن زهد بالدنيا ورغب في الآخرة لم يفته شيء من نعيم الدنيا حتى وإن افتقر، فإنه لا يفوته نعيم الدنيا، ودليل هذا من القرآن والسنة، قال الله - ﷿ -: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبةً﴾ لم يقل لنكثرن ماله وأولاده وقصوره ﴿فلنحيينه حياة طيبةً﴾ مطمئنة مستريح البال فيها، ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء فصبر فكان
[ ٤٠٦ ]
خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» (^١) .
ثم قال - ﷿ -: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾ أمر بالمسابقة، وقد جاء الأمر في آية أخرى بالمسارعة فيجمع الإنسان بين المسابقة وهي شدة العدو في حال السير، وبين المسارعة يعني المبادرة إلى فعل الخير ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾ وذلك بفعل أسباب المغفرة، ومن أسباب المغفرة أن تسأل الله المغفرة، تقول: اللهم اغفر لي، أو تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ومن أسباب المغفرة فعل ما تكون به المغفرة كقول النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه» (^٢) وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيمن توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث بهما نفسه، غفر الله بهما ما تقدم من ذنبه (^٣)، وكقوله ﷺ: «من قال سبحان الله وبحمده، مائة مرة غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (^٤)
والأمثلة على هذا كثيرة، ﴿وجنة﴾ هي دار النعيم التي أعدها الله - ﷿ - للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها فاكهة ونخل ورمان، وعسل ولبن وغير ذلك،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (٢٩٩٩) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان (٣٨) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان (٧٥٩) .
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء (١٦٤) ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله (٢٢٦) .
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (٦٤٠٥) ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٢٦٩١) ..
[ ٤٠٧ ]
لكن لا تظن أن ما فيها يشابه ما في الدنيا؛ لأن الله يقول: ﴿فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين﴾ وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، اسم رمان لكن يختلف عن رمان الدنيا، فاكهة تختلف عن فاكهة الدنيا، فرش يختلف عن فرش الدنيا، وهلم جرا، وفي الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (^١) ﴿عرضها كعرض السماء والأَرض﴾، وفي سورة آل عمران: ﴿عرضها السماوات والأَرض﴾ ولا منافاة لأن الأول: عرضها كعرض السماء تشبيه. والثاني: عرضها السماوات والأرض أيضًا تشبيه، لكن يسميه أهل البلاغة تشبيه بليغ ﴿كعرض السماء والأَرض﴾، ومَن يستطيع أن يقدر عرض السماء والأرض؟ لا أحد يستطيع، السماوات بسعتها، السماء الدنيا واسعة جدًّا، كم بينها وبين الأرض من مسافة وهي محيطة بها، والسماء الثانية فوقها وهي أوسع منها، والثالثة أوسع وهلم جرا، إلى أن تصل إلى الكرسي. والكرسي يقول النبي ﵊: «ما السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» (^٢) حلقة المغفر صغيرة، ألقها في فلاة في الأرض ماذا تكون بالنسبة للفلاة؟ لا شيء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ (٧٤٩٨) ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٢٤) .
(٢) تقدم ص ٣٦٥.
[ ٤٠٨ ]
الحلقة» (^١)
فلن نستطيع أن ندرك عرض السماوات والأرض، والجنة عرضها كعرض السماء والأرض، ولذلك كان أقل أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه مسافة ألفي سنة (^٢)، وإنما ذكر الله تعالى أن عرضها عرض السماوات والأرض من أجل أن نحرص على ملء هذه الأرض أرض الجنة، وفي الحديث: «أن إبراهيم ﵊ قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اقرىء أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان، وإن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (^٣)
فاحرص يا أخي على أن تملأ ما تستحقه من هذه الجنة بذكر الله، وتلاوة كتابه، وغير ذلك مما يقرب إلى الله ﴿أعدت للذين آمنوا بالله ورسله﴾ أعدها الله - ﷿ - كما قال - ﷿ - ﴿أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، ومعنى الإعداد التهيئة للشيء، ﴿للذين آمنوا بالله ورسله﴾ آمنوا بالله، وبكل ما أوجب الله الإيمان به، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وقوله ﴿ورسله﴾ يشمل جميع الرسل الذين أولهم نوح وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، لكن إيماننا بالرسل يختلف عن إيماننا بمحمد ﵊، فإيماننا بالرسل بأن نؤمن بأنهم صادقون مبلغون عن الله، ونؤمن بكل ما
_________________
(١) تقدم ص ٣٦٥..
(٢) تقدم ص ٣٣٢.
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب ٥٨ (٣٤٦٢) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه..
[ ٤٠٩ ]
صح من أخبارهم، أما اتباعهم فلا اتباع إلا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم يشتركون مع الرسول بأن نؤمن بأنهم صادقون، وأن كل ما أخبروا به صدق، وأن كل ما جاءوا به فهو عدل ومناسب لأحوال أممهم في وقتهم، أما الاتباع فلا نتبع إلا واحدًا منهم وهو محمد ﷺ، وقوله: ﴿آمنوا بالله ورسله﴾ يدل على أن أهل الكتاب اليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة، لأنهم لم يؤمنوا برسل الله، والدليل أنهم كفروا بمحمد ﵊، والكافر برسول من الرسل كافر بالجميع، كيف وقد جاء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنسخ جميع الشرائع السابقة، قال الله - ﷿ -: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ مع أنه لم يسبق نوحًا أحد من الرسل؛ لأن من كذب رسولًا من الرسل فقد كذب جميع الرسل، فكيف بمن كذب محمدًا ﷺ الذي نسخت شريعته جميع الشرائع، والذي قال الله فيه: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به﴾ أخذ ميثاق النبيين كلهم.
