﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ تقدم الكلام على البسملة، ﴿والذاريات ذروًا فالحاملات وقرًا فالجاريات يسرًا فالمقسمات أمرًا﴾ أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات لأنها دالة على عظمته ﵎، ولما فيها من المصالح والمنافع، أما قوله: ﴿والذاريات ذروًا﴾ فالذاريات هي الرياح تذر التراب وغير التراب، قال الله ﵎: ﴿فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾ أي: تفرقه في أمكنة متعددة، وأقسم الله بالذاريات لما فيها من المصالح الكثيرة، ففي تصريفها حكمة بالغة، فمنها الرياح الدافئة، ومنها الرياح الباردة، على حسب ما تقتضيه حكمة الله - ﷿ - ولأن الرياح تثير سحابًا فيسقي به الله الأرض؛ ولأنها تسير السفن، ففيما سبق كانت السفن تجري على الرياح، قال الله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان﴾ .
﴿فالحاملات وقرًا﴾ المراد بها السحاب، تحمل المياه موقرة، أي: مثقلة محملة، قال الله ﵎: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينشىء السحاب الثقال﴾ فهي ثقيلة محملة بمياه عظيمة بحار، ولذلك تمطر فتجري الأرض أنهارًا بإذن الله - ﷿ - فالذاريات: الرياح، والحاملات: السحب، والارتباط بينهما ظاهر؛ لأن الرياح هي التي تثير السحاب وهي التي تلقح السحاب بالماء، قال الله تعالى:
[ ١١٥ ]
﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه﴾
﴿فالجاريات﴾ هن السفن ﴿يسرًا﴾ أي: بسهولة، قال الله ﵎: ﴿إنا لما طغا الماء حملنكم في الجارية﴾ أي: في السفينة، هذه السفينة ميسرة بإذن الله ﷿ بما يسره الله تعالى من الرياح الطيبة، وكلما كانت الريح مناسبة كان سيرها أيسر، والآن جاءت السفن النارية التي لا تحتاج إلى الرياح فصارت أيسر وأيسر، تجدها قرى كاملة تمخر عباب الماء وتسير بسهولة، والارتباط بين هذه الثلاثة أن الرياح تحمل الأمطار، وأن السحب تحمل الأمطار، فتنزل إلى الأرض، فيكون الرزق للمواشي والآدميين، والجاريات أي السفن، هي أيضًا تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، فلا يمكن أن تصل الأرزاق من جهة إلى جهة أخرى بينها وبينها بحر إلا عن طريق السفن.
﴿فالمقسمات أمرًا﴾ وهم الملائكة، وجمعهم لأنه يجوز جمع المؤنث باعتبار الجماعات، أي: فالجماعات المقسمات ﴿أمرًا﴾ التي تقسم الأمر، أي: شئون الخلق، ويحتمل أن يكون ﴿أمرًا﴾ أي: بأمر الله، والمعنى صحيح على كلا التقديرين، فإن الملائكة عليهم الصلاة والسلام يقسمون ما يريد الله - ﷿ - من أرزاق الخلق وغيرها بأمر الله - ﷿ - هذه أربع جمل: الذاريات، الحاملات، الجاريات، المقسمات، كل هذه مقسم بها، والمقسم عليه: ﴿إنما توعدون لصادق﴾ يعني ما وعدكم الله تعالى فهو وعد صادق، والصادق هو المطابق للواقع، وذلك لأن الخبر نوعان: نوع يخالف الواقع، وهذا يسمى كذبًا،
[ ١١٦ ]
ونوع يطابق الواقع، وهذا يسمى صدقًا، سواء كان المخبر عنه ماضٍ أو مستقبلًا، فأقسم الله - ﷿ - بهذه المخلوقات على إنما نوعد صادق. فلابد أن يقع إذا وقع ما نوعد، وهوالبعث يوم القيامة يتلوه الجزاء، ولهذا قال: ﴿وإن الدين لواقع﴾ الدين يعني الجزاء، والدين يطلق أحيانًا بمعنى الجزاء، وأحيانًا بمعنى العمل، ففي قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ المراد به العمل، وفي قوله ﵎: ﴿مالك يوم الدين﴾ المراد به الجزاء، وهنا ﴿وإن الدين لواقع﴾ أي الجزاء لابد أن يقع، لأن الله على كل شيء قدير. وقد قال الله تعالى: ﴿يوم تشقق الأَرض عنهم سراعًا ذلك حشر علينا يسير﴾
﴿والسماء ذات الحبك﴾ السماء معروفة، ذات: بمعنى صاحبة ﴿الحبك﴾ يعني الطرق، أي: أنها من حسنها كأنها ذات طرق محبوكة متقنة، كما يكون ذلك في جبال الرمل، يضربها الهواء فتكون مضلعة، إذن السماء كذلك ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ ﴿إنكم﴾ الخطاب للكافرين ﴿لفي قول مختلف﴾ يعني يختلف بعضه عن بعض، فبعض الكفار قالوا للرسول ﵊: إنه مجنون، وبعضهم قالوا: إنه ساحر، وبعضهم قالوا: إنه كاهن، وبعضهم قالوا: إنه شاعر، وبعضهم قالوا: إنه كذاب، فهم مختلفون في النبي ﷺ، واختلاف الأقوال يدل على كذبها وفسادها، وكلما رأيت قولًا مختلفًا متناقضًا فاعلم أنه باطل وليس بصحيح؛ لأن الحق لا يمكن أن يتناقض، فهؤلاء المكذبون للرسول ﵊ اختلفوا هذا الاختلاف ﴿يؤفك عنه من
[ ١١٧ ]
أفك﴾ بمعنى يصرف ﴿عنه﴾ قيل: إن الضمير يعود على الرسول ﵊، أي يصرف عن الرسول ﷺ من صرف من الناس، وقيل: إن الضمير يعود على القوم، وعلى هذا القول: تكون (عن) بمعنى الباء، أي يؤفك بهذا القول من أفك، يصرف بهذا القول عن الحق من صرف، وهما أي المعنيان متلازمان، والأقرب أن الضمير في قوله ﴿عنه﴾ يعود على القوم؛ لأنه أقرب مذكور ﴿يؤفك عنه﴾ أي عن هذا القول أي بسببه ﴿من أفك﴾ أي من صرف عن الحق، وذلك لأن من البيان لسحرًا (^١) فإذا جاءك رجل بليغ فصيح، وصار يورد عليك الشبهات والشكوك ألست تنخدع بقوله؟ بلى، فهؤلاء المكذبون للرسول ﵊ عندهم فصاحة وبلاغة وتمويه ودجل، فيصرفون الناس، وقوله ﴿من أفك﴾ هل المراد من قدر الله عليه أن يصرف، أو المراد من أفك؟ أي من صرفه هؤلاء المختلفون.
هما متلازمان أيضًا، فإن هؤلاء الذين يضلون الناس لا يمكن أن يضلوهم إلا بإذن الله - ﷿ ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل﴾ فهم الذين يأفكون الناس أي: يصرفونهم فهم السبب، لكن المقدر للصرف هو الله - ﷿ - ولكن اعلم أخي المسلم أنه لا يمكن أن يصرف عن الحق إلا من علم الله منه أنه ليس أهلًا للحق - نسأل الله السلامة - ولهذا قال الله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ وكذلك الله أعلم حيث يجعل رسالته في الذين يمتثلونها ويؤمنون بها. ويدل على
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الخطبة (٥١٤٦) .
[ ١١٨ ]
هذا الذي قلنا قول الله ﵎: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ ولكن احذر إذا رأيت ضالًاّ أن تقول: هذا ليس أهلًا للهداية؛ لأن هناك فرقًا بين القول بالعموم، والقول بالتعيين، فالقول بالتعيين حرام؛ لأنك قد ترى شخصًا ضالًاّ وتقول: هذا لا يهتدي، وإذا به يهديه الله ﷿، والعكس بالعكس، ربما ترى شخصًا مستقيمًا تقول: هذا لا يمكن أن يضل، فإذا به يضله الله، فإياك أن تشهد على معين، لكن حقيقة أنك إذا رأيت ضالًاّ متمردًا مستكبرًا عن الحق فإنك بقلبك تستبعد أن الله يهديه، لكن لا تقل: إن الله لا يهديه، ففي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لايزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت عليَّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا، أو كنت على ما في يدي قادرًا، وقال للمذنب؟ اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» .
قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخراه (^١) . وفي رواية مسلم: فقال الله تعالى: «من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له، وأحبطت عملك» (^٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب النهي عن البغي (٤٩٠١) .
(٢) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى (٢٦٢١) .
[ ١١٩ ]
نسأل الله العافية، لهذا لا تعجب بنفسك، ولا تيأس من رحمة الله فيما يتعلق بك، ولا فيما يتعلق بغيرك، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، لكن نعلم على سبيل العموم أن الإنسان إذا لم يكن أهلًا للهداية فإنه لن يهتدي، فإذا رأينا هذا الشخص منحرفًا مستكبرًا معاندًا فلا شك أنه يغلب على ظننا أنه ليس أهلًا للهداية، لكن ليس لنا أن ننطق بذلك، ويحرم أن ننطق بذلك، ويخشى أن يقال لنا كما قيل لهذا الرجل: قد غفرت له وأحبطت عملك، وهنا مسألة مهمة وهي الفرق بين التعيين والإطلاق، فنحن مثلًا نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، لكن إذا رأينا شخصًا مستقيمًا، ويصلي ويزكي، ويصوم، ويحج، ويتصدق، ويحسن، ويبر والديه، ويصل رحمه، فلا نشهد بأنه في الجنة؟ لأن التعيين شيء والإجمال شيء آخر، وإذا رأينا رجلًا كافرًا ملحدًا مسلطًا على المسلمين، يمزق كتاب الله ويدوسه برجليه ويستهزىء بالله ورسوله فلا نقول: هذا من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار.
بلا تعيين، لأنه من الجائز في آخر لحظة أن يمنّ الله عليه ويهديه، فأنت لا تدري، لذلك يجب التفريق بين التعيين والإطلاق، أوالتعيين والإجمال، فإذا مات رجل ونحن نعرف أنه مات على النصرانية حسب ما يبدو لنا من حاله، فلا نشهد له بالنار؛ لأنه إن كان من أهل النار فسيدخل ولو لم نشهد، وإن لم يكن من أهل النار فشهادتنا شهادة بغير علم، فمثل هذه المسائل لا داعي لها، فلو قال قائل: مات رجل من الروس، من الملحدين،
[ ١٢٠ ]
مات رجل من الأمريكان من الملحدين منهم، مات رجل من اليهود من الملحدين، العنه واشهد له بالنار، نقول: لا يمكن، نحن نقول: من مات على هذا فهو من أهل النار، من مات على هذا لعناه، أما الشخص المعين فلا، ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة قالوا: لا نشهد لأحد بالجنة أو بالنار إلا لمن شهد له النبي ﷺ، ولكننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
﴿قتل الخراصون﴾ ﴿قتل﴾ كثير من المفسرين يفسرها بلعن، واللعن هوالطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولكن الصحيح أنها بمعنى أهلك، لأنه لا داعي أن نصرفها عن ظاهرها، وظاهرها صحيح مستقيم، فمعنى ﴿قتل﴾: أهلك، و﴿الخراصون﴾ جمع خراص، وهو الذي يتكلم بالظن والتخمين والارتياب والشك، لأنه منغمر في الجهل والسهو والغفلة، ولهذا وصفهم بقوله: ﴿الذين هم في غمرة ساهون﴾ أي في غمرة من الجهل، قد أحاط بهم الجهل من كل جانب، ﴿ساهون﴾: غافلون، لا يحاولون أن يقبلوا على ما أنزل الله على رسله - عليهم الصلاة والسلام - ومن جهلهم أنهم ﴿يسئلون أيان يوم الدين﴾، سؤال استبعاد وإنكار، لو كانوا يسألون سؤال استعلام واستخبار، لعذروا، كما قال جبريل للنبي ﷺ: «أخبرني عن الساعة»، استفهامًا واستخبارًا، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (^١)
لكن أولئك الخراصون
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٦٢..
