﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ البسملة تقدم الكلام عليها. ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ اقتربت بمعنى قربت، لكن العلماء يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، وهنا اقتربت فيها زيادة المبنى على قربت، والزيادة: الهمزة والتاء، فيدل على أن القرب قريب جدًا، فمعنى اقتربت أي قربت جدًا، والساعة هي يوم القيامة، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتةً فقد جاء أشراطها﴾ أي: علاماتها، ومن علاماتها بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن بعثة الرسول ﵊ وكونه خاتم الأنبياء دليل على أنه قد قربت الساعة، ولهذا حقق النبي ﵊ هذا بقوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (^١) وقال بإصبعه الوسطى والسبابة، والسبابة قريبة من الوسطى ليس بينهما إلا جزء يسير مقدار الظفر، وهذا يدل على قربها، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول ﷺ؟ نحن في القرن الخامس عشر الهجري بعد بعثة الرسول ﷺ بثلاث عشرة سنة، ومع ذلك مازالت الدنيا باقية مما يدل على أن ما مضى طويل جدًا، حتى إن الرسول ﷺ عند غروب الشمس قال: «إنه لم يبق من الدنيا - يعني بالنسبة لمن سبقكم - إلا كما بقي من يومكم هذا» (^٢)
، ﴿وانشق القمر﴾ كأن الله أشار
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي؟: بعثت أنا والساعة كهاتين (٦٥٠٤) ومسلم، كتاب الفتنة وأشراط الساعة، باب قرب الساعة (٢٩٥١) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (رقم ٥٥٧) ..
[ ٢٦١ ]
إلى أن هذا من أشراط الساعة، ﴿وانشق القمر﴾ والمعنى أنه صار فرقتين تميز بعضهما عن بعض، أحدهماعلى جبل أبي قبيس، والثانية على جبل قعيقعان يعني فلقة على الصفا وفلقة على المروة، والمسافة السماوية في رؤيا العين ما بين الصفا والمروة بعيدة جدًا، قد تستغرق سنوات، انشق القمر بلحظة بأمر الله - ﷿ - وتباعدت أجزاؤه بلحظة، لأن قريشًا كانوا يتحدون الرسول ﵊ ويطلبون منه الآيات، وقد قال الله ردًّا عليهم: ﴿قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ لكن لم يكفهم، لأنهم معاندون لا يريدون الحق، أتوا إلى الرسول ﵊ قالوا: يا محمد أنت تقول إنك رسول، وإنك يأتيك الخبر من السماء وكذا وكذا فأرنا آية، فأشار النبي ﷺ إلى القمر ودعا ربه فانفلق فرقتين بلحظة (^١)،
ومن يفلق هذا الجسم العظيم الأفقي العالي إلا رب العالمين - ﷿ -؟! أراهم إياه، ولكن لم ينفعهم، وقالوا: سحرنا محمد، وبعضهم قال: سحر القمر، وأنكروا، فقال بعضهم لبعض: اسألوا المسافرين إذا قدموا هل رأوه أم لا؟ فصاروا يسألون المسافرين من كل وجه: هل رأوه أم لا؟ فيقولون: نعم، رأيناه في الليلة الفلانية كذا وكذا، وهذا بالنسبة للقريبين منهم كأهل الجزيرة مثلًا، أما البعيدون فقد لا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ (رقم ٤٨٦٤) ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر (رقم ٢٨٠٠) ..
[ ٢٦٢ ]
يرونه، وكما نعلم الآن أن الليل هنا يكون نهارًا في مكان آخر، أو لوجود غيوم وضباب كثير يمنع الرؤيا؛ ولهذا لا يمكن أبدًا لأي عاقل أن ينكر انشقاق القمر انشقاقًا حسيًّا، لأنه لم يذكر في تاريخ اليونان، ولم يذكر في تاريخ الهند ولم يذكر في كذا وكذا، هذا ليس حجة يبطل به ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن القمر انشق فعلًا انشقاقًا حسيًّا، ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب، قادر على أن يفرق القمر فرقتين، ولا شيء يعجزه، ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأَرض إنه كان عليمًا قديرًا﴾ ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويقولون: إن الأفلاك السماوية لا يمكن أن تتغير، نقول: الله أكبر، مَن الذي خلق الأفلاك السماوية أليس الله؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها ﴿إنما أمره إذآ أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾، فانشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فرقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئًا، ولهذا قال: ﴿وإن يروا آيةً يعرضوا﴾ ﴿آيةً﴾ نكرة في سياق الشرط، أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها، ويجمعون بين الإعراض وبين الإنكار باللسان، ﴿يعرضوا﴾ أي: بقلوبهم وأبدانهم، ويقولوا بألسنتهم: ﴿سحر مستمر﴾، أي: هذا سحر، والسحر لا يؤثر في قلب الأعيان، ولكن يؤثر في رؤية
الأعيان، والدليل أن موسى ﵊ لما ألقى السحرة سحرهم، كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى حية، وانقلب الوادي كله حيات تسعى،
[ ٢٦٣ ]
حتى إن موسى أوجس في نفسه خيفة من هول ما رأى، لكن هذه الحبال والعصي لم تنقلب إلى حيات، لكن حسب نظر الرائي أنها حيات، فهم يقولون: سحرنا محمد حتى كانت أعيننا ترى القمر وهو واحد تراه فرقتين ﴿ويقولوا سحر مستمر﴾ مستمر، قيل: إن المعنى زائل ذاهب من مر بالشيء إذا تجاوزه، يقولون: هذا سحر ولن يستقر ولا قرار له، وقيل: مستمر يعني أن كل الآيات التي يأتي بها سحر، أي مستمر من مرار الشيء ودوام الشيء، وأيًّا كان فإنهم أنكروا وكذبوا، ولهذا قال تعالى: ﴿وكذبوا﴾، أي: كذبوا النبي ﷺ، وكذبوا بآياته، ﴿واتبعوا أهواءهم﴾ أي: ما يريدون من الباطل ﴿وكل أمر مستقر﴾، أي: كل أمر لابد له من قرار، فهؤلاء المكذبون قرارهم الذل والخسران في الدنيا، والنار في الآخرة، والنبي ﷺ ومن اتبعه أمرهم مستقر بالنصر والتأييد في الدنيا، والجنة في الآخرة، جعلنا الله منهم.