﴿قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ وهذا الرسول هو محمد ﷺ، الرسل كلهم يؤمنون بالرسول ﵊، ولهذا في ليلة الإسراء كان محمد ﷺ إمامهم في صلاتهم، فاليهود والنصارى ليسوا من أهل الجنة بعد بعثة الرسول ﷺ، لأنهم لم يؤمنوا برسله، لأنهم كفروا بمحمد، بل هم كفروا برسلهم أيضًا، لقوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ ولأن عيسى ابن مريم ﵊ بشرهم بمحمد، قال الله - ﷿ - في
[ ٤١٠ ]
سورة الصف ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرءيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ فلما جاءهم هذا الرسول الذي بشر به عيسى، قالوا: هذا سحر مبين، وكفروا به، فهم كفروا بعيسى وردوا بشارته وأنكروها، ولا يجوز لنا أبدًا أن نقول أو نعتقد أن أديان اليهود والنصارى اليوم أديان صحيحة أبدًا، بل هي أديان باطلة، غير مقبولة عند الله، كما قال الله - ﷿ -: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ أي ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين بالله ورسله فضل الله في أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسله واتبعوا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثيبوا بهذه الجنات، ﴿يؤتيه من يشاء﴾ المشيئة هنا مقترنة بالحكمة، يعني من كان أهلًا للفضل آتاه الله الفضل، ومن لم يكن أهلًا له لم يؤته، والدليل قول الله - ﵎ -: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ فلن يجعل رسالته إلا فيمن هو أهل لها، وقال الله - ﷿ - ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ وقال - ﷿ -: ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرًا من الناس لفاسقون﴾ فلا تظن أن الله يعطي الفضل لمن شاء بدون سبب، لابد من سبب، فمتى
علم الله في قلب الإنسان خيرًا آتاه الخير، قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأَسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾ فأصلح قلبك فيما بينك وبين الله تجد الخير كله، ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾، أي: صاحب الفضل العظيم - ﷿ -، فلا أحد أعظم منة من الله تعالى، أوجدك من
[ ٤١١ ]
العدم، وأعدك وأمدك بالنعم، يسر لك الهدى، فلا أحد أعظم منة من الله، ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾ ولما جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأنصار في غزوة حنين حين قسم الغنائم بين المؤلفة قلوبهم كان يقرر عليهم قال لهم: «ألم أجدكم ضلَاّلًا فهداكم الله بي» قالوا: الله ورسوله أمن. قال: «ألم أجدكم متفرقين فألف الله قلوبكم بي»؟ (^١) قالوا: الله ورسوله أمن. كلما قال قولًا قالوا: الله ورسوله أمن، يعني أعظم منة، فالحاصل أن الله تعالى ذو الفضل العظيم، ولكن يؤتي فضله من هو مستحق له، كما قال - ﷿ -: ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ اللهم إني أسألك من فضلك العظيم أن تهدي قلوبنا وتصلح أعمالنا، وتختم لنا بخير إنك على كل شيء قدير.
﴿مآ أصاب من مصيبة في الأَرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير﴾ يعني جميع المصائب التي تصيب الإنسان في الأرض أو في نفسه قد كتبت من قبل. والمصيبة في الأرض كالجدب، وقلة الأمطار، وغور المياه وصعوبة منالها، وربما يقال أيضًا الفتن والحروب وغيرها ﴿ولا في أنفسكم﴾ أي: في نفس الإنسان ذاته من مرض، أو فقد حبيب، أو فقد مال، أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ﴿إلا في كتاب﴾، هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء، لما خلق الله ﷾ القلم قال له: اكتب
_________________
(١) تقدم ص ٦٩.
[ ٤١٢ ]
قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (^١) . سبحان الله ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى يوم القيامة، ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله - ﷿ -، لأن أمر الله تعالى إذا أراد شيئًا، يقول له: كن. فيكون، ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل ولكن لا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، فقد ظهر الآن من صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف الكلمات وهي عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، وقد يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء كن فيكون، ولما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هي في أمر سابق، ولهذا قال: ﴿إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ﴾، وقوله: ﴿نبرأهآ﴾ قيل: إنها تعود على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على النفس، وقيل: على الجميع، والصحيح أنها على الجميع، أي من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها، وذلك لأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ﴿إن ذلك على الله يسير﴾ يعني إن كتابة هذه المصائب يسير على الله - ﷿ - لأنه قال للقلم اكتب فكتب وهذا يسير، كلمة واحدة حصل بها كل شيء ﴿إن ذلك على الله يسير﴾، كل شيء فهو يسير على الله،
_________________
(١) تقدم ص ٢٩٦.