[ ١٢١ ]
يسألون: ﴿أيان يوم الدين﴾ يعني متى هو؟ استبعادًا، ولهذا قال الله عنهم في سورة (ق): ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أءذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد﴾ يعني أنرجع بعد أن كنا ترابًا، هذا رجع بعيد، فهم يسألون عن القيامة لا سؤال استفهام واستخبار ليستيقنوا، ولكنْ سؤال استبعاد وإنكار، قال الله تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ هذا الجواب يعني يوم القيامة: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ وعلى هذا فيوم هنا ظرف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: يوم القيامة يوم هم على النار يفتنون، ومعنى: ﴿على النار يفتنون﴾ أي: يعرضون عليها فيحترقون بها، لأن الفتنة بمعنى الاحتراق، ولكنها عديت بعلى، لأنها ضمنت معنى العرض، أي: يعرضون على النار فيحترقون بها، هذا هو يوم الدين ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ ذوقوا هذه جملة مقول لقول محذوف، والتقدير: يقال لهم: ذوقوا فتنتكم، وهذا أمر إهانة وإذلال، أي ذوقوا احتراقكم في النار التي كنتم تنكرونها ﴿هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ لأنهم يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، فيستعجلون بالقيامة استبعادًا لها، كما قال الله تعالى: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق﴾ فيقال لهؤلاء: ﴿ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ ويقال لهم: ﴿أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنماتجزون ما كنتم تعملون﴾ يفتنون على النار فيحترقون بها، ويقال: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ هذا توبيخ وإهانة وإذلال يكون به:
[ ١٢٢ ]
العذاب القلبي، فيجمع لهم بين العذاب البدني وبين العذاب القلبي، فتجده يكون في أشد ما يكون من الحسرة، يتحسرون يقولون: ﴿ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾،
ولما كان القرآن الكريم مثاني، تثنى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذكر الشيء ذكر ضده، لما ذكر عذاب هؤلاء المكذبين الخراصين قال: ﴿إن المتقين في جنات وعيون﴾ المتقون هم الذين اتقوا الله، والتقوى ترد في القرآن الكريم على وجوه متعددة: بالوصف تارة، وبالفعل تارة، وبالأمر تارة، وتارة تكون مضافة إلى الله، وتارة تكون مضافة إلى العقوبة وغير ذلك، مما يدل على أن التقوى شأنها عظيم في الإسلام، وليست التقوى قولًا يقال باللسان، بل هي قول يتبعه فعل وتطبيق، فإن سألتم ما هي التقوى؟ قلنا: التقوى كلمتان: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، علم وبرهان واحتساب وخوف، تفعل ما أمر الله به، لأنك تعلم أن الله أمر به، تفعل ما أمر الله به لأنك تحتسب ثوابه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، تترك ما نهى الله عنه؛ لأنك تعلم أن الله نهى عنه. تترك ما نهى الله عنه خوفًا من عقاب الله، لأنك موقن بالعذاب، هذه هي التقوى، يقول الله ﷿ عن المتقين: ﴿في جنات وعيون﴾ أي: مستقرون في جنات وعيون، والجنات جمع جنة، ويمر في القرآن (جنة) مفردًا و(جنات) جمعًا، فهل هي جنات متعددة أو هي جنة واحدة؟ هي جنات متعددة، لكن ذكرت بلفظ المفرد من باب ذكر الجنس، وإلا فهي جنات، وفي آخر سورة الرحمن، ذكر الله أربع جنات،
[ ١٢٣ ]
قال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ وقال النبي ﷺ: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» (^١)
إذن فالجنات متعددة وجمعت باعتبار أنواعها وأصنافها، وقد جاءت في القرآن مفردة، مثل قوله: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ . وجاءت أيضًا مجموعة فهي مفردة باعتبار الجنس، ومجموعة باعتبار النوع، و(عيون): جمع عين، وهي الأنهار الجارية، وقد ذكر الله تعالى أنها أربعة أنواع: ﴿أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾
﴿ءاخذين مآ ءاتهم ربهم﴾ . قوله: ﴿ءاخذين﴾: حال من الضمير المستتر بالخبر، أي: حال كونهم آخذين ما آتاهم ربهم، أي: ما أعطاهم من النعيم، وهذه الآية كالآية التي في سورة الطور ﴿فكهين بمآ ءاتهم ربهم﴾، ثم بيَّن السبب الذي وصلوا به إلى هذا، فقال: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ يعني في الدنيا محسنين، أي: قائمين بطاعة الله على الوجه الذي يرضاه الله - ﷿ - وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^٢) هذا الإحسان في العبادة، أما الإحسان في معاملة الخلق، فإنَّ أجمع ما يقال فيه ما قاله النبي ﵊: «من أحب أن
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ (٤٨٧٨) ومسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١٨٠) ..
(٢) تقدم تخريجه ص ٦٢.
[ ١٢٤ ]
يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (^١) هذا هو الإحسان إلى الناس، أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من حسن الخلق، وطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى إلى غير ذلك مما هو معروف، فهؤلاء محسنون في عبادة الله، ومحسنون إلى عباد الله، ثم ذكر نوعًا من هذا الإحسان فقال: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ . (ما) هنا قيل: إنها زائدة في اللفظ، لكنها زائدة في المعنى، وأن التقدير: كانوا قليلًا يهجعون، أي لا ينامون إلا قليلًا: وماذا يصنعون في هذه اليقظة؟ يصنعون ما ذكره الله تعالى في سورة المزمل: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك﴾ . فهم ليسوا يسهرون على اللهو واللغو، أو يستيقظون على مثله، ولكنهم يقل نومهم للتفرغ لطاعة الله ﷿: ﴿وبالأَسحار هم يستغفرون﴾ .
الأسحار: جمع سحر، وهو آخر الليل، ﴿هم يستغفرون﴾، يعني يسألون الله المغفرة، وهذا من حسن عملهم وعدم إعجابهم بأنفسهم، وكونهم يشعرون بأنهم وإن اجتهدوا فهم مقصرون، فيستغفرون الله بعد فعل الطاعة جبرًا لما حصل فيها من خلل، ويشرع في نهاية العبادات أن يستغفر الإنسان ربه مما قد يكون فيها من خلل، فبعد الصلاة يستغفر الإنسان ربه ثلاثًا، وبعد الحج قال الله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ فهم يسألون المغفرة بعد تهجدهم وقيامهم
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الأول فالأول (١٨٤٤) .
[ ١٢٥ ]
وسهرهم في طاعة الله، خوفًا من أن يكون هناك تقصير، وهذا مما يدل على معرفتهم بأنفسهم، وأنهم يرون أنفسهم مقصرين، خلافًا لما يفعله بعض الناس الآن إذا تعبد لله تعالى بأدنى عبادة شمخ بنفسه وأدل على الله تعالى بها، وظن أنه من عباد الله الصالحين، صحيح أن الإنسان ينبغي أن يرجو ربه إذا أنعم الله عليه بطاعة أن يقبلها، لكن كونه يرى أنه قد أتم كل شيء. فهذا يخشى أن يحبط عمله وهو لا يشعر. ﴿وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم﴾ في أموالهم كلها سواء الأموال الزكوية، أو غير الزكوية فيها حق للسائل والمحروم، إذا أتاهم سائل أعطوه، وإذا رأوا محرومًا أي ممنوعًا من الرزق، وهو الفقير أعطوه، فمالهم قد أعدوه لما يرضي الله - ﷿ - من السائلين والمحرومين وغير ذلك من الإنفاق المشروع، فهم يقومون بطاعة الله تهجد في الليل واستغفار وبذل للمال، لكن من غير إسراف ولا مخيلة.
﴿وفي الأَرض ءايات للموقنين﴾ لم يبين الله هذه الآيات بل جاءت منكرة، ليشمل كل آية في الأرض، سواء كانت الآيات فيما يحدث فيها من الحوادث، أو كانت في نفس طبيعة الأرض وتركيب الأرض، فإن فيها آيات عظيمة من حيث التركيب، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وفي الأَرض قطع متجاورت﴾ فتجد الحجر الواحد يشتمل على عدة معادن وهو حجر واحد، وترى أحيانًا في ﴿الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود﴾ وتجد فيها الأرض اللينة الرخوة، والأرض الصلبة إلى غير ذلك مما يعرفه علماء الجيولوجيا من الآيات العظيمة، وفيها آيات من جهة
[ ١٢٦ ]
الحوادث التي تحدث فيها من الزلازل والبراكين وغيرها، وفيها آيات أيضًا من جهة طبيعة الجو من حر وبرد، ورياح عاصفة، ورياح باردة، ورياح دافئة، وغير ذلك مما إذا تأمله الإنسان عرف به قدرة الله ﷿ من جهة، وعرف حكمته ورحمته أيضًا من جهة أخرى، لأن آيات الله ﷾ يتبصر بها الإنسان من حيث القدرة والعظمة، ومن حيث الحكمة والرحمة، لأن كل شيء تجده مناسبًا لمكانه وزمانه، وكل شيء تجده من آثار رحمة الله - ﵎ - فكلمة (آيات) نكرة عامة لكل ما يحدث في الأرض من آيات، ولكل ما فيها من طبيعتها وتركيبها وغير ذلك ﴿ءايات للموقنين﴾ أي لمن أيقن بوجود الله ﷿ وعظمته وجلاله، أما من شك - والعياذ بالله - فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، بل قد تكون هذه الآيات ضررًا عليه، فإن الآيات الكونية، أو الشرعية قد تكون خيرًا للإنسان، وقد تكون شرًّا، قال الله ﵎: ﴿وإذا مآ أنزلت سورة﴾ يعني من القرآن ﴿فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ كذلك الآيات الكونية من الناس من ينتفع بها ويستدل بها على
ما فيها من آيات الله - ﷿ - ومن الناس من يكون بالعكس يؤدي ما يجده في الآيات إلى الإلحاد - والعياذ بالله - ولهذا قال: ﴿وفي الأَرض ءايات للموقنين﴾ يعني لا لكل إنسان بل للموقن، أما الشاك والمتردد والكافر فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، ﴿وفي أنفسكم﴾ . أيضًا في
[ ١٢٧ ]
أنفسكم آيات ﴿أفلا تبصرون﴾ وآيات هنا محذوفة، ولهذا نقول في الإعراب: في أنفسكم، جار ومجرور، خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: وفي أنفسكم آيات.
والحكمة - والله أعلم - ونحن في علمنا القاصر نظن أن الله حذف هذه الآيات لأنها أمس بالإنسان من الأرض وأدخل بالإنسان من الأرض، لأنها هي في نفسه، في أنفسكم آيات: ليس في تركيب الجسم فحسب، وليس فيما أودعه الله تعالى من القوة فحسب، بل حتى في تقلبات الأحوال، فالإنسان تجده يتقلب من سرور إلى حزن، ومن غم إلى فرح، تقلبات عجيبة عظيمة، حتى إن الإنسان في لحظة يجد نفسه متغيرًا، وأحيانًا يجد نفسه متغيرًا بدون سبب، يكون منشرح الصدر واسع البال مسرورًا، وإذا به يغتم بدون سبب، وأحيانًا بالعكس، هذا بالنسبة للأحوال النفسية، كذلك أيضًا بالنسبة للأحوال الإيمانية، وهي أعظم وأخطر، تجد الإنسان في بعض الأحيان يكون عنده من اليقين ما كأنه يشاهد أمور الغيب مشاهدة حسية، كأنما يرى كل ما أخبر به الله من علوم الغيب، وفي بعض الأحيان يقل هذا اليقين، لأسباب قد تكون معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن من الأسباب المعلومة قلة الطاعة، فإن قلة الطاعة من أسباب ضعف اليقين، فإذا قلت طاعة الإنسان ضعف يقينه، قال الله تعالى: ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ ومنها: اللهو، والغفلة، ولهذا قال الصحابة - ﵃ - لرسول الله - ﵊ - إنا إذا كنا عندك وذكرت الجنة والنار فكأنما نراها رأي العين، فإذا ذهبنا إلى أهلنا
[ ١٢٨ ]
عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا (^١) . وهكذا الإنسان كلما لهى قل يقينه وقل إيمانه، ومن ثم نهى الشرع عن اللعب واللهو الباطل، الذي يزداد به الإنسان بعدًا من الله وبعدًا عن طاعة الله وعن التفكير في آيات الله.