﴿ولقد جاءهم من الأَنباء ما فيه مزدجر﴾ هذه الجملة فيها اللام وقد، وهما من أدوات التوكيد، وفيها قسم مقدر دلت عليه اللام في قوله: ﴿ولقد جاءهم﴾، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، القسم واللام وقد، والله ﷾ صادق بغير توكيد لخبره، لكن هذا القرآن بلسان عربي مبين، واللسان العربي من بلاغته تأكيد الأشياء الهامة حتى تثبت وترسخ في الذهن، ﴿ولقد جاءهم﴾ أي: قريشًا جاءهم من الأنباء التي فيها رشدهم وصلاحهم وفلاحهم ﴿ما فيه مزدجر﴾ أي: ازدجار عن الشرك والعصيان، ولكنهم لم ينتفعوا بذلك.
[ ٢٦٤ ]
﴿حكمة بالغة﴾ يعني أن الأنباء التي جاءتهم حكمة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ والحكمة هي تنزيل الشيء منزلته اللائقة به، ولا شك أن شريعة الله حكمة كلها ومطابقة لما فيه صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، وقوله: ﴿بالغة﴾ أي: تامة واصلة إلى الغرض المقصود منها ﴿فما تغني النذر﴾ (ما) يحتمل أن تكون نافية، يعني أن النذر لا تغنيهم شيئًا، ويحتمل أن تكون استفهامًا على وجه التوبيخ، يعني فأي شيء تغنيهم، وكلاهما صحيح، فالنذر لم تغنهم شيئًا، وإذا لم تغنهم هذه النذر المشتملة على حكمة بالغة فأي شيء يغنيهم؟ الجواب: لا شيء، لأنهم معاندون مستكبرون، لهذا قال - ﷿ -: ﴿فتول عنهم﴾، الخطاب للرسول ﷺ تول عن هؤلاء؛ لأنهم معاندون مستكبرون، سوف يأتيهم ما وُعدوا به، وسوف يتحقق لك ما وُعدت به، ويحسن أن يقف القارىء على قوله: ﴿فتول عنهم﴾ ثم يستأنف ويقول: ﴿يوم يدعو الداع إلى شيء نكر﴾، لأن القارىء لو وصل لأوهم أن التولي يكون يوم يدع الداع، ومعلوم أن التولي في الدنيا وليس يوم يدع الداع، وقوله: ﴿يوم يدعو الداع﴾ ظرف، والظرف لابد له من عامل، كالجار والمجرور، لابد له من عامل، وكجميع المفعولات لابد لها من عامل، فما هو العامل؟ العامل قوله: يخرجون ﴿خشعًا أبصرهم يخرجون﴾ فهي متعلقة بـ (يخرجون) أي: سوف يأتيهم العذاب في ذلك الوقت يوم ﴿يخرجون من الأَجداث كأنهم جراد منتشر﴾ وقوله: ﴿يوم يدعو الداع إلى شيء نكر﴾ هو داعي يوم القيامة ﴿إلى شيء
[ ٢٦٥ ]
نكر﴾ أي: منكر عظيم لشدة أهواله، فإنه لا شيء أنكر على النفوس من ذلك اليوم؛ لأنهم لم يشاهدوا له نظيرًا ﴿خشعًا أبصارهم﴾ يعني أن أبصارهم خاشعة ذليلة، كما قال الله - ﷿ -: ﴿ينظرون من طرف خفي﴾ هم الآن مستكبرون رافعو رؤوسهم، يرون أن الناس تحتهم، وأنهم فوق
الناس، لكن سيأتي اليوم الذي يكونون بالعكس ﴿خشعًا أبصرهم يخرجون من الأَجداث كأنهم جراد منتشر﴾، الأجداث هي القبور، والجراد المنتشر هو المنبث في الأرض الذي لا يدري أين وجهه ليس له طريق قائمة، لا يعرف كيف ينتهي، ولكنهم منتشرون، وهذا من أدق التشبيهات، لأن الجراد المنتشر تجده يذهب يمينًا ويسارًا لا يدري أين يذهب، فهم سيخرجون من الأجداث على هذا الوجه، بينما هم في الدنيا لهم قائد، ولهم أمير، ولهم موجِّه يعرفون طريقهم، وإن كان طريقًا فاسدًا ﴿مهطعين إلى الداع﴾ يعني أنهم مسرعون خاضعو الأعناق، كالرجل إذا أسرع وركض تجده يقدم رأسه يخضعه، فهم يخرجون من الأجداث مهطعين إلى الداعي، أي مسرعين خافضو رؤوسهم من الفزع والهول والشدة ﴿يقول الكافرون هذا يوم عسر﴾ وتأمل قوله: ﴿يقول الكافرون﴾ ولم يقل: يقول الناس، لأن هذا اليوم العسر لا شك أنه في حد ذاته عسر شديد عظيم ولكنه على الكافرين عسير، وعلى المؤمنين يسير، كما قال الله ﵎: ﴿وكان يومًا على الكافرين عسيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿على الكافرين غير يسير﴾ وأما على المؤمنين فهو يسير، ولله الحمد جعلنا الله منهم.