[ ٤١٣ ]
لأن الأمر كلمة واحدة كن فيكون، أرأيتم الخلائق يوم القيامة تبعث بكلمة واحدة، قال الله ﷿: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ وقال - ﷿ -: ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ أي: على وجه الأرض خرجوا من القبور، هذا يسير، ولما قال زكريا لله - ﷿ - حين بشره بالولد قال: ﴿قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا ولم أكن بدعآئك رب شقيًا﴾ يعني من الكبر ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًا﴾ قال الله - ﷿ -: ﴿كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا﴾ فالله - ﷿ - لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عنه شيء، ولا يتأخر عن أمره الكوني شيء، ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتك﴾ أي: أخبرناكم بأن كل مصيبة تقع فهي في كتاب، ﴿لكيلا تأسوا﴾ اللام للتعليل، وكي بمعنى أن، أي: لأن لا تأسوا، ومعنى تأسوا تندمواعلى ما فاتكم مما تحبون ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ أي: لا تفرحوا فرح بطر واستغناء عن الله بما آتاكم من فضله، فإذا علمت أن الشيء مكتوب من قبل فلا تندم على ما فات لأنه مكتوب، والمكتوب لابد أن يقع، ولا تفرح فرح بطر واستغناء إذا آتاك الله الفضل، لأنه من الله
مكتوب من قبل، فكن متوسطًا لا تندم على ما مضى، ولا تفرح فرح بطر واستغناء بما آتاك الله من فضله، لأنه من الله، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» . القوي في إيمانه وليس القوي في بدنه، وأصحاب الرياضة يجعلون هذا عنوانًا: «المؤمن
[ ٤١٤ ]
القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» ويقول: المراد بالمؤمن القوي في بدنه. وهذا غلط، (المؤمن القوي) هنا وصف يعود إلى ما سبقه وهو الإيمان، «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، وهذا يسميه البلاغيون الاحتراس، بمعنى أنه قد يظن الظان أن الضعيف لا خير فيه، قال: «وفي كل خير» ثم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (^١) والإنسان إذا علم أن كل شيء مقدر ولابد أن يقع رضي بما وقع، وعلم أنه لا يمكن رفع ما وقع أبدًا، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، وتغيير الحال - بمعنى رفع الشيء بعد وقوعه - من المحال، ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾، مختال في فعله، فخور في قوله، ومن الاختيال في الفعل أن يجر ثوبه، أو مشلحه، أو عباءته، أو غير ذلك مما يدل على الخيلاء، حتى وإن لبس ثوبًا وإن لم يكن نازلًا لكنه يعد خيلاء فهو خيلاء، الفخور هو المعجب بنفسه الذي يقول: فعلت وفعلت وفعلت، يفخر به على الناس، لأنك مادمت فاعلًا الشيء تريد ثواب الله فلا حاجة أن تفخر به على الناس، بل اشكر الله عليه، وحدِّث به على أنه من نعمة الله عليك.
ثم ذكر الله تعالى أوصافهم فيما بعد فقال ﴿الذين يبخلون﴾ أي: يمنعون ما يجب عليهم بذله من مال، أو
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله (٢٦٦٤) .
[ ٤١٥ ]
جاه، أو علم، مثال الأول: الذي يبخل بالزكاة وهي أعظم وأوجب ما ينفق، والإنفاق على من تجب نفقته من الأقارب والزوجات. ومثال الثاني: أن يجد الإنسان شخصًا مسلمًا واقعًا في مظلمة يتطلب المقام أن يشفع فيها، ليرفع عنه هذا الظلم ولكنه يبخل، فهذا بخل بجاه. ومثال الثالث: أن يبخل بتعليم الناس مما علمه الله - ﷿ - وأن يبخل بالجواب والفتوى إذا استفتي عن مسألة دينية وتعين عليه أن يفتي فيها، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «البخيل من إذا ذكرت عنده ولم يصلِّ عليَّ» (^١) اللهم صلِّ وسلم عليه، وهذا نوع من البخل، لأنه بخل بما يجب عليه، إذ إن القول الراجح أنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب على من سمعه أن يصلي عليه، بدليل الحديث الذي في السنن أن جبريل ﵇ قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رغم أنف امرء ذكرت عنده فلم يصلِّ عليك. قل: آمين. فقال: آمين» (^٢)
﴿ويأمرون الناس بالبخل﴾ أي: يقولون للرجل: لا تنقص من مالك، لا تتعب نفسك في الشفاعة لفلان، لا تتعب نفسك في تعليم العلم، فهؤلاء أمروا بالبخل فصاروا - والعياذ بالله - فاسدين مفسدين، قال الله - ﷿ -: ﴿ومن يتول﴾ أي: يعرض عن طاعة الله، ﴿فإن الله هو
_________________
(١) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله؟: رغم أنف رجل (٣٣٤٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله؟: رغم أنف رجل (٣٥٤٥) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه..
[ ٤١٦ ]
الغنى الحميد﴾، من يتول فإن الله ليس بحاجة إليه فهو - ﷿ - غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وهوالحميد، أي: المحمود على غناه، لأنه ليس كل غني يكون محمودًا، فالغني البخيل غير محمود، لكن الله - ﷿ - غني حميد يحمد على غناه؛ لأن الله - ﷿ - واسع العطاء، كثير العطاء، وفي هذه الآية دليل على أن الإنسان الذي يتولى عن طاعة الله إنما يضر نفسه، ولا يضر الله شيئًا، فإن الله غني، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» (^١) .
﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ هذه جملة مؤكدة باللام وقد، والقسم المقدر، والتقدير: والله لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، ولعل قائلًا يقول: كيف يقسم الله - ﷿ -؟ وكيف يؤكد الله خبره بالقسم وهو الصادق بدون ذلك؟
والجواب أن يقال: القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين يؤكد الأشياء الهامة، أو الأشياء المنكرة بأنواع المؤكدات حتى يطمئن المخاطب ولا يرتاب المرتاب، وهذا يذكر في القرآن كثيرًا، والتوكيد هنا ليس منصبًا على إرسال الرسل، لأن إرسال الرسل معلوم ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ لكنه منصب على قوله بالبينات أي أن الرسل جاءوا بالبينات، والبينات صفة لموصوف محذوف، والتقدير بالآيات البينات أي العلامات البينة الدالة على صدق رسالتهم وصحتها،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (رقم ٢٥٧٧) .
[ ٤١٧ ]
فإن الله تعالى ما بعث نبيًا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا من الحكمة والرحمة، أما كونه من الحكمة فليس من الحكمة أن يأتي رجل من بني آدم ويقول للناس: أنا رسول الله إليكم بدون آية، بدون بينة، ولو كلف الناس بالإيمان برسل الله بدون بينة لكان في ذلك مشقة عظيمة، ومن رحمة الله أن الله أيد الرسول بالآيات البينات الظاهرة، قال العلماء: والله تعالى من حكمته ورحمته جعل لكل نبي من الآيات ما يتبين به رسالتهم، مثال ذلك أرسل الله ﷾ موسى ﵇ إلى فرعون وأعطاه آيات بينات، قال الله تعالى: ﴿ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات﴾ منها العصا العجيبة، عصا عادية فيها آيات من آيات الله، منها أنه لما اجتمع السحرة الفجار بأمر فرعون ومساندته وألقوا حبالهم وعصيهم، وصارت هذه الحبال والعصي كأنها حيات وثعابين أرهبت الناس حتى موسى ﵊ أوجس في نفسه خيفة، لأنها فوق ما يتصور، سحرة مهرة أتوا بكل قوتهم وألقوا فملؤوا الأرض حبالًا وعصيًا، فجعلت هذه الحبال والعصي كأنها حيات وثعابين، ﴿فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءو بسحر عظيم﴾، أوحى الله إليه أن يلقي العصا، فانقلبت هذه العصا حية، وجعلت تلقف ما يأفكون.
كل الحبال التي جاءوا بها أكلتها هذه الحية، فهذه من آيات الله العظيمة، كيف تكون هذه الحية تأكل كل هذه الحبال والعصي، أين تذهب؟ لكنها - والله أعلم - بمجرد ما تأكلها تكون كالبخار، وإلا فبطن هذه الحية لا يسعها، لكن هذه آية، ونحن نتصور هذه
[ ٤١٨ ]
الواقعة خبرًا، ولكن لو رأيناها نظرًا كان الأمر أشد وأعظم، فنحن الآن لا نتصورها إلا في الخبر وفي الذهن فقط، ولكن لو شاهدت عرفت أن الآية عظيمة. والآية الثانية في هذه العصا أن موسى استسقاه قومه وطلبوا منه الماء فضرب حجرًا من الحجارة فتفجر عيونًا، اثنتا عشرة عينًا، لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة قبيلة، والآية الثالثة: أن موسى ﵊ لما أدركه فرعون وحشره إلى البحر أيقن أصحاب موسى ﵊ أنهم هالكون، وقالوا: إنا لمدركون، ليس لنا مفر، البحر أمامنا، إن خضناه غرقنا، وفرعون وجنوده خلفنا سيقضون علينا، قال أصحابه: إنا لمدركون. ولكن انظر إلى الإيمان واليقين، قال: ﴿كلا﴾ لن ندرك، ﴿إن معى ربي سيهدين﴾ أي: سيدلني على ما فيه النجاة. فأوحى الله إليه بأن اضرب بعصاك البحر فانفلق، فضرب البحر مرة واحدة بالعصا فانفلق اثني عشر طريقًا على عدد قبائل بني إسرائيل، وكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل، وانظر إلى الإيمان أيضًا كيف دخلوا في هذه الطرق والمياه على أيمانهم وعلى شمائلهم ولكنه الإيمان، لأنهم عرفوا أنهم ناجون ولابد. وعيسى ابن مريم ﵊ أعطاه الله تعالى آيات بينات، كان يبرىء الأكمه والأبرص بإذن الله، وهذان المرضان لا حيلة للأطباء فيهما إلى الآن، اللهم إلا الأكمه، وكان يحيي الموتى بإذن الله، يقول للجنازة أمام الناس: احيي.