أيضًا في النفس آيات في نفوس الناس: فمن الناس من تجده هينًا لينًا طليق الوجه مسرورًا، كل من رآه سر بوجهه، وكل من جلس إليه زال عنه الغم والهم، ومن الناس من هو بالعكس قطوب، عبوس، بمجرد ما تراه لو كنت مسرورًا لأتاك الحزن والسوء، فهذا أيضًا من آيات النفس وهي كثيرة جدًا، ومن أراد المزيد من هذا والاطلاع على قدرة الله تعالى فيما في أنفسنا من الآيات فعليه بمطالعة كلام ابن القيم - ﵀ - في كتاب (مفتاح دار السعادة) يجد العجب العجاب، وكذلك أيضًا كتابه الصغير وهو كبير في المعنى وهو (التبيان في أقسام القرآن) . ذكر من ذلك العجب العجاب ﴿أفلا تبصرون﴾، الاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار، كأنما يقول الله - ﷿ - أبصروا في أنفسكم تبصَّروا وتأملوا وتفكروا، فإذا لم تعرفوا هذه الآيات فأنتم لا تبصرون، فيكون الاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار ألا نتبصر، وهي دعوة من الله - ﷿ - لعباده أن يتبصروا في الآيات، فإذا لم تتبصر في الآيات فاعلم أنك محروم، قال الله تعالى: ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ . إذن إذا لم تنتفع بالآيات
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة (٢٧٥٠) .
[ ١٢٩ ]
فاعلم أنك محروم، وأن إيمانك ناقص ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ .
فعليك يا أخي أن تتفكر في آيات الله الكونية، وما في هذا الكون العظيم من آيات الله الدالة على عظمته وسلطانه ورحمته وحكمته، وكذلك في آيات الله الشرعية، ومن فتح الله عليه في الآيات الشرعية ينتفع بها أكثر مما ينتفع بالآيات الكونية، إذا تأمل ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات، والأفعال والأحكام، ازداد إيمانًا بالله - ﷿ - وعرف بذلك الحكمة والرحمة، وإذا تأمل فيما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب وعقاب، وجزاء وحساب ازداد إيمانًا بالله، وكلما تأمل الإنسان في آيات الله الشرعية ازداد إيمانًا، فبعض الناس الموفقين يكون ازدياد إيمانه بالآيات الشرعية أكثر من ازدياد إيمانه بالآيات الكونية، أما الإنسان الذي يفتح الله عليه في هذا وهذا فيا حبذا.
﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ ذهب كثير من العلماء أن المراد بالرزق هنا المطر، لأن الله تعالى قال: ﴿هو الذي يريكم ءاياته وينزل لكم من السماء رزقًا وما يتذكر إلا من ينيب﴾ . وسمي المطر رزقًا؛ لأنه سبب للرزق، فإذا أنزل الله المطر أخرجت الأرض الماء والمرعى، متاعًا لنا ولأنعامنا، وهذا رزق، كم من ناس يكون رزقهم على ما ينزل من المطر من الزروع والحشيش والمياه وغيرها، بل إن الله تعالى قال: ﴿أفرءيتم الماء الذي تشربون أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ هل أحد يستطيع أن ينزل من المزن ماءً؟ لا يمكن، وهل أحد يستطيع أن
[ ١٣٠ ]
يخلق في المزن ماءً؟ لا يمكن، وإنما الله ﷿ هو الذي يتولى ذلك، هذا هو مادة الرزق، لولا الماء لهلكت، وتأمل قوله تعالى: ﴿أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾ . لم يقل: لو نشاء لم ننزله، مع أنه لو شاء لم ينزله، لكن قال: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجًا﴾ يعني لو نشاء أنزلناه لكن جعلناه أجاجًا مالحًا، لا يمكن أن يشرب، وحسرة الإنسان على ماء بين يديه ولكن لا يستطيعه ولا يستسيغه أشد من حسرته على ماء مفقود، لأن ماءً موجودًا لا تنتفع به ولا تستطيع شربه أشد حسرة من ماء مفقود، ولهذا ذكرنا الله هذه الحال، أرأيتك الآن لو أن هذا المطر العذب الزلال اللذيذ صار أجاجًا مالحًا، ماذا تكون الحال؟ تكون صعبة جدًا، ولهذا قال: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾ .
﴿وفي السماء رزقكم﴾ إذن الرزق هو المطر كما في الآية الكريمة ﴿وينزل لكم من السماء رزقًا﴾ ويمكن أن نقول: إن الرزق الذي في السماء أعم من ذلك، فقد يقال: إن في السماء رزقًا من المطر، وما كتبه الله لنا في اللوح المحفوظ من المصالح والمنافع الجسدية من أموال وبنين وغير ذلك، فيكون هذا القول أشمل وأعم، واعلم أنه ينبغي أن يراعي المستدل بالقرآن والسنة قاعدة مفيدة، وهي إذا فسرنا النص القرآني أو النبوي بمعنى أخص وفسرناه بمعنى أعم، فنأخذ بالأعم، لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، إلا إذا دل دليل على أنه خاص، فهذا يتبع فيه الدليل، لكن عندما لا يدل الدليل، فخذ بالأعم، لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فهنا إذا قلنا: المراد بالرزق ما هو أعم من
[ ١٣١ ]
المطر، فالجواب صحيح، فيدخل فيه المطر وغيره، وقوله: ﴿وما توعدون﴾ يعني وفيه الذي توعدون، والذي نوعد الجنة، فالجنة في السماء وليست في الأرض، ولهذا قال الله تعالى في قصة آدم: ﴿قلنا اهبطوا منها﴾ . والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل، فالجنة في السماء، وقد أخبر النبي ﷺ أن الجنة درجات، وأن أعلاها الفردوس، وأنه أعلاها وأوسطها أيضًا، وهو إشارة إلى أن الجنات مثل القبة أعلاها هو وسطها، قال: «منه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» (^١) إذن هي أعلى شيء، - نسأل الله أن يجعلنا من ساكنيها إنه على كل شيء قدير -، فالذي نوعد هو الجنة، فالرزق في السماء، والجنة التي نوعدها في الآخرة في السماء، إذا نحن أهل الأرض محتاجون إلى السماء في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ففي السماء رزقنا في الدنيا، وفيها ما نوعد في الآخرة وهو الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
﴿فورب السماء والأَرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون﴾ الفاء عاطفة، والواو للقسم، ورب السماء والأرض هو الله - ﷿ - أقسم بنفسه ﵎ بمقتضى ربوبيته للسماء والأرض، أن ما يوعدون حق؛ لأنه قال: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ ﴿فورب السماء والأَرض﴾ أي: ما توعدون. ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا للقرآن، ويحتمل أيضًا أنه عائد إلى النبي ﷺ، والمعاني الثلاثة كلها متلازمة، وقوله: ﴿إنه لحق﴾ أي: ثابت، لأن الحق والباطل
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (٢٧٩٠) .
[ ١٣٢ ]
متقابلان، فالباطل هوالزائل الضائع سدًا، والحق هو الثابت الذي فيه الفائدة، وفيه الخير والصلاح، وقوله: ﴿مثل مآ أنكم تنطقون﴾ يعني كما أن الإنسان يتيقن نطقه، فإن هذا القرآن حق، ومعلوم أن كل واحد منا لا ينكر نطقه، وإذا نطق تيقن أنه نطق، إذن هذا القرآن كلام الله - ﷿ - حق مثلما أن نطقنا حق.
﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ الخطاب ليس للنبي ﷺ فحسب، بل له، ولكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، كأنه قال: هل أتاك أيها المخاطب ﴿حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ والاستفهام هنا للتشويق، كأنه يشوقك إلى أن تسمع هذا الحديث، ونظيره في التشويق قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ . ليس المراد بهذا الاستفهام أنه يستفهم، لكنه أراد أن يشوق المخاطبين إلى ذلك، ويكون الاستفهام للتهديد والإنذار والتخويف في مثل قوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة﴾
فإذا قال قائل: أي شيء يدلنا على أن الاستفهام للتشويق، أو للتهديد، أو للاستخبار أو ما أشبه ذلك؟
نقول: الذي يدلنا على هذا السياق وقرائن الأحوال، والعاقل يفهم هذا وهذا، ﴿هل أتاك حديث﴾ أي: خبر ﴿ضيف إبراهيم﴾، ضيف هنا مفرد، لكنه يستوي فيه الجماعة والواحد، وهم جماعة ملائكة كرام عليهم الصلاة والسلام، ﴿ضيف إبراهيم﴾ يعني الذين نزلوا ضيوفًا عنده، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة
[ ١٣٣ ]
والسلام، وهو أبو العرب، وأبو بني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾ . وهو الذي أمرنا الله تعالى أن نتبع ملته، قال الله تعالى: ﴿ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ . ولهذا ادعت اليهود أن إبراهيم يهودي، والنصارى ادعوا أنه نصراني، ولكن الله تعالى كذبهم في ذلك، فقال: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾ .
يقول الله - ﷿ -: ﴿إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا﴾ يحتمل أن ﴿إذ دخلوا﴾ متعلق بقوله (المكرمين) يعني الذين أكرمهم حين دخولهم عليه، ويحتمل أنها مفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر إذ دخلوا على إبراهيم ﴿فقالوا سلامًا قال سلام قوم منكرون﴾ (قالوا سلامًا)، أي: نسلم سلامًا، وعليه فسلامًا مصدر عامله محذوف، والتقدير: نسلم، ﴿قال سلام﴾ مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: عليكم سلام، وعلى هذا فيكون التسليم هنا ابتداؤه بالجملة الفعلية، وجوابه بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، ولهذا قال العلماء - ﵏ -: إن رد إبراهيم ﵊ أكمل من تسليم الملائكة، لأن تسليم الملائكة جاء بالصيغة الفعلية، ورد إبراهيم جاء بالصيغة الاسمية، ﴿قوم منكرون﴾، قوم خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنتم قوم، وإنما قال إنهم قوم؛ لأنهم بصورة البشر، وقوله: ﴿منكرون﴾ أي: غير معروفين، كما قال تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفةً﴾ . في هذه الآية شاهد لحذف المبتدأ، وحذف الخبر، والشاهد
[ ١٣٤ ]
لحذف الخبر (سلام)، لأن التقدير: عليكم سلام. والشاهد لحذف المبتدأ (قوم)، لأن التقدير: أنتم قوم. ﴿فراغ إلى أهله﴾ راغ: انسل بخفية وسرعة، وذلك من حسن ضيافته. لم يقل: انتظروا آتي لكم بالطعام.
ولم يقم متباطئًا كأنما يدفع دفعًا، وإنما قام بسرعة منسلًا، لئلا يقوموا إذا رأوه ذهب إلى أهله، فكأنه أخفى الأمر عنهم ﴿أهله﴾ يعني أهل بيته ﴿فجاء بعجل سمين﴾ وفي آية أخرى: ﴿بعجل حنيذ﴾ أي مشوي، واللحم إذا شوي يكون أطعم وألذ، لأن طعمه يبقى فيه لا يمتزج بالماء، بخلاف ما إذا طبخ يمتزج بعضه بالماء، فتقل لذته، لكن إذا كان مشويًا صار أطيب وأحسن، ﴿فجاء بعجل سمين﴾ يعني أنه ﵊ لا يتخير للضيوف البهائم العجفاء الهزيلة، وإنما يتخير لهم البهائم السمينة، لأنها ألذ وأطيب وأنفع، واختيار العجل إما أن يكون من عادته ﵊ أن يكرم الناس بهذا، أو أنه يكرم الضيوف بحسب ما تقتضيه الحال، فإذا كانوا كثيرين أتى بالعجل، وإذا كانوا أقل أتى بالغنم، وما أشبه ذلك حسب عادة الكرماء ﴿فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾ أي لم يجعله بعيدًا، ويقول: قوموا إلى طعامكم، بل خدمهم حتى جعله بين أيديهم، وقربه إليهم قال: ﴿ألا تأكلون﴾ ولم يقل: كلوا. إنما عرضه عليهم عرضًا، لأن هذا أبلغ في الإكرام، والعرض أخف وألطف من الأمر، إذ إنه لو قال: كلوا. كان يحتمل أنه أراد أن يستعلي عليهم ويوجه الأمر إليهم، لكن قال: ألا تأكلون؟ والفرق بين العبارتين في الرق، فقوله: ﴿ألا تأكلون﴾ أرق
[ ١٣٥ ]
وأرفق.