[ ٢٦٦ ]
ثم بدأ الله - ﷿ - بقصص الأنبياء على وجه مختصر في هذه السورة، لكنه مؤثر تأثيرًا بالغًا، لو قرأتها بتمهل وتدبر لوجدت أنها مؤثرة جدًّا، كلمات مختصرة لكنها رادعة تمامًا ﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾ ونوح هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بدلالة القرآن والسنة، قال الله ﵎: ﴿إنا أوحينآ إليك كما أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب﴾ وبهذا نعرف أن ما ذكره بعض المؤرخين من أن إدريس هو الجد لنوح، كذب لا شك فيه، وليس قبل نوح رسول وفي حديث الشفاعة التصريح بأنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (^١)، ولذلك كان من عقيدتنا أن أول الرسل نوح، وأن آخر الأنبياء والرسل محمد ﷺ، ﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾ لم يفصل الله ﷿ هذا التكذيب، لكنه أنزل في ذلك سورة تامة وهي سورة نوح، فصل الله فيها تفصيلًا تامًّا في تكذيبهم وأخذهم، ﴿فكذبوا عبدنا﴾ وهو نوح وصفه الله بالعبودية، لأن العبودية أشرف ألقاب البشر، وهي التذلل لله بالطاعة والإنابة والتوكل وغير ذلك، والعبودية من حيث هي ثلاثة أنواع:
عبودية عامة: تشمل جميع الخلق، وهي التذلل للأمر الكوني كقوله ﵎: ﴿إن كل من في السماوات والأَرض إلا آتى الرحمن عبدًا﴾ . أي: ما كل من في السموات والأرض إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا﴾ (٤٧١٢) ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٤) .
[ ٢٦٧ ]
هذه حاله: أنه آتي الرحمن عبدًا، وهذه العبودية للأمر الكوني، لأن أمر الله ﷿ الكوني لا يمكن لأحد أن يفر منه، مهما كانت قوته.
النوع الثاني: العبودية الخاصة بالمؤمنين: مثل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأَرض هونًا﴾ فهذه عامة لكل مؤمن.
الثالث: العبودية الخاصة بالأنبياء: وهذه مثل قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا﴾ . ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ . ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ . ومن ذلك هذه الآية: ﴿فكذبوا عبدنا﴾ .
وقد لبث فيهم نوح ﵊ ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، لكنهم كلما دعاهم إلى الله ليغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا قوله، واستغشوا ثيابهم حتى لا يروه، ولا أبلغ من هذا الاستكبار أن يضع الإنسان يده في أذنيه حتى لا يسمع قول الداعي، وأن يستغشي ثوبه فيتغطى به حتى لا يراه ﴿وقالوا مجنون﴾ المجنون فاقد العقل الذي يهذي بما لا يدري قالوا: إنه مجنون، وهذه القولة قيلت لكل الرسل، قال الله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ و(أو) هنا إما للتنويع يعني بعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: مجنون، أو أنها للتنويع يعني بمعنى أن بعض المكذبين يقول ساحر، وبعضهم يقول: مجنون، أو أنهم يقولون هذا وهذا.
﴿وازدجر﴾ أي: زجر زجرًا شديدًا، والزجر هو
[ ٢٦٨ ]
النهر بشدة وعنف، والدال هنا منقلبة عن تاء، وقد قال العلماء: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والمعنى: أنه زجرٌ شديدٌ، وقوله: ﴿وازدجر﴾ ينبغي ألا توصل بما قبلها، لأنك لو وصلت وقلت: ﴿وقالوا مجنون وازدجر﴾ لتوهَّم السامع أنهم يقولون مجنون وازدجر، يعني زجره غيرنا، لكن المعنى خلاف ذلك، المعنى كذبوا وازدجروه، فإذن الأولَى أن تقف على قوله، ﴿وقالوا مجنون﴾ ثم تصل وتقول: ﴿وازدجر﴾ فيكون هنا لم يقتصر هؤلاء المكذبون على أن كذبوا بل كذبوا وزجروا وتوعدوا وسخروا، ولما طال الأمد ﴿فدعا ربه أني مغلوب فانتصر﴾ الله أكبر، كلمتان ﴿أني مغلوب فانتصر﴾ ولقد دعا أهلًا للإجابة - جل وعلا - فأجاب الله قال: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾، وفي قراءة (فتَّحْنَا) وكلاهما حق، وينبغي لمن علم القراءة الأخرى أن يقرأ بهذه تارة وهذه تارة، بشرط ألا يكون ذلك بحضرة العوام، لأن العوام لا ينبغي أن تقرأ عليهم قراءة خارجة عن المصحف الذي بأيديهم فتحدث لهم تشويشًا، وربما تهبط منزلة القرآن في نفوسهم، أو ينسبوك إلى الغلط والتحريف، لكن عند طلبة العلم وعند التعليم، أو بينك وبين نفسك ينبغي أن تقرأ بالقراءات الثابتة مرة بهذه ومرة بهذه، كما نقول هذا أيضًا في العبادات المتنوعة تفعل هذه مرة وهذه مرة، كالاستفتاحات ونحوها ﴿ففتحنا أبواب السماء﴾ كل باب في السماء انفتح ﴿بماء منهمر﴾ أي: منصب صبًّا شديدًا، فكان كأفواه القرب، ليس كالذرات المعروفة، بل أشد، ﴿وفجرنا الأَرض عيونًا﴾، أي عيونًا من المياه، وتأمل قوله
[ ٢٦٩ ]
تعالى: ﴿وفجرنا الأَرض عيونًا﴾ ولم يقل فجرنا عيون الأرض، كأن الأرض كلها كانت عيونًا متفجرة، حتى التنور الذي هو أبعد ما يكون عن الماء لحرارته ويبوسته صار يفور، كما قال الله - ﷿ -:
﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ وفي هذا من الدلالة على قدرة الله ﵎ ما لا يخفى، وأن هذه الفيضانات التي تحدث إنما تحدث بأمر الله - ﷿ -، وليست كما قال الطبيعيون: إنها من الطبيعة، يقولون: هاجت الطبيعة، غضبت الطبيعة، وما أشبه ذلك نسأل الله العافية، بل هي بأمر من يقول للشيء كن فيكون، ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ هنا ماءان: ماء نازل من السماء دل عليه قوله: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ وماء من الأرض نابع دل عليه قوله: ﴿وفجرنا الأَرض عيونًا﴾ فلماذا لم يقل فالتقى الماءان، لأن المراد ماء السماء وماء الأرض؟ قال العلماء: إنه أراد الجنس، لأن الجنس هنا واحد، ماء الأرض وماء السماء، أو يقال: لأنه لما كان المقصود بهذين الماءين شيئًا واحدًا وهو عذابهم صح إفراده ﴿على أمر قد قدر﴾ أي: على شيء قد قضاه الله تعالى وقدره في الأزل، فإنه ما من شيء يحدث إلا وهو مكتوب، قال الله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ يعني من أعمال بني آدم، ومما يقع في الأرض كل شيء محصى، ولهذا قال ﴿على أمر قد قدر﴾ .
﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ أي: حملنا نوحًا وأهله إلا من سبق عليه القول منهم، وأمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل، حمله الله على
[ ٢٧٠ ]
ذات ألواح ودسر، يعني على سفينة ذات ألواح ودسر، وكان نوح ﵊ يصنعها، فيمر به قومه ويسخرون منه قال الله ﷿: ﴿ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾ وهذه السفينة وصفها الله بأنها ذات ألواح، وألواح جمع منكر يدل على شيئين: الشيء الأول كثرة ألواحها، والثاني: عظمة هذه الألواح، ومتانتها، وحق لسفينة تحمل البشر على ظهرها أن تكون ذات ألواح عظيمة ﴿ودسر﴾ أي: مسامير، وقيل: إن الدسر ما تربط به الأخشاب فيكون أعم من المسامير، لأن الأخشاب قد تربط بالمسامير وقد تربط بالحبال، فالمهم أن توثيق هذه الألواح بعضها ببعض كان قويًّا، وإنما ذكر الله ﷾ مادة صنع السفينة، وأنها من الأخشاب والمسامير، أو الروابط التي تربط بين تلك الأخشاب؛ ليكون ذلك تعليمًا للبشر أن يصنعوا السفن على هذا النحو، ﴿تجري﴾ أي: تسير على هذا الماء العظيم الذي بلغ قمم الجبال، والتقى فيه ماء الأرض وماء السماء، ﴿بأعيننا﴾ أي: ونحن نراها بأعيننا، ونكلأها ونحفظها، والباء في قوله: ﴿بأعيننا﴾ للمصاحبة يعني أن عين الله - ﷿ - تصحب هذه السفينة، فيراها الله - ﷿ - ويكلأها ويحفظها، لأنها سفينة بنيت لتقوى الله - ﷿ - وإنجاء أولياءه من الغرق، الذي شمل أعداءه ﴿جزاءً لمن كان كفر﴾ أي: مكافأة لمن كان كُفِر به وهو نوح ﵊ - لأن قومه كفروا به وكذبوه - فبين الله - ﷿ - أن
[ ٢٧١ ]
إنجاء نوح بهذه السفينة كان جزاء له، والله
﷾ يجزي المحسنين أكثر من إحسانهم ﴿ولقد تركناها آيةً﴾ الضمير (هاء) اختلف فيها المفسرون هل المعنى: ولقد تركنا هذه القصة - وهي قصة نوح - وإغراق قومه، أبقيناها آية لمن يأتي بعدهم، الوجه الثاني: ولقد تركناها، أي: السفينة، والمراد الجنس، أي جنس هذه السفينة أبقيناها آية لمن بعد نوح، وكلا الأمرين محتمل، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي بعضهما الآخر، وليس أحدهما بأرجح من الآخر، فإنها تحمل على المعنيين جميعًا، فنقول: إن الله ترك القصة آية وعبرة لمن يأتي بعد نوح، وترك السفينة آية وعبرة يصنع مثلها من يأتي بعده، ويدل لهذا القول وأنه غير ممتنع، أن الضمائر أحيانًا تعود إلى الجنس لا إلى الفرد، نظير قول الله ﵎: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين﴾ ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ المراد بالإنسان آدم، ﴿ثم جعلناه نطفةً﴾ ليس آدم هو الذي جعل نطفة في قرار مكين، بل الإنسان الذي هو جنس آدم، وهم بنو آدم، ومثل ذلك عند بعض العلماء قوله تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير﴾ ليست المصابيح التي في السماء هي التي ترجم الشياطين، ولكنها شهب تخرج منها فترجم الشياطين.