فتحيا بإذن الله، وكان يخرج الموتى من قبورهم، يقف على القبر ويأمر صاحب القبر بأن يخرج ويخرج حيًّا، من يستطيع هذا إلا الله - عز
[ ٤١٩ ]
وجل - وجعله آية لهذا النبي ﵇. وكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخه فيطير، قال الله - ﷿ -: ﴿فيكون طيرًا بإذن الله﴾ وفي قراءة ثانية: (يكون طائرًا)، وإذا جمعت بين القراءتين صار المعنى طيرًا بإذن الله يطير، لأنه ما كل طير يطير، فالنعامة لها جناح ولكنها لا تطير، لكن يكون طيرًا يطير يشاهد في الجو وهو خلقه من طين، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، وجعله الله آية لعيسى.
فإن قال قائل: لماذا خص الله موسى بالعصا وخص عيسى بإحياء الموتى وخلق الطيور؟
قال أهل العلم: إن الله - ﷿ - حكيم يجعل لكل نبي من الآيات ما يناسب الوقت، وحال الناس حتى يعجزهم، فالسحر ترقى إلى حد بعيد في عهد موسى ﵊ فأراهم الله آية يعجزون عنها بالسحر، ولهذا السحرة في قصة موسى العارفون بالسحر ما ملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا، ألقي السحرة ساجدين، كأنهم بغير اختيار، فسجدوا وقالوا إعلانًا: ﴿قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾ وعيسى ﵊ ترقى في عهده الطب ترقيًا عظيمًا فأعطاه الله آية لا يستطيع الأطباء أن يأتوا بمثلها، أما محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه بعث في زمن البلاغة العظيمة التي ترقت إلى أعلى ما يكون في العرب واللسان العربي المبين أفصح الألسنة وأدلها على ما في الضمير، فبعثه الله - ﷿ - بقرآن كريم أعجز العرب أن يأتوا بمثله، ولن يأتي أحد بمثله لا الجن ولا الإنس، قال الله - عز
[ ٤٢٠ ]
وجل -: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ وصدق الله - ﷿ - فالقرآن كلام الله فكما أن الله ليس كمثله شيء، فكلامه ليس مثله كلام، وفي الحديث عن النبي ﷺ أن الله تعالى ما بعث نبيًّا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر حتى تقوم الحجة، قال: «وإنما الذي أوتيته وحي أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا» (^١)،
وحصل ما توقع والحمد لله، لأن آيته الكبرى هي القرآن العظيم، والقرآن العظيم باق، وكل الناس يقرأونه ويستنتجون منه من الآيات ما يزدادون به إيمانًا، ويعلمون به صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن قال قائل: ما الحاجة إلى إعطاء الأنبياء آيات؟ فنقول: الحاجة واقعة بل للضرورة، بل العقل أيضًا، لأنه ليس من العقل أن يأتي شخص ويقول: إنه رسول ثم يتبع، لابد أن يكون هناك بينة تدل على أنه رسول، ولو جاء إنسان في غير أمة محمد ﵊ وقال: إنه رسول ولم يأت بآية، فالناس معذورون إذا لم يتبعوه، وإلا لكان كل واحد يدعي أنه رسول، أما بعد النبي ﷺ فالنبوة انقطعت؛ لأنه كان خاتم النبيين، لذلك لابد أن يكون مع الأنبياء آيات تدل على صدقهم وعلى صحة ما جاءوا به من الشريعة ﴿وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ الكتاب: هو الوحي الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب قول النبي؟: بعثت بجوامع الكلم (رقم ٧٢٧٤) . ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد؟ إلى جميع الناس (رقم ١٥٢) ..
[ ٤٢١ ]
أوحاه الله تعالى إليهم وما من رسول إلا معه كتاب، بخلاف النبي، فالنبي قد لا يكون معه كتاب، لكن الرسول لابد أن يكون معه كتاب، لأن الرسول لابد أن يعطي الناس الذين يدعوهم ما يشاهدونه بأعينهم. وفيه الأمر والنهي، والخبر والقصص وغير ذلك مما تقتضيه الحال.
وقوله: ﴿الكتاب﴾ المراد الجنس، يعني الكتب، وقوله: ﴿والميزان﴾ أي: العدل الذي توزن به الأشياء ويعرف قدرها وحالها، وهذا يدل دلالة واضحة على أن القياس الصحيح مما بعث به الرسل، لأن القياس تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ أي: العدل والمقايسة بين الأمور ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ أي ليقوم الناس في الدين والدنيا بالقسط بالعدل في حق الله، وفي حق العباد، والعدل في حق الله ما ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل ﵁ حين قال له: «أتدري يا معاذ ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» (^١) . يعني أن لا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئًا، أما حق المخلوق، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأت منيته وهو يؤمن
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي؟ أمته إلى توحيد الله ﵎ (٧٣٧٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (٣٠) .
[ ٤٢٢ ]
بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (^١) هذا الشاهد، أي: أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ولو أننا عاملنا الناس بهذا لاستقام العدل ولم يتجرأ أحد على ظلم أحد، ولو أننا شعرنا للناس بما نشعر به لأنفسنا لحلت في قلوبنا الرحمة والتواضع، لأن كل إنسان يحب أن يعامله الناس بالرحمة والتواضع، فعامل الناس أيضًا بالرحمة والتواضع.