مسألة: هل نقول: إن السنة والأفضل أن الإنسان إذا دعا ضيوفًا، أو أتاه ضيوف أن يقرب إليهم الطعام في مجلس الجلوس أو نقول: هذا يختلف باختلاف الأحوال؟
الثاني هو الأظهر، لأن عموم قول الرسول ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» (^١) يدل على أنك تكرمهم بما جرت العادة بإكرامهم به، وعندنا الآن إذا دعوت أصحابك وأصدقاءك وهم قلة فلا يعدون تقديم الطعام في مكان جلوسهم إهانة، لأنهم إخوانكم وأصدقاؤكم، لكن لو نزل بك ضيف أو دعوت ضيفًا ليس بينك وبينه صلة تامة فإنه في عرف الناس الآن ليس من إكرامه أن تقدم الطعام في محل الجلوس، اللهم إلا لضرورة، إذا لم يكن عندك مكان، والآن الإكرام أن تجعل الطعام في مكانه، ثم إذا أراد أن يأكلوا يقول: تفضلوا، ألا تتفضلوا، أو ما أشبه ذلك من الكلمات المتداولة، فالمهم أن قوله ﵎ عن إبراهيم: ﴿فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾ ينبغي أن يجعل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتي بالطعام إلى محل جلوسهم فأت به، وإذا كان من الإكرام أن تجعله في محل آخر فافعل، دليل ذلك قوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» .
﴿فأوجس منهم خيفةً﴾ أي: أحس بنفسه بخيفة منهم، وسبب تلك الخيفة أنه ﵊ لما قدَّم إليهم الطعام لم
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٩٤.
[ ١٣٦ ]
يأكلوا منه ﴿فأوجس منهم خيفةً﴾ لأن العادة أن الضيف يأكل مما قدم له المضيف، لكن هؤلاء الملائكة، لم يأكلوا؛ لأن الملائكة صمد أي ليس لهم أجواف، كما جاء ذلك مأثورًا عن السلف، ولهذا لا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب، فأوجس منهم خيفة ﴿قالوا لا تخف﴾ طمأنوه، قالوا: لا تخف لما رأوا على وجهه من علامة الإنكار والخوف، وكل إنسان يعرف حال قلب المرء المواجه له، هل هو في سرور؟ هل هو في انشراح؟ هل هو خائف؟ هل هو مطمئن؟ لأن هذا أمر معلوم بالفطرة، ولا يحتاج إلى كبير فراسة ﴿وبشروه بغلم عليم﴾ البشارة هي الإخبار بما يسر، أي أخبروه بما يسره وهو الغلام العليم، وكان إبراهيم ﵊ قد بلغ من الكبر عتيًّا قبل أن يولد له، فبشروه بهذا الغلام، وبشروه بأنه عليم أي سيكون عالمًا؛ لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله - ﷿ - وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم، لأن في القرآن أن إبراهيم بُشر بغلام عليم في آيتين من كتاب الله، وبشر بغلام حليم في آية واحدة، وهما غلامان، أما الغلام الحليم فإنه إسماعيل أبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجد قصتهما مختلفة، ولقد أبعد عن الصواب، من قال: إن الغلام الحليم هو الغلام العليم، بل ونص صريح في سورة الصافات أنهما غلامان مختلفان، فإن الله تعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين﴾ فكيف يبشر بمن أمر بذبحه، وكان عنده وبلغ معه
[ ١٣٧ ]
السعي، كل هذا مما يدل على أن الغلام الحليم غير الغلام العليم، بشروه بغلام عليم، وهذه بشارة بثلاثة أشياء:
أولًا بأنه سيأتيه مولود يصل إلى أن يكون غلامًا، ثانيًا: أن هذا المولود ذكر لا أنثى لقوله (غلام)، ثالثًا: أنه عليم أي ذو علم، وكل هذه البشارات عظيمة، كل واحدة تكفي أن تكون بشارة ﴿فأقبلت امرأته في صرة﴾ امرأته هذه: سارة أم إسحاق، أقبلت لما سمعت البشرى ﴿في صرة﴾ في صيحة سرور، لأنها جاءتها هذه البشرى بعد أن تقدمت بها السن، تصيح وكأنها والله أعلم تقول: غلام غلام، ﴿فصكت وجهها﴾ أي ضربته بيدها كالمتعجبة، كما يصنع الناس إلى اليوم إذا أتاهم خبر نادى: الله أكبر.
وضرب على وجهه ﴿وقالت عجوز عقيم﴾ عجوز خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنا عجوز عقيم، فكأنها تعجبت أن تحصل لها البشرى بهذا الغلام العليم، بعد أن تقدمت بها السن وعقمت من الولد، ولكنهم بينوا لها السبب الوحيد الذي به وجد هذا الولد، فقالوا: ﴿كذلك قال ربك﴾ أي مثلما قلنا وبشرنا به، قال الله - ﷿ - وانظر إلى قوله: ﴿قال ربك﴾ حيث أضاف الربوبية هنا إلى هذه المرأة العجوز العقيم الكبيرة، إشارة إلى أن هذا من عناية الله بها، لأن إضافة الربوبية إلى الشخص المعين تكون ربوبية خاصة، والربوبية العامة لكل أحد، والله رب كل شيء، والخاصة ليست لأحد إلا لمن كان خاصًّا بالله، قال الله ﷿: ﴿قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾ الربوبية العامة ﴿برب العالمين﴾، والربوبية الخاصة ﴿رب موسى وهارون﴾، هنا قالوا لها: ﴿قال
[ ١٣٨ ]
ربك﴾ من باب الربوبية الخاصة التي تقتضي عناية خاصة ﴿قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم﴾ إن شئت فقل: (الحكيم) خبر إن و(هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وإن شئت فقل: (هو) مبتدأ و(الحكيم) خبر هو، والجملة خبر إن، وهنا قدَّم الحكيم على العليم؛ لأن المقام يقتضي هنا تقديم الحكمة على العلم، والحكمة هنا في شيئين: أولًا: تأخير الولادة بالنسبة لهذه المرأة، إن الله لم يؤخر ولادتها إلى أن تبلغ العجز إلا لحكمة، ثانيًا: كونها ولدت بعد أن أيست واعتقدت أنها عقيم، فهاهنا حكمتان: حكمة سابقة، وحكمة لاحقة، ومن ثم قدَّم اسم الحكيم على اسم العليم، والقرآن إذا جمع الله فيه بين هذين الاسمين الكريمين: العليم والحكيم يقدم غالبًا العليم، لكن هنا قدَّم الحكيم؛ لأن المقام يقتضي ذلك ﴿إنه هو الحكيم العليم﴾ وأكثر الناس يظنون أن معنى (الحكيم) أنه المتصف بالحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في مواضعه، ولكن الواقع أن
الحكيم له معنيان: حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم، فالله - ﷿ - حكيم من الحكمة، لأن الله تعالى هو الحكم بين العباد، والحاكم في العباد هو حاكم فيهم، وهو الحكم بينهم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم ﴿ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ . ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ . وهذا استفهام للتقرير، يعني أن الله تعالى أحكم الحاكمين، وكلاهما في محله المناسب، ففي سورة المائدة ذكر الله ﴿ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ . ﴿الظالمون﴾ . ﴿الفاسقون﴾،
[ ١٣٩ ]
وتتابعت الآيات حتى قال: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ . فكأن المقام مقام مفاضلة بين الأحكام فبين أن حكم الله أحسن الأحكام، لكن في سورة التين المقام مقام سلطة وقوة، والله أحكم الحاكمين يعني أن حكمه نافذ وسلطته تامة، ولا أحد يعارض حكمه أبدًا مهما قويت شوكته، وانظر إلى قول الله تعالى عن عاد ﴿من أشد منا قوةً﴾ . يعني لا أحد أشد منا قوة، فقال الله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم﴾ .
وعذبهم بألطف الأشياء عذبهم بالريح، الهواء اللطيف الذي لا تحس بملمسه، وإن كان قويًا بأن يدفع كل شيء، وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيف أهلك به هؤلاء القوم الذين يقولون: من أشد منا قوة، أهلكهم به، فالحاصل أن الله أحكم الحاكمين حكمه نافذ صادر عن قوة وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمين تضمن أيضًا حسن الحكم، فصار حكم الله - ﷿ - يتضمن أنه الحاكم في العباد، وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكم الحاكمين، والحكمة البالغة لله ولا شيء من الأفعال القائمة بالوجود أحكم من حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن سهل عليك أمور كثيرة تشكل على كثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية لا يدرك الناس، أو أكثرهم، أو بعضهم حكمتها، فهل نقول: إذا لم يدرك الحكمة إنه لا حكمة لها، أو نقول: إن لها حكمة، لكن عقولنا قاصرة، نقول: لها حكمة ولكن عقولنا قاصرة، وإذا آمنا هذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها، فنحن لا ندرك
[ ١٤٠ ]
الحكمة في كون الصلوات الخمس خمسًا، أو أنها سبع عشرة ركعة، وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أن الله حكيم آمنت بأنه لابد لهذا الشيء من حكمة تقتضيه، كذلك في الأمور القدرية قد يرسل الله ﷾ عذابًا يشمل الصالح والطالح، وقد يرسل الله عذابًا على قوم لا تتوقع أن يصيبهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أو تقول: إن الله ﷿ لابد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة؟ ولذلك أقول: إن الواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع، وفيما قضاه من الأقدار أن نستسلم غاية التسليم، وأن لا نعترض قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ .
أقسم الله - ﷿ - أنه لا يمكن لأحد أن يؤمن إلا بهذه الشروط الثلاثة، هي: أن يحكموك فيما شجر بينهم، والثاني: ألا يجدوا في أنفسهم حرجًا، يعني لا تضيق صدورهم بحكم الله، الثالث: أن يسلموا تسليمًا، وأكد هذا المصدر تسليمًا يعني تسليمًا تامًّا، فلا يتهاون الإنسان ويتباطأ في تنفيذ حكم الله، فإذا وجدت من نفسك عيبًا يتعلق بهذه الأمور الثلاثة فصحح إيمانك، فإذا رأيت أنك تود أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله فصحح الإيمان، وإذا رأيت من قبلك أنك لا تريد إلا حكم الله ورسوله لكن يضيق صدرك بحكم الله ورسوله تحدث نفسك أنك لا يمكن تتحاكم إلى غير الله ورسوله لكن يضيق صدرك فأنت ناقص الإيمان، وإذا كنت لا يضيق صدرك ولا تريد التحاكم لغير الله ورسوله وأنت
[ ١٤١ ]
منشرح الصدر لحكم الله ورسوله، لكن تتباطأ وتتهاون فأنت ناقص الإيمان، اقرأ قول الله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ . لما لم يؤمنوا به أول مرة ولم يقبلوه من أول مرة صارت - والعياذ بالله - قلوبهم متقلبة، وتركهم الله في طغيانهم يعمهون، ولهذا يجب عليك أيها المؤمن أن تبادر بانقياد تام لحكم الله تعالى القدري.
وأتكلم على آداب السلام، حيث إن الملائكة قالوا: (سلامًا)، فقال إبراهيم: (سلام)، ذكرنا فيما سبق أن رد إبراهيم ﵊ أحسن من ابتداء الملائكة؛ لأن رد إبراهيم ﵇ جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، بخلاف سلام الملائكة ﵈، واعلم أن رد التحية واجب، لقول الله ﵎: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ﴾ . فقال: ﴿إذا حييتم﴾ ولم يذكر من يحيينا، فيشمل أي إنسان يحيينا، فإننا نحيه ونرد عليه أحسن من تحيته، أو مثلها كما قال: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ﴾ . فبدأ بالأحسن، لأنه هو الأفضل، أو ردوها، أي: ردوا مثلها، ويشمل هذا ما إذا سلم علينا أحد من اليهود، أو النصارى، أو البوذيين، أو غيرهم، فنرد عليهم، لكننا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام، لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك (^١)، ثم إن السلام
_________________
(١) حيث قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» . أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم (رقم ٢١٦٧) .