﴿فهل من مدكر﴾ الاستفهام هنا للتشويق، يعني هل أحد يدَّكر ويتعظ بما جرى للمكذبين للرسل من إهلاكهم وتدميرهم،
[ ٢٧٢ ]
وقيل: إن الاستفهام للأمر، وأن المعنى فادكروا، وسواء قلنا للتشويق أو للأمر، فإن الواجب علينا أن نتذكر وأن نخشى من عقاب الله ﵎، وعقاب الله تعالى لهذه الأمة خاصة لا يمكن أن يشملهم جميعًا، لكن قد يشمل مناطق معينة تؤخذ بالعذاب بما فعل السفهاء منهم، كما قال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ كيف هنا للتفخيم والتعجب، يعني: ما أعظم العذاب والنذر! وقيل: إن الاستفهام للتقرير، يعني أن الله يقررنا بالعذاب وبالنذر، لكن المعنى الأول أقرب للتفخيم والتعظيم، أي ما أعظم عذابي النازل بأعدائي، وما أعظم نذري التي تنذر وتخوف من العقاب أن ينزل بمن خالف، فهذا العذاب الذي حصل لقوم نوح عذاب يعتبر من النذر المخوفة لنا من مخالفة أمر الله ورسوله، ﴿ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر﴾ يعني سهلنا، والقرآن هو كتاب الله الذي نزل على محمد ﷺ، وسمي قرآنًا، لأنه يقرأ أي يتلى، وقوله ﴿للذكر﴾، قال بعضهم: للحفظ، وأن القرآن ميسر لمن أراد أن يحفظه، وقيل: يسر معانيه لمن تدبر، ويسر ألفاظه لمن حفظ، وقيل المراد بالذكر الادكار والاتعاظ، يعني أن من قرأ القرآن ليتذكر به ويتعظ به سهل عليه ذلك واتعظ وانتفع، وهذا المعنى أقرب للصواب بدليل قوله: ﴿فهل من مدكر﴾ يعني: هل أحد يدكر، مع أن الله سهل القرآن للذكر، أفلا يليق بنا وقد سهل الله القرآن للذكر أن نتعظ ونتذكر؟ بلى هذا هو اللائق، فهل من مدكر.
[ ٢٧٣ ]
﴿كذبت عاد﴾ هذه هي الأمة الثانية ممن قصهم الله علينا في هذه السورة الكريمة، وعاد تتلوا قوم نوح غالبًا، وقد تتقدم عليها كما في سورة (الذاريات)، ولكن الغالب أن قصة نوح هي الأولى في قصص الأنبياء لأنه أول نبي أرسل إلى أهل الأرض، وعاد هم قوم هود، كما قال تعالى: ﴿ألا بعدًا لعاد قوم هود﴾ كذبوا نبيهم هودًا ﵊، وكانوا أقوياء أشداء، وكانوا يفتخرون بشدتهم وقوتهم، ويقولون: ﴿من أشد منا قوةً﴾، قال الله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا﴾ يقول هنا ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر﴾، والجواب: كان شديدًا عظيمًا واقعًا موقعه، فالاستفهام للتفخيم والتعظيم والتقرير، وهو أن عذاب الله كان عظيمًا، وكان واقعًا موقعه، ﴿ونذر﴾ يعني: آياته، كذلك كانت عظيمة واقعة موقعها، فبماذا أهلكهم الله؟ أهلكهم الله بألطف شيء وهو الريح التي تملأ الآفاق، ومع ذلك لا يحس الإنسان بها، لأنها سهلة لينة يخترقها الإنسان بسهولة، مكاننا الذي نحن فيه مملوء بالهواء ومع ذلك نخترقه ولا نحس به، فهي من ألطف الأشياء، فأهلك الله عادًا الذين يفتخرون بقوتهم بهذه الريح، ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر﴾ الجملة هنا مؤكدة بإن و﴿أرسلنا﴾ يعني الرب - ﷿ - نفسه، وجمع الضمير للتعظيم ﴿عليهم﴾، أي على عاد ﴿ريحًا صرصرًا﴾، أي: ذات صرير لقوتها وشدتها، حتى إن مجرد نفوذها يسمع له صرير، وإن لم تصطدم بما يقتضي الصرير، لأنها قوية جدًا، وهي الريح
[ ٢٧٤ ]
الغربية، أتت من جهة الغرب لعاد، فقالوا: هذا عارض ممطرنا.
وكانوا قد أجدبوا قبل ذلك سنوات، فلما أقبلت بسوادها وعظمتها وزمجرتها قالوا: هذا عارض ممطرنا، ولكن الأمر كان بالعكس، كانت ريحًا فيها عذاب أليم، كانت ريحًا عقيمة ليس فيها مطر، ولا يرجى أن يأتي منها مطر، ﴿في يوم نحس مستمر﴾، أي: في يوم شؤم مستمر بالنسبة لعاد، وليس كل وقت، فاليوم الذي أهلكوا فيه ليس هو نفسه نحسًا مستمر، ولكنه بالنسبة لهؤلاء كان يوم نحس مستمرًا، كما قال الله تعالى عن قوم نوح: ﴿أغرقوا فأدخلوا نارًا﴾ هؤلاء أهلكوا بالريح فأدخلوا النار، فالنحس أي الشؤم كان مستمرًا معهم، فعذاب الآخرة متصل بعذاب الدنيا ﴿تنزع الناس﴾ أي: تأخذهم بشدة وقوة وترفعهم إلى السماء - نسأل الله العافية - حتى قال بعضهم: ترفعهم حتى يغيب الإنسان عن الرؤية من علوه، ثم تطرحه في الأرض، وإذا سقطوا على الأرض سقطوا على أم رؤوسهم ثم انفصل الرأس عن الجسد من شدة الصدمة، تنزع الناس ﴿كأنهم﴾ في حال سقوطهم الأرض ﴿أعجاز نخل منقعر﴾، أعجاز أي أصول، والنخل معروف، والمنقعر الساقط من أصله، يعني كأنهم نخل سقط من أصله بقيت جثته، وصاروا كأعواد النخل؛ لأنه ليس لهم رؤوس على ما قال المفسرون، حيث إن رؤوسهم انفصلت من شدة الصدمة، فسبحان القوي العزيز، هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء وصلوا إلى هذه الحال بريح من عند الله - ﷿ - تنزع الناس: ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ .
[ ٢٧٥ ]
وهنا قال الله تعالى: ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾، وفي الحاقة قال تعالى: ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾، والمعنى متقارب، لكن من بلاغة القرآن أن يجري الكلام فيه على نسق واحد، فهناك ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ مناسب للفواصل التي في الحاقة، أما هنا ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ مناسب للفواصل التي في سورة القمر، لأن تناسب الكلام واتساقه من كمال بلاغته ﴿فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر﴾، كرر الله تعالى هذا عند آخر كل قصة من أجل أن نحرص على التذكر بالقرآن، وتدبر القرآن، وتفهم القرآن؛ لأنه ميسر، والجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم، واللام، وقد، مما يدل على الترغيب في تذكر القرآن والتذكر به، فهل من مدكر، نرجو الله ﷾ أن يجعلنا من المدكرين بكتاب الله - ﷿ -.
﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ أي: بما جاءهم من النذر، وهي الآيات التي جاء بها صالح ﵊، وديارهم معروفة الآن ببلاد الحجر في طريق تبوك من المدينة، وكان صالح ﵊ أُرسل إلى قومه، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كسائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ أرسله الله ﷿ إلى قومه، وأعطاه آية وهي ناقة لها شرب ولهم شرب، أي
[ ٢٧٦ ]
أن بئر الناقة الكبير الغزير الماء، وقد ذكروا أنها إذا شربت إناء من الماء فإن الذي يسقيها إناء من الماء يحلب من لبنها بقدر ما أسقاها، وهذا من آيات الله أن ناقة تشرب ماء ثم تخرجه في الحال لبنًا، فإن هذا ليس له عادة، ولكنها آية من آيات الله - ﷿ - أراهم الله ﵎ إياها حتى يعتبروا، لأن الله لم يرسل رسولًا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، رحمة منه وحكمة، لأنه لا يعقل أن رجلًا من بين الناس يأتي ويقول: إني رسول الله إليكم. إلا إذا أتاه الله آيات تدل على صدقه. قال العلماء: وما من آية أوتيها نبي من أنبياء الله السابقين إلا كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلها أو أشد، ولكن قد تكون غير متوفرة في حياة الرسول ﵊ ولكنها موجودة في أمته الذين اتبعوه، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء.
(أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه)، لأن هذه الكرامة تشهد بصدق ما كان عليه الولي، وهذا الولي تابع لرسول سابق، فيكون في ذلك آية على أن هذا الشرع الذي عليه هذا الولي حق، وهذه تكون آية للنبي، وعليه فنقول: من آيات موسى أنه يضرب الحجر، وإذا ضربه انفجر عيونًا، تنبع ماء من حجر يابس، فهل كان لرسول الله ﷺ مثله؟ الجواب: كان له أعظم، فإن النبي ﷺ جيء إليه بقدح من ماء وليس مع الناس ماء إلا ما في هذه الركوة فوضع يده فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع يده
[ ٢٧٧ ]
كالعيون (^١)، سبحان الله، وهذا أعظم من آية موسى، لأن آية موسى يخرج الماء من الحجر، وخروج الماء من الحجر معتاد، كما قال تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأَنهار﴾ لكن لم تجر العادة أن يخرج الماء من الإناء الذي بينه وبين الأرض فاصل إذن هذه أعظم، وموسى ﵊ ضرب البحر فانفلق فكان أسواقًا يابسة، وهذه لا شك آية عظيمة، وجرى لهذه الأمة أعظم من هذه، مشوا على الماء دون أن يضرب لهم طريق يبس، مشوا على الماء المائع الهين الذي يغوص فيه من يقع فيه، مشوا بدوابهم وأرجلهم ولم يغرقوا، وذلك في قصة العلاء بن الحضرمي (^٢)، وفي قصة سعد بن أبي وقاص ﵃، مشوا على الماء، وهذا أعظم من أن يمشوا على الأرض التي تفرق عنها الماء، وآية صالح ﵇ هذه الناقة لها شرب ولثمود شرب، لها يوم ولهؤلاء يوم، وقد وقع مثلها لرسول الله ﵊ في الهجرة، فإنه مر براعي غنم وعنده ماعز أو ضأن ليس فيها لبن، فمسح النبي ﷺ ضرعها فجعلت تبش من اللبن (^٣)،
فالمهم أنه ما من نبي بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، قلنا: هذا رحمة وحكمة: رحمة بالناس من أجل أن تحملهم هذه الآيات على التصديق فينجو من عذاب الله، وحكمة، لأنه ليس من الحكمة أن يقوم إنسان من بين الناس
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب البركة والماء المبارك (رقم ٥٦٣٩) .
(٢) انظر: صفة الصفوة (١/٣٥٢ - ٣٥٣) .
(٣) انظر: صفة الصفوة (١/٧٠ - ٧١) ..