فاللام في قوله ﴿ليقوم﴾ للتعليل يعني أرسلنا الرسل وأنزلنا معهم الكتاب، وأنزلنا معهم الميزان لهذه الحكمة، ليقوم الناس بالقسط، ولهذا لا تجد أعدل من دين الله - ﷿ - في كل زمان ومكان، وكل ما خالف دين الله - ﷿ - فهو جور وظلم، ولهذا أخبر النبي ﵊ أن أظلم الظلم أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. ثم سئل: أي الظلم أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» (^٢) فلو مشى الناس على شريعة الله لقاموا بالقسط، لكن كل من لم يتمش على شريعة الله فهو جائر، قال الله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر﴾ يعني من السبيل ما هو جائر وهو سبيل الظالمين، ثم ذكر الله ﵎ ما يحصل به النصر من جهة أخرى، لأن النصر يكون بالوحي ويكون بالبأس وهو ما ذكره في قوله: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس﴾
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (١٨٤٤) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿ولا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ (رقم ٤٤٧٧) ومسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده (رقم ٨٦) .
[ ٤٢٣ ]
أنزلنا الحديد يعني خلقناه لهم من المعادن واستنبط بعض العلماء من قوله: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ على أن المعدن إذا كان في قمم الجبال فهو أقوى وأنفع مما إذا كان في أسفل، لأن النزول إنما يكون من أعلى، فالله أعلم هذا يرجع إلى علم الجيولوجيا، لكن أنزلنا بمعنى وضعنا لهم الحديد، وهو معدن معروف من أقوى المعادن ﴿فيه بأس شديد﴾ أي: في الحرب، تصنع منه السيوف والخناجر وجميع آلات الحرب، وإنما ذكره بعد ذكر الكتب، لأن الدين لا يقوم إلا بهذا: بالدعوة والقتال.
فإذا أبى الكفار أن يكون دين الله هو العالي فحينئذ يقاتلون، بالحديد ﴿ومنافع للناس﴾ جمع المنافع لأنها لا تحصى أجناسها، فضلًا عن أنواعها وأفرادها، فمن يحصي المنافع التي تحصل بالحديد؟! ولهذا جاءت بالجمع المعروف بصيغة منتهى الجموع، ﴿ومنافع للناس﴾ دينية ودنيوية، فردية وجماعية ﴿وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ معطوفة على ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ والمراد علم الظهور الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، أما علم أنه سيكون، فهذا سابق على إرسال الرسل وإنزال الكتب، لأنه سبحانه لم يزل ولايزال عالمًا بكل شيء، ولكن لا يشكل عليك الأمر، لا تقل: إن الله لا يعلم إلا بعد هذا، نقول: العلم علمان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم بالشيء بعد وجوده. والعلم السابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب حتى يمتحن للناس، ﴿من ينصره﴾، أي: ينصر دينه، وليس المعنى ينصر نفس الله، لأن الله غني عن العالمين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم
[ ٤٢٤ ]
ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم﴾ . فلو قال قائل: كيف تفسر الآية ينصر دينه والله يقول: ﴿من ينصره﴾ هذا تفسير مخالف للفظ وأنتم تنكرون على من يفسر القرآن بما يخالف ظاهر اللفظ، فما الجواب؟ فالجواب: نحن لا ننكر على الناس إذا فسروا القرآن بما يخالف ظاهر اللفظ إذا كان ذلك بدليل، ولهذا إذا قال قائل في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ المعنى إذا قرأت القرآن أي أردت قراءته، فهذا فسره بخلاف ظاهره، ولكنه تفسير صحيح، لأن الإنسان يستعيذ بالله إذا أراد أن يقرأ، وليس إذا تم القراءة.
بدليل فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن هذا هو الذي يفيد أن يستعيذ الإنسان بالله قبل أن يقرأ ليقرأ والشيطان بعيد عنه، على كل حال إذا قال لك قائل: كيف تفسر قوله تعالى: ﴿من ينصره﴾ أي من ينصر دينه وأنت تنكر على من يفسر القرآن بخلاف ظاهره، فالجواب: أننا لا ننكر على من يفسر القرآن بخلاف ظاهره إذا كان في ذلك دليل صحيح، والدليل على أن المراد ينصر دينه قوله: ﴿إن الله قوى عزيز﴾ ليس به حاجة، ولا يحتاج إلى أحد، فهو قوي عزيز غالب، غالب بقوة، لا يلحقها ضعف، وقوله - ﷿ -: ﴿ورسله﴾ نصر الرسل، إذا كان الرسول حيًّا فالمراد ينصر الرسول نفسه وشريعته، وبعد موته ينصر شريعته، وفي هذا دليل على أن نصر الشريعة نصر لمن جاء بها، فلا يشكل على هذا أن الله ﷾ قد يميت الرسول قبل أن يرى النصر الواسع له، لأننا نقول: نصر شريعته نصر له، وقوله: ﴿بالغيب﴾ أي: أنه ينصر الله
[ ٤٢٥ ]
- ﷿ - وينصر رسله وهو لم ير الله، لأن الله تعالى ينصر ولا يُبصَر في الدنيا، ولهذا قال بعض السلف: (ينصرونه ولا يبصرونه) تفسيرًا لقوله: ﴿بالغيب﴾ ينصرونه ولا يبصرونه، فالمراد لا يبصرونه في الدنيا، أما في الآخرة فنظر الله تعالى حق ثابت بالقرآن والسنة وإجماع الصحابة - ﵃ - إذن بالغيب، أي: ينصرون الله وهو غائب، ويحتمل أن يكون المعنى بالغيب، أي: بغيبتهم عن الناس، فيكون في هذا دليل على إخلاصهم، وأنهم ليسوا ممن يعبدون الله إذا كانوا بين الناس، بل يعبدون الله تعالى في الغيب والشهادة ﴿إن الله قوى عزيز﴾ هذه الجملة استئنافية لبيان أن نصر الله - ﷿ - ليس عن ضعف ولا عن قهر، بل هو قوي عزيز لا يحتاج إلى أحد ينصره بنفسه، ولكن النصر لدينه، نسأل الله أن يجعلنا من أنصار دينه إنه على كل شيء قدير.