[ ١٤٢ ]
المشروع هو: السلام عليكم، وأما أهلًا وسهلًا، ومرحبًا، وكيف حالك وما أشبهها، فهذا ليس بمشروع، المشروع أن تبدأ أولًا بالسلام، ولهذا في حديث المعراج حين كان النبي ﷺ يمر بالأنبياء فيسلم عليهم، قال: فرد ﵇، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح (^١)،
فابدأ أولًا بقولك السلام عليكم، والجواب يكون مثل ذلك أو أحسن، يكون: عليكم السلام، أو وعليكم السلام، أو عليكم السلام ورحمة الله، أو عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل هذا من المشروع، ونرى كثيرًا من الناس إذا سُلِّم عليه يقول: أهلًا وسهلًا، أو يقول: مرحبًا بأبي فلان، وهذا لا يجزىء، فلو قال: أهلًا وسهلًا، مدى الدهر فإنه لا يجزىء؛ لأن الله يقول: ﴿فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ﴾، ومعلوم أن الذي يقول: السلام عليك، يدعو لك بالسلام من كل نقص ومن كل آفة، ومن كل مرض في القلب والبدن، ولا يكفي أن تقول مرحبًا وأهلًا، بل لابد أن تقول: عليك السلام، أو وعليكم السلام، وإن زدت ورحمة الله وبركاته كان أحسن.
ثانيًا: من السنة أن يسلم الصغير على الكبير؛ لأن حق الكبير على الصغير أعظم من حق الصغير على الكبير، فيبدأ الصغير بالسلام على الكبير، ولكن إذا قدر أن الصغير لم يسلم فهل يدع الكبير السلام، لأن الحق له، أو يسلم لئلا تفوت السنة؟
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء (٣٤٩) ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله؟ إلى السموات وفرض الصلوات (١٦٣) ..
[ ١٤٣ ]
والجواب: يسلم لئلا تفوت السنة، فكون الإنسان يقول: أنا صاحب الحق، لماذا لم يسلم عليَّ، هذا خطأ، صحيح أنك صاحب الحق وأن المشروع أن يسلم هو عليك، لكن إذا لم يفعل فسلم أنت.
ثالثًا: يسلم الماشي على القاعد (^١)، ولو كان القاعد أصغر، فإذا مر شخص بإنسان قاعد فليسلم عليه، ولو كان أصغر منه سنًّا، أو قدرًا، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يسلم على الصبيان إذا مر بهم (^٢)، وفي ذلك فوائد عظيمة منها: التواضع، أن الإنسان يضع نفسه إذا سلم على من هو دونه، ومنها الرحمة؛ لأن سلامك على الصغار نوع من الرحمة، وقد أخبر النبي ﵊ أن الراحمين يرحمهم الله (^٣) - ﷿ -، ومنها تعويد هؤلاء الصبيان على السلام، يعني أن الصبي يعرف شعار المسلمين أن يسلم بعضهم على بعض، فيأخذ من هذا أدبًا وخلقًا ينتفع به في شبابه وبعد هرمه.
رابعًا: يسلم القليل على الكثير كالصغير مع الكبير، فإذا تقابل جماعة خمسة وستة فيسلم الخمسة على الستة، لأن الستة فيهم زيادة، فهذه الزيادة لها حق الزائد، فيسلم القليل على
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب يسلم الراكب على الماشي (٦٢٣٢) ومسلم، كتاب السلام، باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير (٢١٦٠) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان (رقم ٦٢٤٧) ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان (رقم ٢١٦٨) .
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الناس (١٩٢٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١٤٤ ]
الكثير، وإذا لم يفعلوا فليسلم الكثير على القليل، لئلا تفوت السنة بينهم.
خامسًا: يسلم الراكب على الماشي، فإذا تقابل رجلان أحدهما يمشي، والثاني راكب في سيارته أو على بعيره فيسلم الراكب على الماشي، لأن الراكب له علو فيسلم على الماشي، لأن السنة جاءت بهذا (^١)، كذلك الصاعد على النازل، فلو أن اثنين التقيا في درجة سلم فإن الصاعد هو الذي يسلم على النازل، وإذا لم تأت السنة ممن عليه أن يبدأ بها فليبدأ بها الثاني، قال النبي ﷺ: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (^٢) قال: خيرهما، فدل ذلك على أن من بدأ غيره بالسلام فهو خير، وهو كذلك لأنك إذا سلمت حصلت عشر حسنات، ثم إذا رد صاحبك حصل عشر حسنات، والسبب الذي جعله يحصل عشر حسنات هو البادي، لولا أنه سلم ما رد، فتكون أنت متسببًا لهذا الذي عمل عملًا صالحًا فلك أجره، ولهذا قال العلماء: ابتداء السلام سنة، ورده واجب، ثم أوردوا على هذا إشكالًا فقالوا: ابتداء السلام أفضل من رده، فكيف تكون السنة أفضل من الواجب؟ والقاعدة الشرعية أن الواجب أفضل، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرَّب إليَّ بشيء أحبّ إليَّ مما افترضت
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب يسلم الراكب على الماشي (رقم ٦٢٣٢) ومسلم، كتاب السلام، باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير (رقم ٢١٦٠) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة (٦٠٧٧) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي (٢٥٦٠) .
[ ١٤٥ ]
عليه» (^١) أجابوا عن ذلك قالوا هذا الإشكال جوابه: أن هذا الواجب كان مبنيًّا على السنة، فصارت السنة التي بني عليها الواجب، لمن أتى بها ثواب أجره الخاص وثواب أجر الراد.
سادسًا: ينبغي أن يكون بصوت مسموع، فبعض الناس يلاقيك ويسلم لكن تشك: هل سلم أو لا؟ لأنه لم يرفع صوته، وهذا غلط، ارفع الصوت على وجه يدل على أنك فرح بهذا الأخ الذي قابلك أو الذي سلمت عليه لا بصوت مزعج ولا بخافت لا يسمع، وعلى العكس من ذلك، بعض الناس يسلم بصوت مزعج، والدين وسط بين الغالي والجافي، فنقول: سلم سلامًا مسموعًا يسمعه أخوك ويكون بأدب واحترام.
سابعًا: من آداب السلام أيضًا: أن يكون المسلم منبسط الوجه منشرح الصدر، فإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق (^٢)، فإن طلاقة الوجه وانشراح الصدر والابتسامة في وجه أخيك لا شك أنها من الأمور المطلوبة لما فيها من إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك من الأمور المستحبة التي تُؤجر عليها، لقول النبي ﷺ: «كل معروف صدقة» (^٣) .
ثامنًا: رد السلام المحمول إن كان الحامل له شخصًا وقال: فلان يسلم عليك. فقل: عليك وعليه السلام، وإن شئت فقل: ﵇، أي على الذي حمله، أما إذا كان محمولًا بكتابة
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (٦٥٠٢) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٣/٣٤٤، ٣٦٠) .
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة (٦٠٢١) .
[ ١٤٦ ]
يعني إنسان كتب لك كتابًا، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإن كنت تريد أن تجيبه بكتاب فرد عليه بجوابك، مثلًا: كتب إليك إنسان كتابًا وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تكتب إليه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قرأت كتابك وفهمت ما فيه، والجواب كذا وكذا، وأكثر الناس الآن لا يهتمون بهذا، تجده يكتب الجواب ويقول في ابتدائه: السلام عليكم ورحمة الله. هذا طيب، لكن الذي سلم عليك يريد جوابًا فقل: جواب - يعني -: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وصلني كتابك أو قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وهذا الجواب، وتجيبه بما سألك، وإذا كان لا يحتاج إلى جواب مثل أن يكون الشخص كتب إليك كتابًا يخبرك بخبر لا يحتاج إلى جواب، فهنا إذا قرأت الكتاب فقل: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، لا أقول وجوبًا، لأن صاحبك لن يسمع، لكن على سبيل الاستحباب، رجل دعا لك بظهر الغيب فادع له أنت بظهر الغيب.
﴿قال فما خطبكم أيها المرسلون﴾ القائل: ما خطبكم هو إبراهيم ﵊، أي ما شأنكم أيهاالمرسلون وهم الملائكة ﴿قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارةً من طين﴾ يعني أرسلنا الله - ﷿ -، لأنه من المعلوم أنه لا يرسل أحدًا من الملائكة إلا خالقهم ﷾ ﴿إلى قوم مجرمين﴾ أي: ذوي جرم عظيم ألا وهو اللواط - والعياذ بالله -، فإنهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فيأتون ما لم يخلق لهم، ويدعون ما خلق لهم، كما قال لهم نبيهم لوط عليه
[ ١٤٧ ]
الصلاة والسلام: ﴿وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾، وهذه الفاحشة فاحشة نكراء، لا يقرها عقل، ولا فطرة، ولا دين، ولهذا كانت عقوبتها القتل للفاعل والمفعول به، إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كان محصنين أم غير محصنين، بخلاف الزنى، فالزنى أهون عقوبة، لأن الزنى من لم يكن محصنًا فعقوبته أن يجلد مائة جلدة ويغرب عن البلد سنة كاملة، وإن كان محصنًا وهو الذي قد تزوج وجامع: فعقوبته أن يرجم بالحجارة حتى يموت، أما هذا فعقوبته القتل بكل حال، كما جاء في الحديث: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (^١)
ووقعت هذه الفاحشة في عهد أبي بكر - ﵁ - فأمر أن يحرق كل من الفاعل والمفعول به، لأن الإحراق أعظم عقوبة يعاقب بها بنو آدم، وكذلك جاء عن بعض الخلفاء أنهم أمروا بإحراق اللوطي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: أجمع الصحابة - ﵃ - على قتل اللوطي فاعلًا كان أو مفعولًا به، لكنهم اختلفوا: كيف يقتل؟ منهم من قال: يحرق، ومنهم من قال: يرمى بالحجارة حتى يموت كالزاني المحصن، ومنهم من قال: يلقى من أعلى شاهق في البلد، يعني في مكان مرتفع، أعلى ما يكون في البلد، ثم يتبع بالحجارة حتى يموت، فالمهم أنهم متفقون على قتله، ولا شك أن قتله هو الحكمة، لأن هذه الفاحشة متى دبت في الرجال صار الرجال كالنساء، وبدأ الذل والعار والخزي على وجه المفعول به، لا ينساه حتى يموت، ثم استغنى الرجال
_________________
(١) تقدم ص ٨٦، وهو عند الترمذي (١٤٥٦) ..
[ ١٤٨ ]
بالرجال وبقيت النساء، لأن هذه الفاحشة - والعياذ بالله - إذا ابتلي بها الإنسان لا يلتفت إلى غيرها، لأنها مرض، فتاك ساري، فإذا أعدم هؤلاء وهم في الحقيقة جرثومة فاسدة مفسدة للإنسان، كان ذلك عين المصلحة، ثم اللواط - والعياذ بالله - لا يمكن التحرز منه، لأنه بين ذكرين لا يمكن لأي إنسان يجد ذكرين يمشيان في السوق أن ينكر عليهما اجتماعهما، ولكن الزنى إذا رأيت رجلًا مع امرأة تستنكره أو تتهمه وتتكلم معه، لذلك كانت عقوبة الإعدام في حق اللوطي أوفق ما يكون للحكمة وللرحمة، فهي رحمة بالفاعلين، يعني باللائط والملوط به، حتى لا يبقيا في حياتهما يكتسبان الإثم وتزداد العقوبة عليهما، ورحمة بالمجتمع فتكون عقوبتهما نكالًا حتى لا يفسد المجتمع، لهذا قالت الملائكة لإبراهيم: ﴿إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين﴾ وجرمهم - والعياذ بالله - ما سبقوا عليه، كما قال لهم نبيهم ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ .
﴿لنرسل عليهم حجارةً من طين مسومةً عند ربك للمسرفين﴾ حجارة من طين، لكنه ليس الطين الذي يتفتت بل الصلب العظيم الذي إذا أصابت هذه الحجارة أحدًا من الناس وضربته على رأسه خرجت من دبره، لا يردها عظم ولا لحم، لقوتها وشدتها وصلابتها - والعياذ بالله - ﴿مسومةً عند ربك﴾ أي: معلمة عند الله، يعني عليها علامة، لأن كل شيء عند الله بمقدار، لا تظن أن الأمور التي يقدرها الله - ﷿ - تأتي هكذا صدفة، بل هي بمقدار، حتى تباعد ما بين النجوم، وتفاوت ما بينها من الكبر والإضاءة بمقدار، لم يجىء هكذا فلتة أو جاء صدفة، كل
[ ١٤٩ ]
شيء عند الله بمقدار ولابد، فهذه الحجارة معلمة عند الله، وهل هي معلمة بمعنى أن هذه مكتوب عليها مثلًا حجارة عقوبة؟ أو مسومة بالنسبة لمن تقع عليه؟ الجواب: الثاني، لأن هذا أدق، هذه الحجارة لفلان، هذه الحجارة لفلان، مسومة عند ربك ﴿للمسرفين﴾ أي: للمتجاوزين حدودهم، ولا شك أن اللواط مجاوزة للحد والإسراف - والعياذ بالله - قال الله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ أخرجناهم أي: أمرناهم أمرًا قدريًا فخرجوا، قال الله تعالى للوط: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ .
فأخرج الله من كان فيها من المؤمنين، وهم لوط وأهله إلا امرأته، ولهذا ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ بيت واحد، قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله وإلى ترك هذه الفاحشة ما اتبعه أحد حتى أهل بيته لم يخلصوا، فيهم من لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخي الداعية، لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المائة إلا عشرة، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يبقون في أممهم دهورًا كثيرة ولا يتبعهم إلا القليل، ولوط ﵊ لم يتبعه من القرية أحد، وتخلف عن دعوته من تخلف، ولهذا قال: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ وهنا يتساءل الإنسان في نفسه: كيف قال: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾، هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين في الآية التي قبلها؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: إن في هذا دليلًا على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وذهب الآخرون إلى
[ ١٥٠ ]
الفرق، وقالوا: أما المؤمنون فقد نجوا، وأما البيت فهو بيت إسلام، لأن المظهر في هذا البيت - بيت لوط - أنه بيت إسلامي، حتى امرأته لم تتظاهر بالكفر، تظاهرت بأنها مسلمة، ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما﴾ ليس المعنى خانتاهما بالفاحشة، بل خانتاهما بالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنس النفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: إنه مجتمع مسلم، وإن كان فيه المنافقون، لأن المظهر مظهر إسلام، إذن نقول: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ إنما قال: من المسلمين، لأن امرأته ليست مؤمنة، ولكنها مسلمة.
﴿وتركنا فيها آيةً للذين يخافون العذاب الأَليم﴾ تركنا فيها آية أي علامة، فما العلامة؟ أهي علامة حسية، أم علامة معنوية، أم علامتان معنوية وحسية؟ والقاعدة المفيدة في التفسير: (إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مرجح لأحدهما على الآخر ولا منافاة بينهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا) فهذه الآية حسية ومعنوية، أما الحسية: فما نشاهد مكان قريتهم التي تسمى بحيرة لوط، فإن هذا كان موضع القرية، كل يمر به ويراه ويشاهده، كما قال تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون﴾ وآية معنوية كل من قرأ قصتهم في جميع ما وردت فيه من السور الكريمة اعتبر واتعظ وخاف، لكن من الذي ينتبه لهذه الآيات؟ ومن يتعظ؟ ﴿للذين يخافون العذاب الأَليم﴾ أما المنكرون الذين
[ ١٥١ ]
قست قلوبهم فإنهم لن ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى: ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ نسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين بالآيات.
﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين﴾ يعني في موسى آيات من آيات الله ﷿، حين أرسله الله تعالى إلى فرعون، وفرعون علم جنس على كل من حكم مصر وهو كافر، وموسى بن عمران ﵇ أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة من الفضل بالنسبة لأولي العزم الخمسة، فإن أفضلهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى ﴿بسلطان مبين﴾، أي: بحجة بينة في نفسها مبينة لغيرها، فالآيات التي جاء بها الأنبياء بينات واضحة لكل ذي عدل وإنصاف، وهي أيضًا مبينة لصدق ما جاءت به الرسل، ولهذا اعلم أنه كلما جاء في القرآن كلمة: (مبين) فهي بمعنى مبين في ذاته، مبين لغيره، إلا ما دل السياق أن المراد البين في ذاته، فمن الآيات العظيمة التي جاء بها موسى، عصا موسى، التي كان يستعملها ويتوكأ عليها عند الحاجة، ويهش بها على غنمه أوراق الشجر عند رعيها، وله فيها حاجات أخرى، كما قال هو ﵊ لما سأله الله ﴿وما تلك بيمينك يموسى قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مأرب أخرى﴾ . فهي آية في كونه إذا وضعها على الأرض صارت ثعبانًا مبينًا، أي: حية عظيمة تخيف من رآها، ولهذا رهب منها موسى ﵊
[ ١٥٢ ]
حين ألقاها وولى هاربًا، فناداه الله - ﷿ - (لا تخف) ومنها أنه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء في الحال، بيضاء لكن بدون سوء.
أي بدون عيب يعني ليست بيضاء برص، ولكنها بيضاء مخالفة للون جلده في الحال، حقيقة لا تخيلًا، وقال الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات﴾ المهم أنه أتى إلى فرعون بسلطان مبين وحجة دامغة بالغة، لكنه - والعياذ بالله - ﴿فتولى بركنه﴾ أي: بقوته وسلطانه وجنده، أعرض عن موسى استكبارًا وجحودًا وظلمًا وعدوانًا، قال الله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلمًا وعلوًا﴾ . ﴿وقال ساحر أو مجنون﴾ يعني أنه اتهم ﵊ بأنه ساحر، لأنه أتى بآيات تشبه ما يصنعه السحرة، عصا من خشب توضع في الأرض وتكون ثعبانًا مبينًا، ويد تدخل في الجيب وتخرج بيضاء في الحال، هذا يشبه السحر، أو ﴿مجنون﴾، وذلك بكونه يدعي أن الله وحده خالق السموات والأرض وهو الرب وهو الإله، لأنهم كانوا لا يعرفون الإله إلا فرعون، فإذا جاء شخص يقول: إن الله هو رب العالمين، وأن فرعون ليس إلهًا ولا ربًّا. فإنهم يرمونه بالجنون، هذا مجنون خرج عما نعهد، قال الله تعالى: ﴿فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم﴾ أي طرحناهم فيه، واليم هو البحر، والبحر الذي هلك فيه فرعون هو البحر الأحمر، الذي بين آسيا وأفريقيا، وذلك أن فرعون جمع جنوده وحشدهم وأراد أن يقضي على موسى وقومه، فخرج موسى ﵇ وقومه من مصر متجهين إلى الشرق، ولكن حال بينهم وبين مرادهم البحر، فلما وصلوا إلى البحر كان
[ ١٥٣ ]
البحر بين أيديهم، وفرعون وقومه خلفهم، فقال قوم موسى: ﴿إنا لمدركون﴾ يعني هلكنا، لأن فرعون خلفنا والبحر أمامنا فكيف النجاة؟! فقال موسى: ﴿كلا إن معى ربي سيهدين﴾ .
وهذه معية خاصة، تقتضي النصر والتأييد، قال: ﴿سيهدين﴾ ولم يقل: سوف يهدين، بل قال: ﴿سيهدين﴾ إشارة إلى قرب هذا الحصر وأنه سيزول قريبًا، وهذا هو الذي حصل، فأوحى الله تعالى إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق اثنتي عشرة طريقًا في الحال ويبس في الحال، وصار صالحًا للمشي عليه في الحال، كما قال ﷿: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخاف دركًا ولا تخشى﴾ . فعبر موسى وقومه من هذه الطرق العظيمة التي كان الماء بينها كالجبال ولما انتهوا خارجين كان فرعون في أثرهم وانتهوا داخلين، فأمر الله - ﷿ - بقدرته وسلطانه البحر أن يعود إلى ما كان عليه، فانطبق على فرعون وقومه فهلكوا عن آخرهم والحمد لله، ولهذا قال: ﴿وهو مليم﴾ أي: فرعون فاعل ما يلام عليه ولا شك أن رده للرسالة الإلهية، وادعائه أنه الرب وقوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيرى﴾ وما أشبه ذلك من الكلمات لا شك أنها كلمات يلام عليها، لأنه قد تبين له الحق، ولكنه عاند وأبى أن ينقاد للحق، كما قال له موسى: ﴿لقد علمت﴾ يعني يا فرعون ﴿مآ أنزل هؤلآء إلا رب السماوت والأَرض بصآئر وإني لأَظنك يفرعون مثبورًا﴾
ثم قال تعالى: ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ يعني وفي عاد آيات ﴿إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ عاد في جنوب
[ ١٥٤ ]
الجزيرة العربية، وكانوا قومًا أشداء حتى إنهم قالوا: ﴿من أشد منا قوةً﴾ فقال الله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً﴾ . فأصابهم القحط والجدب، فجعلوا يترقبون المطر، فأرسل الله عليهم الريح العظيمة الشديدة ﴿فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا﴾ قال الله تعالى: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ . فأرسل الله عليهم هذه الريح العقيم التي ليس لهم فيها ثمرة ولم تحمل ماء: كالمرأة العقيم التي لا تلد، هذه أيضًا ريح عظيمة لا تحمل سحابًا ولا مطرًا، هذه الريح العقيم هي الريح الغربية، كما جاء عن النبي ﵊: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (^١) أي: بالريح الغربية، أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ كل شيء تأتي إليه تجعله كالرميم هامدًا، حتى إنها تأخذ الرجل - والعياذ بالله - إلى فوق ثم ترده إلى الأرض ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ . ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ . هلكوا عن آخرهم، تأمل الآية، قوم عاد قوم أقوياء أشداء هلكوا بهذه الريح اللطيفة، التي لا ترى لها جسمًا، وإنما تحس بها بدون أن ترى شيئًا، ومع ذلك قضت عليهم بأمر الله - ﷿ -، ولهذا قال تعالى: ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ فهذا فيه آيات من آيات الله - ﷿ -، أرسل الله عليهم هذه الريح، فأهلكتهم عن آخرهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب (٤١٠٥) ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور (٩٠٠) .
[ ١٥٥ ]
﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ ثمود هم الذين أرسل الله إليهم نبيه صالحًا - ﵊ -، فوعظهم وذكرهم، وجعل لهم آية وهي الناقة التي شرفها الله تعالى بإضافتها إلى نفسه الكريمة، حيث قال ﵎: ﴿فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها﴾ أي احذروا ناقة الله أن تعبثوا فيها، أو أن تنكروها، وهذه الآية (لها شرب) تشرب من البئر التي تسمى بئر الناقة، ولهم شرب يوم معلوم يشربونه، فالناقة تشرب يومًا وهم يشربون يومًا، وهذه الناقة ذكروا أنهم: ما جاء أحد يستقي من هذا البئر في يومها التي تشرب منه إلا أخذ بدل شربها شيئًا من لبنها بقدر ما شربت، فالله أعلم: هل هذا هو الواقع أو يختلف؟ لكن على كل حال هذه الناقة لا شك أنها ناقة ليست كسائر النوق، إذ إنها آية من آيات الله - ﷿ -، لكنهم كذبوا وأبوا وتوعدهم ﵊ أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، ولكنهم مازالوا على كفرهم وإنكارهم، ولهذا قال: ﴿وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ وديارهم معروفة الآن، موجودة في مكان يسمى الحجر، ويسمى الآن ديار ثمود، وقد مر بها النبي ﷺ في ذهابه إلى تبوك، لكنه ﵊ أسرع حين مر بهذه الديار وقنع رأسه، ونهى أمته أن يدخلوا إلى هذه الأماكن، أماكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين، قال: «فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوها أن يصيبكم ما أصابهم» (^١) وقوله: «أن يصيبكم ما
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (٤٣٣)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم (٢٩٨٠) (٣٨) .
[ ١٥٦ ]
أصابهم» . لا يلزم منه أن يراد به ما أصابهم من العذاب الجسمي قد يكون المراد ما أصابهم من العذاب الحسي، وما أصابهم من الإعراض والكفر.