[ ٢٧٨ ]
ويقول: أنا رسول الله. حتى يؤتى آيات. يقول ﷿: ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ النذر جمع نذير، والمراد به الآيات التي أوتيها صالح ﵊، فقالوا من جملة ما قالوا في تكذيبهم ﴿أبشرًا منا واحدًا نتبعه﴾ أنكروا الآيات وما كأنها أتت، يعني أنتبع بشرًا منا واحدًا، لا نقبل، وهذا النفي بمعنى الإنكار، يعني لا يمكن أن نتبع واحدًا منا ﴿إنا إذًا لفي ضلال وسعر﴾ يعني إنا إن اتبعناه لفي ضلال وسعر، أي لفي جهل وفي عذاب، كأنه وعدهم بأنهم إن اتبعوه اهتدوا ونجوا من النار، فقالوا بالعكس: لو اتبعناه لضللنا واحترقنا بالسعر بالنار، عكس ما قال، وهذا من أشد المراغمة للرسل عليهم الصلاة والسلام، والمحادة لله ﵎، ﴿أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر﴾ هذا أيضًا استفهام احتقار، يعني كيف يلقى الذكر عليه من بيننا، ما الذي ميزه، وكل ما ذكروا شبهات، لا دلالات، فكونه بشرًا لا يمنع أن يكون رسولًا، بل لابد أن يكون رسول البشر بشرًا، لأن الله قال: ﴿وقالوا لولآ أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكًا لقضى الأَمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا﴾ يعني لو أرسلنا ملكًا للزم أن نجلعه في صورة البشر حتى يمكن أن يختلط بالناس ويأتلف بهم، وإذا جعلنا الملك بشرًا لبسنا عليهم ما يلبسون، فعادت المسألة مختلطة.
الشبهة الثانية: أنه منا لا يتميز علينا بشيء، الثالثة: أنه واحد لم يؤيد، والله ﷿ يقول: ﴿واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ وهؤلاء يقولون: واحد لابد يعزز بثانٍ وثالث، الرابعة: أألقي الذكر عليه من بيننا؟ يعني كيف يلقى عليه
[ ٢٧٩ ]
الذكر والوحي من بيننا؟ هذا لا يمكن، أربع شبهات وهم يرونها حججًا توجب رد صالح ﵊، والواقع إنها ليست بحجج، بل هي شبه وتضليل، وهكذا المبطلون في كل زمان ومكان يوردون الشبه على الحق، ولكن الله ﷾ لابد أن يبين الحق، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة، ثم قالوا: ﴿بل هو كذاب أشر﴾ ﴿بل﴾ هنا لإبطال دعواه أنه حق ﴿كذاب﴾ صيغة مبالغة وفي نفس الوقت وصف، لأن كلمة فعال تأتي للمبالغة وتأتي للوصف، فإذا قلت: فلان نجار، يعني من النجارين، وإن لم ينجر إلا مرة واحدة، وإذا قلت فلان نجار لكثرة النجارة صارت مبالغة، فهم يرون - والعياذ بالله - أنه كذاب موصوف بالكذب، ليس له صفة إلا الكذب، وكثير الكذب أيضًا ﴿أشر﴾ أي: بطر متعال، متعاظم مستكبر، مدعٍ ما ليس له، قال الله تعالى: ﴿سيعلمون غدًا من الكذاب الأَشر﴾ سيعلمون غدًا أي: يوم القيامة، والسين هنا للتحقيق والتقريب، لأنك إذا قلت سيقوم زيد فهذا تأكيد وتقريب أيضًا، فإذا قال قائل: التقرير معروف أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن كيف التقريب؟ قلنا: إن الله يقول: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾ ومن الأمثال العابرة (كل آت قريب)، والذي بقي عليه ألف سنة أقرب من الذي لم يمض عليه إلا عشر دقائق، لأن الذي مضى عليه عشر دقائق لا يمكن أن يرجع، لكن المستقبل لابد أن يأتي، ﴿إن ما توعدون لآت﴾ وسمي يوم القيامة غدًا لأنه يأتي بعد يومه، ﴿سيعلمون
غدًا من الكذاب الأَشر﴾، أصالح هو أم هؤلاء
[ ٢٨٠ ]
الكذاب الأشر، وهذا وعيد عظيم، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ والإنسان في غفلة عن هذا اليوم العظيم، قال الله تعالى: ﴿بل قلوبهم في غمرة من هذا﴾ يعني من عمل الآخرة، ﴿في غمرة﴾ مغطاة عن عمل الآخرة، ﴿ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون﴾ يعني أعمال الدنيا هم لها عاملون، وأتى بجملة اسمية يعني أنهم محققون للعمل فيها لا يتركونها ولا يفرطون فيها، وأما الآخرة فهم في غفلة منها ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنةً لهم﴾ ﴿إنا﴾ يعني نفسه - جل وعلا - وأتى بصيغة الجمع تعظيمًا له - جل وعلا - لعظمة صفاته، وكثرة كلماته، وكثرة جنوده، فلذلك يكني عن نفسه بصيغة التعظيم، ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنةً لهم﴾، يعني باعثوها فتنة لهم واختبارًا، هل يؤمنون أو لا يؤمنون، فلم يؤمنوا، وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع، ولهذا جعل الله الناقة فتنة، لأنها أظهرت الحق لهم، ولكن لم يقبلوه، وانتبه لهذا الاستدراج من الله - ﷿ - إذا يسر الله لك أسباب المعصية، فلا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنة له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل يسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أن الله حرَّم عليهم صيد السمك يوم السبت فكانت الحوت تأتي يوم السبت شرَّعًا على وجه الماء وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك في يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم، فرجعوا إلى طبيعتهم وهي الغدر والحيلة والمكر،
[ ٢٨١ ]
فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكًا يوم الجمعة فتأتي الحيتان وتدخل في الشباك، فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى:
﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين﴾ وفي صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون تناله أيديهم ورماحهم، يعني أن الذي يمشي على الأرض يمسكونه باليد مثل الأرنب والغزال يمسكه الواحد باليد. والطائر الذي كان لا ينال إلا بالسهم لأنه بعيد، صار يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه، فتنة، فهنا يسر الله لهم أسباب المعصية، لكن الصحابة - ﵃ - وهم خير الناس لم يأخذ أحد منهم صيدة واحدة ﵃، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخادعوا الله، أما سلف هذه الأمة، وفقنا الله لموافقتهم في الدنيا في أعمالهم وفي الآخرة في مساكنهم فإنهم لم يأخذوا.