﴿ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، الأول: القسم المحذوف. والثاني: اللام. والثالث: قد، ونوح ﵊ هو أول الرسل ﵊ من أولي العزم الخمسة، وإبراهيم ﵊ هو أبو الأنبياء من بعده، وإليه يرجع الأنبياء، أي: إلى ملته، ولهذا يتنازع فيه المسلمون واليهود والنصارى، فاليهود يقولون: إنه يهودي، والنصارى يقولون: إنه نصراني، والمسلمون يقولون: إنه حنيف مسلم، وهذا هو الحق، والعجب أن اليهود والنصارى يقولون: إنه يهودي
[ ٤٢٦ ]
أو نصراني، وما كانوا يهودًا ونصارى إلا من بعده، ولكنهم ليس لهم عقول، ﴿وجعلنا في ذريتهما﴾ أي: ذرية نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام النبوة والكتاب، يعني الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي هذا دليل على أن آدم ليس برسول، وأن إدريس ليس قبل نوح كما ذكره بعض المؤرخين، وهو خطأ مخالف للقرآن الكريم، فليس قبل نوح رسول، وآدم نبي مكلم كلمه الله - ﷿ - بما شاء من وحيه، ثم سار على نهجه بنوه من بعده، فلما انتشر الناس وكثروا صار بينهم اختلاف، كما قال - ﷿ -: ﴿كان الناس أمةً واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ . وقوله: ﴿الكتاب﴾، المراد الجنس، لأن كل رسول معه كتاب، كما قال - ﷿ -: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب﴾ ﴿فمنهم مهتد﴾ أي: بعضهم مهتد، وحذفت الياء كما هي القاعدة في اللغة العربية، وأصلها مهتدي بالياء، لكن حذفت للتخفيف ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ أي: غير مهتدين، وهذا هو الواقع أن بني آدم أكثرهم ضال، كما قال - ﷿ -: ﴿وإن تطع أكثر من في الأَرض يضلوك عن سبيل الله﴾ .
﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتينه الإنجيل﴾ قفينا بمعنى اتبعنا، مأخوذ من القفا، لأن من يمشى من قفاك هو تابع لك ﴿على آثارهم﴾ أي: آثار نوح وإبراهيم ومن كان من الرسل الآخرين عليهم الصلاة والسلام ﴿برسلنا﴾ أي: التابعين لهم، ﴿وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ نص على عيسى ﵇ لأنه ليس
[ ٤٢٧ ]
بينه وبين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول، بل ولا نبي أيضًا، ليس بينه رسول ولا نبي، وما يقال: إن خالد بن معادن وغيره له النبوة فكله كذب، ﴿وءاتينه الإنجيل﴾ هو كتاب أنزله الله - ﷿ - على عيسى، ويعتبر مكملًا للتوراة، لأن التوراة هي أم الكتب في بني إسرائيل، ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً ابتدعوها﴾، ثلاثة أشياء جعلها الله في قلوب النصارى الذين اتبعوا عيسى ﴿رأفةً﴾ الرأفة نوع من الرحمة ولكنها أرق وألطف ﴿ورحمةً﴾ فهم من أرق الناس قلوبًا، وأرحمهم بالخلق لما كانوا على شريعة عيسى ﵇، ولكن بعد أن كفروا بمحمد صاروا أغلظ الناس، أو من أغلظ الناس، كما جرى بين المسلمين وبين النصارى في الحروب الصليبية وغيرها ﴿ورهبانيةً﴾ الانقطاع عن الدنيا للعبادة، ﴿ابتدعوها﴾ يعني من عند أنفسهم، كما فعلت بعض فرق المسلمين، ابتدعوا رهبانية ما أنزل الله بها من سلطان، لكن معهم رقة ورحمة ﴿ما كتبنها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ يعني أنا لم نفرضها عليهم، ولكن هم طلبوا رضوان الله، ولهذا نقول: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ استثناء منقطع، ولكن مع كونهم ابتدعوها واختاروا بأنفسهم ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ يعني ما قاموا برعايتها الواجبة من إحسان هذه الرهبانية التي ابتدعوها، وإنما تصرفوا فيها كما يشاؤون، ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾ أي: ثوابهم ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ أي: كثير من هؤلاء النصارى فاسق،
أي: خارج عن طاعة الله - ﷿ -، وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا ابتدع بدعة فإنه لا
[ ٤٢٨ ]
يوفق لإقامتها، فيكون ضالًاّ في الأصل، وضالًاّ في الفرع، حتى لو اجتهد، حتى لو خشع، إنك تجد كثيرًا من الناس الذين ابتدعوا أذكارًا، أو صلوات، أو أدعية، أو ما أشبه ذلك تجدهم خاشعين، قلوبهم باكية، قلوبهم خاشعة لكن لا ينفعهم ذلك، لأنهم على ضلال، نسأل الله السلامة والعافية.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾ يا أيها الذين آمنوا، المراد بهم هذه الأمة، فيكون قوله: ﴿اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾ يعني اثبتوا على الإيمان، ولا تبدلوا الإيمان، لأن الإيمان قد حصل، حيث قال ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فيكون المعنى ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بقلوبكم ﴿اتقوا الله﴾ بجوارحكم ﴿وآمنوا برسوله﴾ أي: حققوا الإيمان واثبتوا عليه، وليس كل من آمن يكون مؤمنًا حقًّا، وهذا هو ما يعنيه العلماء بقولهم، هذا نفي كمال الإيمان مثل قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (^١)،
ليس المراد نفي مطلق الإيمان، بل نفي الإيمان المطلق الكامل، وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية في أهل الكتاب، لأنه قال: ﴿وآمنوا برسوله﴾، ولكن هذا قول ضعيف جدًّا، ولا يمكن أن ينادي الله - ﷿ - أهل الكتاب وهم كفرة بوصف الإيمان أبدًا، لا يمكن أن يكون المراد بقوله: ﴿يا أيها
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (رقم ١٣) ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير (رقم ٤٥) ..