فلو قال قائل: إنه يوجد أناس يذهبون إلى هذه الأماكن وهم غير باكين ولم يصابوا بشيء.
فنقول: الجواب عن هذا من وجهين:
أولًا: أن الرسول ﵊ لم يؤكد أن يصابوا بهذا، ولكن قال: «حذار أن يصيبكم مثل ما أصابهم» (^١) .
الوجه الثاني: أن نقول: لا يتعين أن يكون المراد بذلك أن يأخذوا بما أخذ به هؤلاء من العقوبة الحسية الظاهرة، وهي الرجفة والصيحة التي أماتتهم عن آخرهم، فقد يكون المراد مرض القلب، الذي هو الاستكبار والإعراض ورد الحق.
﴿إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾، هذا الحين هو ثلاثة أيام ﴿فعتوا عن أمر ربهم﴾ أي: فأبوا ولم يرجعوا عن غيهم ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ التي صعقتهم، وهي رجفة وصيحة، ﴿وهم ينظرون﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض يتهاوون ويتساقطون أمواتًا ﴿فما استطعوا من قيام﴾ أي: ما استطاعوا أن يقوموا ﴿وما كانوا منتصرين﴾، أي: لم يتمكن بعضهم أن ينصر بعضًا، بل كلهم هلكوا عن آخرهم، وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذب أولياءه، وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذب رسله عليهم الصلاة والسلام،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الموضع السابق (٢٩٨٠) (٣٩) .
[ ١٥٧ ]
إلا أن العذاب المستأصل رفع عن هذه الأمة، فإن النبي ﷺ دعا ربه ﷾ ألا يأخذهم بسنة بعامة، أي بعقوبة عامة، لكن ابتلوا بشيء آخر وهو أن يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا (^١)، والأمر كذلك وقع، فإن هذه الأمة لم تصب بعذاب عام كما أصيبت به الأمم التي قبلها، لكن أصيبت بأن جعل الله بأسهم بينهم منذ زمن الخلفاء الراشدين ﵃ لما اختلفوا على عثمان وعلي - ﵄ - وحصلت الفتن تتوالى إلى يومنا هذا، ثم هذه الأمة التي جُعل بأسها بينها ليست هي أمة الإجابة فقط، بل أمة الإجابة وأمة الدعوة، ولهذا نقول: ما حصل من الفتن والبلاء في الأرض مشارقها ومغاربها من الكفار وغير الكفار فإنما هو نتيجة للمعاصي، وهي عقوبة هذه الأمة أن الله يذيقهم بأس بعض.
﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قومًا فسقين﴾ يعني اذكر قوم نوح من قبل، وهم أول أمة أرسل إليهم الرسول، ولكنهم كذبوا، ونوح ﵊ بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ويذكرهم ويعظهم، ولكنهم - والعياذ بالله - لم يؤمنوا، ما آمن معهم إلا قليل حتى أنه ﵊ يقول: ﴿كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾، جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يقول، واستغشوا ثيابهم أي تغطوا بها لئلا يبصرون، نسأل الله العافية، وهذا غاية ما يكون من البغضاء لما يقول ولما يفعل، ﴿وأصروا﴾
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (٢٨٨٩) .
[ ١٥٨ ]
على باطلهم ﴿واستكبروا استكبارًا﴾ فكان آخر ما قال ﵊: ﴿رب لا تذر على الأَرض من الكافرين ديارًا﴾ ودعا ربه أني مغلوب فانتصر، قال الله تعالى: ﴿ففتحنآ أبوب السماء بماء منهمر وفجرنا الأَرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ ولهذا والله أعلم سيكون عليهم نصيب من عذاب المكذبين لأنهم هم أول أمة كذبت الرسل، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (^١)، كما أن من قتل نفسًا فإن على ابن آدم الذي قتل أخاه كفلًا ونصيبًا من عذاب القاتل إلى يوم القيامة (^٢) .
ثم قال ﷿: ﴿والسماء بنينها بأيد وإنا لموسعون﴾ السماء مفعول لفعل محذوف والتقدير، وبنينا السماء، وقوله: ﴿بأيد﴾ أي: بقوة، كما قال الله تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا﴾ فالأيد هنا أي القوة، وليست جمع يد كما يتوهم بعض الناس، ويظنون أن الله تعالى بنى السماء بيديه ﷿؛ لأن الأيد هنا مصدر آد يئد بمعنى القوة، كما يقال باع يبيع بيعًا، ولهذا لم يضف الله هذه الكلمة إلى نفسه الكريمة كما أضافها إلى نفسه الكريمة في قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعمًا﴾ فمن فسر الأيد بالقوة هنا فإنه لا يقال: إنه من أهل التأويل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، بل هو من التأويل الصحيح، والإنسان إذا تأمل وتفكر في السماوات عرف أنها قوية شديدة
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة (١٠١٧) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣٥)، ومسلم، كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل (١٦٧٧) .
[ ١٥٩ ]
عظيمة، وأن قوتها تدل على قوة بانيها - ﷿ - ﴿وإنا لموسعون﴾ أي: لموسعون لأرجائها، لأنها واسعة عظيمة، ولهذا كانت السماوات أكبر بكثير من الأرض، وهي محيطة بالأرض من كل جانب، وعلى هذا فتكون أوسع من الأرض، وليست الأرض بالنسبة للسماء إلا شيئًا يسيرًا، ﴿والأَرض فرشنها﴾ أي: فرشنا لأهلها، جعلناها لهم كالفراش يأوون إليها ويتمتعون بها، لم يجعلها الله تعالى صعبة ولا سهلة، بل هي متوسطة لو كانت لينة رخوة ما تمكن أحد من البقاء عليها، ولو كانت صعبة ما تمكن أحد من الانتفاع بها، ولكنها كانت كما وصفها الله - ﷿ -: ﴿هو الذي جعل لكم الأَرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ .
﴿فنعم المهدون﴾ أثنى على نفسه ﵎ بذلك، لأنه أهل للثناء، وقد جعل الله ﵎ الأرض على مستوى نافع للعباد، ليست بالقاسية التي يعجز الناس عن الانتفاع بها، وليست باللينة التي لا يستقرون عليها، بل هي مناسبة تمامًا لهم، على أن فيها اختلافًا في الليونة وفي الصلابة، لكن هذا لا يمنع الانتفاع بها.
﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ خلق الله ﵎ من كل شيء زوجين متقابلين، حتى تتم الحال وتصلح باجتماع بعضهما إلى بعض، فالحيوان كله من إنسان وغيره يكون من زوجين بين ذكر وأنثى، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبآئل لتعرفوا﴾ إلا أن آدم عليه
[ ١٦٠ ]
الصلاة والسلام خلقه الله بيده من غير أم ولا أب، وحواء خلقت من أب بلا أم، وعيسى ابن مريم خلق من أم بلا أب، ولهذا ينقسم الناس إلى أربعة أقسام: الأول: من خلق بلا أم ولا أب وهو: آدم، والثاني: من خلق من أب بلا أم وهي: حواء، والثالث: من خلق من أم بلا أب وهو: عيسى، والرابع: بقية البشر خلقوا من ذكر وأنثى، فمن كل شيء خلق الله زوجين، اليابس والرطب، والحرارة والبرودة، واللين والقسوة، وغيره مما إذا تأمله الإنسان عرف بذلك حكمة الله ﷾ ﴿لعلكم تذكرون﴾، أي: بينا ذلك لكم، لأجل أن تذكروا وتتعظوا بآيات الله ﵎، فإن الإنسان كلما كان أعلم بآيات الله الكونية أو الشرعية كان أكثر اتعاظًا واعتبارًا، ولهذا حث الله على النظر في الآيات الكونية فقال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوت والأَرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ . وقال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوت والأَرض وما بينهمآ إلا بالحق﴾ ومدح الله تعالى الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض بقوله: ﴿إن في خلق السماوت والأَرض واختلاف الليل والنهار لأَيات لأُولى الأَلباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوت والأَرض ربنآ ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ . لهذا ينبغي الإنسان أن يتعظ ويتذكر ويتدبر آيات الله ﷾ الكونية والشرعية.
﴿ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين﴾ هذا كأنه على لسان النبي ﷺ أي قل لهم ﴿ففروا إلى الله إني لكم منه﴾ أي: من
[ ١٦١ ]
الله، والفرار إلى الله يكون بالقيام بطاعته واجتناب نواهيه، لأنه لا ينقذك من عذاب الله، إلا أن تقوم بطاعة الله، فكأن الإنسان إذا قام بطاعة الله ﷿ كأنه فر من عدو، أرأيت لو أن واديًا عرمًا يهدر، أقبل عليك فإنك لن تقف أمامه، بل تهرب منه وتفر منه، كذلك لو أن حريقًا ملتهبًا أقبل إليك فإنك لن تقف بل تفر، كذلك نار جهنم أشد وأعظم وأولى بالفرار منها، ولهذا قال: ﴿ففروا إلى الله﴾، أي: من عذاب الله ﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ أي: منذر ﴿مبين﴾ أي: مظهر لما أنذر به ومبين له، فهو ﵊ نذير من الله تعالى لعباده، ينذر من خالف أمره بالعذاب، ومع هذا هو ﷺ بشير لمن آمن وأطاع بالجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ لكن الله ﵎ يذكر الإنذار فقط في مقام التهديد والوعيد، وهذه السورة كلها ذكر للأمم السابقين وما حل بهم من العقوبة لمخالفتهم أمر الله ﵎، ﴿ولا تجعلوا مع الله إلهًا ءاخر﴾، أي: لا تجعلوا معه معبودًا تعبدونه، والمعبود أنواع وأصناف، فمن الناس من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد الحيوان، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد المال، كما قال النبي ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط
[ ١٦٢ ]
سخط» (^١)
فبين الرسول ﵊ أن الذي ليس لهم همٍّ إلا المال فإنه عابد له في الحقيقة، وإن كان لا يركع له ولا يسجد، لكن تعلق قلبه به واهتمامه به، وكونه يرضى لحصوله، ويسخط لمنعه، لا شك أنه قد استولى على قلبه استيلاء تامًّا، لكن المعبود تختلف عبادته في الحكم، فإن كان يصرف له شيء من العبادة، فهذا شرك أكبر، وإن كان لا يصرف له شيء من العبادة، ولكنه يتعلق به القلب تعلقًا كاملًا حتى إنه ليدع الواجبات ويقع في المحرمات من أجل الحصول عليه، فهذه عبادة لا تخرج من الدين لكنها حقًّا عبادة ﴿إني لكم منه نذير مبين﴾ كرر ذلك لأهمية الموضوع، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا الاتعاظ والانتفاع بآيات الله تعالى، إنه على كل شيء قدير.
﴿كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ يعني أن الأمر الذي حصل لك يا محمد حصل لمن قبلك، فقوله (كذلك) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أن أمر الأمم السابقة كأمر هؤلاء الذين كذبوك يا محمد، وفسر ﴿كذلك﴾ بقوله: ﴿مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ يعني ما أتاهم رسول إلا قالوا كذا، و(من) في قوله (من رسول) زائدة من حيث الإعراب، كقوله تعالى: ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ والمعنى ما جاءنا بشير ونذير، لكن تزاد الحروف في بعض الجمل للتأكيد، فما أتى الذين من قبلهم من رسول يعني ما أتاهم رسول إلا وصفوه بهذين الوصفين إلا قالوا:
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١٠١) ..