[ ٤٢٩ ]
الذين آمنوا﴾ يا أيها اليهود والنصارى، لأنهم حين نزول القرآن إذا بقوا على يهوديتهم ونصرانيتهم ليسوا بمؤمنين، والمراد برسوله هنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإيمان بالرسول ﷺ يتضمن الإيمان بجميع الرسل، كما قال - ﷿ -: ﴿آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ يعني في الإيمان به، لا في الاتباع، ففي الاتباع نفرق بين الرسل، فتبع منهم محمدًا ﷺ، لكن الإيمان كلهم على حد سواء، نؤمن بأنهم رسل الله حقًّا، ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ أي: نصيبين من رحمة الله، ولهذا مثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذه الأمة بالنسبة لما قبلها كرجل استأجر أجراء، منهم طائفة من أول النهار إلى نصف النهار، وطائفة من نصف النهار إلى العصر، وطائفة من العصر إلى غروب الشمس، فالطائفة الأولى أعطى كل واحد منهم دينارًا، والطائفة الثانية أعطى كل واحد دينارًا، والثالثة أعطى كل واحد دينارين فاحتج الأولون: لماذا تعطي هؤلاء دينارين، وهم أقل منا عملًا؟ فأجابهم بقوله: «هل نقصتكم من أجركم شيئًا»؟ قالوا: لا، قال: «ذلك فضلي أوتيه من أشاء» (^١)،
فالحمد لله هذه الأمة لها مثل أجر الأمم السابقة مرتين، ﴿ويجعل لكم نورًا تمشون به﴾، أي: أنكم إذا آمنتم وحققتم الإيمان مع التقوى يثبكم ثوابين ﴿ويجعل لكم نورًا تمشون به﴾ أي: علمًا تسيرون به إلى الله
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (رقم ٥٥٧) ..
[ ٤٣٠ ]
- ﷿ - على بصيرة، وفي هذا دليل على أن التقوى من أسباب حصول العلم، وما أكثر الذين ينشدون العلم، وينشدون الحفظ، ويطلبون الفهم، فنقول: إن تحصيله يسير، وذلك بتقوى الله - ﷿ - وتحقيق الإيمان، الذي هو موجب العلم، فاعمل بما علمت يحصل لك علم ما لم تعلم، فتقوى الله - ﷿ - من أسباب زيادة العلم ولا شك، ولهذا قال ﴿ويجعل لكم نورًا تمشون به﴾ أي: تسيرون به، أي: بسببه سيرًا صحيحًا يوصلكم إلى الله - ﷿ - ﴿ويغفر لكم﴾ أي: يسترها عليكم، ويعفو عنكم، فلا عقاب ولا فضيحة ﴿والله غفور رحيم﴾ أي: ذو مغفرة ورحمة، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ وقال - ﷿ -: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾ فالغفور يعني ذا المغفرة، والرحيم يعني ذي الرحمة، وذلك أن الإنسان محتاج إلى مغفرة ذنوب وقعت منه، وإلى رحمة تسدده ويتجنب بها المعاصي، ويهتدي إلى التوبة إن عصى، ثم قال: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله﴾ أي: جعل لكم هذا الثواب، ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم لا يستطيعون أن يحسدوكم على ما آتاكم اللهمن فضله، مع محاولتهم الشديدة أن يحسدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم﴾ فيقول - ﷿ - هنا ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله﴾ لا إعطاء ولا منعًا ﴿وأن الفضل بيد الله﴾ - عز
[ ٤٣١ ]
وجل - وهو المدبر لكل ما يريد على حسب ما تقتضيه حكمته ﴿والله ذو
الفضل العظيم﴾ أي: صاحب الفضل العظيم، وما أعظم فضل الله - ﷿ - على عباده، فقد قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون﴾ نسأل الله تعالى أن يؤتينا من فضله، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٣٢ ]