[ ١٦٣ ]
ساحر أو مجنون، ساحر باعتبار تأثيره وبيانه وبلاغته، لأن النبي ﷺ قال: «إن من البيان لسحرًا» (^١) أو مجنون يعني أو قالوا مجنون باعتبار تصرفاته، لأن هذا التصرف في نظر هؤلاء المكذبين جنون، نسأل الله العافية، وفي هذا تسلية للرسول ﵊، لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصابه ما أصابه تسلى بذلك، وهان عليه الأمر، ولهذا قالت الخنساء تماضر وهي ترثي أخاها صخرًا:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
وقد دل لذلك قول الله ﵎: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ . لأن الإنسان إذا شاركه غيره في العذاب هان عليه، لكن يوم القيامة لا ينفع الإنسان أن يشاركه غيره في عقوبته، والمهم أن في هذه الجملة بالنسبة للرسول ﵊ تسلية حتى لا يحزن، فإن ما أصابه قد أصاب غيره، وفيها أيضًا دليل على أن المكذبين للرسل طريقهم واحدة، ولو تباعدت أزمانهم، ولو تباعدت أقطارهم، لأن المجرم أخو المجرم، فالطريقة واحدة، قال الله تعالى: ﴿أتواصوا به﴾ أي بهذا القول ﴿بل هم قوم طاغون﴾ يعني هل هؤلاء المكذبين للرسل الذين اتفقوا على وصف الرسل بأنهم سحرة ومجانين، هل هم تواصوا بذلك؟ يعني هل كل واحد من هؤلاء الأمم كتب وصية إلى الأمم اللاحقة: أن قولوا لأنبيائكم:
_________________
(١) تقدم ص ١١٨ وهو عند البخاري (٥١٤٦) .
[ ١٦٤ ]
إنكم سحرة ومجانين؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿بل هم قوم طغون﴾ وهذا إضراب إبطال يعني لم يحصل تواصٍ، ولكن تواردت الخواطر، لأن الهدف واحد وهو تكذيب الرسل، فاتفقت الكلمة، وفي قوله (طاغون) وصف بأن هؤلاء طغاة معتدون، وهذا من أعظم الطغيان - والعياذ بالله - أن يوصف دعاة الحق بأنهم سحرة ومجانين، قال الله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ أي: أعرض عن هؤلاء ولا تهتم بهم ﴿فمآ أنت بملوم﴾ يعني لا أحد يلومك لأنك بلَّغت الرسالة، وأدَّيت الأمانة، وصبرت وصابرت، فلقد صبر النبي ﷺ، وصابر على أذى قريش وامتهانهم إياه، ولكنه كانت له العاقبة ولله الحمد، ولهذا قال: ﴿فتول عنهم﴾، بمعنى أنك لا تتعب نفسك بهم، ولا تهلك نفسك فيهم، فأنت في هذه الحال لا تلام على ذلك، لأنه ﷺ قام بما يجب عليه، وفي قوله ﴿فتول عنهم فمآ أنت بملوم﴾ أمران:
الأمر الأول: عذر النبي ﵊ وإقامة العذر له.
والثاني: تهديد هؤلاء المكذبين: فالله تعالى يهددهم بتولي الرسول عنهم، لأنهم لا خير فيهم.
ثم قال: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ أي: ذكر الناس بآيات الله وبأيامه، وشرائعه وما أوجب الله على العباد. وبأيامه: عقابه ﵎ للمكذبين وإثابته للطائعين، لكن أطلق الله الذكرى وقال: ﴿وذكر﴾ ولم يقل: وذكر المؤمنين، لكن بين أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون فقال: ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ لأن المؤمن إذا ذكر فهو كما وصفه الله عز
[ ١٦٥ ]
وجل: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا﴾ بل يقبلونها بكل رحابة صدر وبكل طمأنينة، وفي الآية الدليل على وجوب التذكير على كل حال، وفيها أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون، وأن من لا ينتفع بالذكر فهو ليس بمؤمن: إما فاقد الإيمان، وإما ناقص الإيمان، وهنا فتش عن نفسك: هل أنت إذا ذكرت بآيات الله وخوفت من الله ﷿ هل أنت تتذكر أم يبقى قلبك كما هو قاسيًا، إن كانت الأولى فاحمد الله فإنك من المؤمنين، وإن كانت الثانية فحاسب نفسك، ولا تلومن إلا نفسك، وعليك أن ترجع إلى الله - ﷿ - حتى تنتفع بالذكرى، وفي الآية دليل على أنه كلما كان الإيمان أقوى كان الانتفاع بالذكرى أعظم وأشد، وذلك من قاعدة معروفة عند العلماء، وهي: أن الحكم إذا علق بوصف ازداد بزيادته ونقص بنقصانه.
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أي ما أوجدتهم بعد العدم إلا لهذه الحكمة العظيمة، وهي عبادة الله ﵎، وحده لا شريك له، واللام في قوله ﴿ليعبدون﴾ للتعليل، لكن هذا التعليل تعليل شرعي، أي لأجل أن يعبدون، حيث آمرهم فيمتثلوا أمري، وليست اللام هنا تعليلًا قدريًا، لأنه لو كان تعليلًا قدريًا للزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس، والجن عالم غيبي خلقوا من نار، لأن أباهم هو إبليس كما قال الله تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو﴾ فسموا جنًّا
[ ١٦٦ ]
لأنهم مستترون عن الأعين، حيث إنهم يروننا ولا نراهم، هذا هو الأصل أنهم عالم غيبي، لكن قد يظهرون أحيانًا، والأصل فيهم أنهم كالإنس منهم المسلمون، ومنهم غير المسلمين، ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، لكن الإنس يفضلونهم بأنهم أحسن منهم من حيث الابتداء، حيث إنهم خلقوا من الطين، من التراب، من صلصال كالفخار، وأما أولئك الجن فخلقوا من النار، كذلك يمتاز الإنس عنهم بأن منهم الرسل والأنبياء، وأما الجن فليس منهم رسل، ولكن منهم نُذر، يبلغونهم الرسالات من الإنس، كما في قول الله تعالى: ﴿وإذ صرفنآ إليك نفرًا من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين﴾ فانظر إلى أدبهم في قولهم: أنصتوا ثم بقائهم حتى انتهى المجلس، ثم ذهبوا دعاة لما سمعوا، قالوا: ﴿أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين﴾ ﴿قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى﴾ إلى آخر الآية، وأما الإنس فهم بنو آدم البشر، هؤلاء خلقوا لشيء واحد، لعبادة الله، لا لأجل أن ينفعوا الله بطاعتهم، ولا أن يضروه بمعاصيهم، ولا أن يطعموه، ولهذا قال: ﴿مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون﴾ يعني ما أطلب منهم رزقًا أي
عطاءً أنتفع به، ولا أن يطعمون فأنتفع بإطعامهم، قال الله ﵎: ﴿قل أغير الله أتخذ وليًا فاطر السماوات والأَرض وهو يطعم ولا يطعم﴾، فهو ﷾ له الجود والغنى والكرم وهو غني عما سواه، فالحكمة من خلق الجن والإنس العبادة، فلم يخلقوا لأجل أن يعمروا الأرض، ولا لأجل أن يأكلوا، ولا لأجل أن
[ ١٦٧ ]
يشربوا، ولا أن يتمتعوا كما تتمتع الأنعام، وإنما خلقوا لعبادة الله، وخلق لهم ما في الأرض، فنحن مخلوقون للعبادة، وكل ما في الأرض مخلوق لنا، ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأَرض جميعًا﴾ والعجب أن قومنا الآن اشتغلوا فيما خلق لهم عما خلقوا له، وهذامن السفه أن يشتغلوا بشيء خلق لهم، عن شيء خلقوا من أجله. والعبادة تطلق على معنيين:
المعنى الأول: التعبد، يعني فعل العبد، فيقال: تعبد لله عبادة.
والثاني: المتعبد به، وهذا المعنى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: إنه (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة)، فهي اسم جامع لكل شيء، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، وكل ما يقرب إلى الله من قول، أو فعل فإنه عبادة. ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ هو الرزاق يعني هو صاحب العطاء الذي يعطي، فالرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ أي: أعطوهم، وكلمة (الرزاق) أبلغ من كلمة (الرازق)؛ لأن (الرزاق) صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق الله تعالى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، من إنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير، ولا يمكن أن نحصي أنواع المخلوقات على الأرض، ولو قلت لك أحص
[ ١٦٨ ]
العوالم التي في الأرض ما استطعت، فضلًا عن أفرادها، فكل فرد منها فإن الله تعالى متكلف برزقه ﴿وما من دآبة في الأَرض إلا على الله رزقها﴾ فإذا كان الأمر كذلك صار رزق الله كثيرًا باعتبار المرزوق، مَن يحصي المرزوقين؟ لا أحد يحصيهم أبدًا، ورزقه كثير باعتبار الواحد، فكم لله عليك من رزق كثير لا يحصى، رزق الله لك دارٍّ عليك ليلًا ونهارًا، رزقك عقلًا، وصحة، ومالًا، وولدًا، وأمنًا وأشياء لا تحصى، ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾، ولهذا جاء اسم الرزَّاق بالتشديد الدال على الكثرة، وقوله: ﴿ذو القوة﴾ أي: صاحب القوة التي لا قوة تضادها، كما قال الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
فقوة الله ﷿ لا يضاهيها قوة، قوته - ﷿ - لا يعتريها ضعف، بخلاف قوة المخلوق، فقوته تنتهي إلى ضعف، كما قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبةً يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾ أما الرب ﷿ فقوته لا يلحقها ضعف بأي وجه من الوجوه، ولما قالت عاد: من أشد منا قوة؟ قال الله؟ ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً﴾ وصدق الله - ﷿ - وقوله: ﴿المتين﴾ يعني الشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدة فيه، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأَخر وليشهد عذابهما طآئفة من
[ ١٦٩ ]
المؤمنين﴾ . هذه شدة، والله - ﷿ - أرحم الراحمين، ومع ذلك ينهانا أن تأخذنا الرأفة، في الزانية والزاني ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة﴾، وهذا دليل على القوة، ومن قوته - ﷿ - أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ولم يعِ بخلقهن، ومن قوته وقدرته أنه جل وعلا يبعث الناس كنفس واحدة ﴿فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة﴾ والأمثلة على هذا كثيرة، فهو جل وعلا له القوة البالغة التي لا يمكن أن تضاهيها أي قوة.
ثم قال الله تعالى: ﴿فإن للذين ظلموا ذنوبًا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون﴾ أي: الذين ظلموا بالكفر لهم ﴿ذنوبًا مثل ذنوب أصحابهم﴾ والذنوب في الأصل هو الدلو، أو ما يستقى به، وشاهد ذلك قوله ﷺ: «أريقوا على بوله ذنوبًا من ماء» (^١) والمعنى: هؤلاء الظالمون لهم نصيب مثل نصيب من سبقهم ﴿فإن للذين ظلموا ذنوبًا مثل ذنوب أصحابهم﴾ أي نصيبًا من العذاب مثل نصيب أصحابهم، وانظر كيف سمى الله تعالى السابقين بأزمان بعيدة أصحابًا لهؤلاء، وذلك لاتفاقهم في التكذيب، ورمي الرسل بما لا يستحقون، فهم أصحاب في الواقع وإن تباعدت الأزمان والأماكن ﴿فلا يستعجلون﴾، النون هنا مكسورة على أنها نون الوقاية وحذف الضمير: الياء، وأصله فلا يستعجلوني، فحذفت الياء تخفيفًا، ولهذا لا يشكل على الإنسان فيقول: كيف كانت
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد (٢٢٠) ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات (٢٨٤) (٩٩) .
[ ١٧٠ ]
النون مع أن (لا) ناهية؟ والجواب أن نقول: هذه النون ليست نون الإعراب، ولكنها نون الوقاية، فالفعل إذًا مجزوم، والنون للوقاية، والياء التي هي المفعول محذوفة، وفي قوله: ﴿فلا يستعجلون﴾ تهديد واضح أن هؤلاء سيأتيهم العذاب لا محالة، ولكن لا يستعجلون الله - ﷿ - لأن الله تعالى يملي للظالم ويمهله حتى إذا أخذه لم يفلته، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (^١) وتلا قوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ .
﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ ويل: بمعنى الوعيد والعذاب، يعني أنه يتوعدهم - ﷿ - من هذا اليوم الذي يوعدون وهو يوم القيامة؛ لأنهم سيجدون ما أرسل إليهم حقًّا، وسيجدون الذل والعار ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ . ﴿ونحشر المجرمين يومئذ زرقًا﴾ . فيكونون من بين هذا العالم - نسأل الله العافية - على هذا الوجه، ولهذا قال: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ وسيكون هذا اليوم يومًا عسيرًا عليهم، لأنهم كفرة والعياذ بالله.
تم تفسير سورة الذاريات.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى﴾ (٤٦٨٦) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٢٥٨٣) .
[ ١٧١ ]