وهذه الناقة أرسلها الله تعالى فتنة لثمود لكن ما أغنتهم ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنةً لهم فارتقبهم واصطبر﴾ أي: ارتقب عذابهم، أو ارتقب أفعالهم، وانظر ماذا يفعلون ﴿واصطبر﴾ يعني اصبر، وأصل اصطبر (اصتبر) بالتاء للمبالغة، لكن قلبت التاء طاء لعلة تصريفية اقتضتها اللغة العربية، يعني أن الله قال لرسولهم صالح ﵇: ارتقب هؤلاء واصطبر فالنصر قريب، ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾، أخبرهم أن الماء قسمة بينهم كل له شرب وللناقة شرب، ولهذا قال ﴿كل شرب محتضر﴾، يعني كل شرب يحضره
[ ٢٨٢ ]
من يستحقه، إما الناقة وإما هم، وبقوا على هذا لكن لم يستمروا، ﴿فنادوا صحبهم﴾ الذي يرونه قويًّا شجاعًا، وقالوا له: هذه الناقة ضايقتنا لو أننا عقرناها لكنا نشرب كل يوم، فطلبوا منه أن يعقرها - نسأل الله العافية - وهذا الصاحب القوي الشجاع الذي يرونه أشد منهم إقدامًا، بقطع النظر عن اسمه، فبعض المفسرين سماه، لكن لا يهمنا لم يتأخر، بل بادر ﴿فتعاطى فعقر﴾ تعاطى تفاعل من العطاء يعني بذل نفسه وبسرعة، ويدل على السرعة الفاء في قوله ﴿فتعاطى﴾ من حين نادوه، وافق ﴿فعقر﴾، عقر الناقة - نسأل الله العافية - قطع أطرافها أولًا، ثم نحرها ثانيًا، وهي من آيات الله - ﷿ - ومن مصالحهم - لكن نسأل الله العافية - نفوسهم لا تقبل، ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ يقول الله - ﷿ - مخاطبًا الإنسان: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾؟ هل وقع موقعه؟ وهل كان شديدًا؟ الجواب: نعم، كان في موقعه، وكان شديدًا، ما هذا العذاب؟ ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحةً واحدة فكانوا كهشيم المحتظر﴾ صيح بهم - والعياذ بالله - مع الرجفة، ففي السماء أصوات، وفي الأرض رجفان، أخذتهم الرجفة والصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأنهم لم يغنوا فيها، كأنهم ما وجدوا ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ يعني الحضار يجعله
الإنسان لغنمه فالأعرابي في البادية يجعل على الغنم حضار من الشجر اليابس ومن عسب النخل، وما أشبه ذلك، لئلا تخرج، ولئلا تعدو عليها السباع. هذا الحضار مع طول الزمن والشمس والرياح يتفتت حتى يتلاشى، كان هؤلاء الأقوياء الأشداء المكذبين لرسولهم كانوا كهشيم المحتضر، أي كالحضار حينما
[ ٢٨٣ ]
يتلف، وهذا من آيات الله - ﷿ - وتمام قدرته وسلطانه ﴿إنما أمره إذآ أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ فكانوا كهشيم المحتضر ﴿ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر﴾ سبق تفسيرها، والمعنى أن الله تعالى يسر القرآن، أي يسر معانيه لمن تدبره، ويسر ألفاظه لمن حفظه، فإذا اتجهت اتجاهًا سليمًا للقرآن للحفظ يسره الله عليك، وإذا اتجهت اتجاهًا حقيقيًّا إلى التدبر وتفهم المعاني يسره الله عليك ﴿ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر﴾ وهل للتشويق، يشوقنا الله - ﷿ - إلى أن ندكر القرآن فنتعظ به، جعلنا الله ممن يتلونه حق تلاوته لفظًا ومعنى وعملًا، إنه على كل شيء قدير.
﴿كذبت قوم لوط﴾ قوم لوط هم أناس كفروا بالله - ﷿ - وأشركوا به، وكان مما اختصوا به من المعاصي هذه الفعلة القبيحة الشنيعة وهي اللواط، أي إتيان الذكر، وحذرهم نبيهم من هذا وقال لهم ﴿أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾ ولكنهم - والعياذ بالله - استمروا على هذا حتى جاءهم العذاب ﴿بالنذر﴾ النذر: جمع نذير، وهي الكلمات التي أنذرهم بها لوط ﵊، وجمعها يدل على أنه كان يكرر عليهم هذا، ولكنهم أبوا وأصروا على هذا الفعل، فبين الله عقوبتهم بقوله: ﴿إنا أرسلنا عليهم حاصبًا إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ ﴿حاصبًا﴾ أي: شيئًا يحصبهم من السماء، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل، فهدمت بيوتهم حتى كان عاليها سافلها، لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله ﴿إلا آل
[ ٢٨٤ ]
لوط﴾، آل لوط هم أهل بيته، إلا زوجته كما قال تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ وانظر نبي يبعث إلى قومه ولم يتبعه إلا آل بيته إلا امرأته أيضًا فكانت كافرة ومع ذلك فهو صابر حتى أذن له بالخروج ﴿نجيناهم بسحر﴾ أي: في السحر بالصباح، وذلك أن هؤلاء القوم أخذهم العذاب صباحًا، كما ابتدأ عذاب عاد بالصباح، سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، لأنه ابتدأ بالصباح فأخذهم العذاب - والعياذ بالله - في الصباح، فأهلكهم الله ﴿نعمةً من عندنا﴾، أي: أنعمنا على آل لوط نعمة من عند الله - ﷿ - من وجهين:
الوجه الأول: أن الله أنجاهم.
والوجه الثاني: أن الله أهلك عدوهم، لأن إهلاك العدو من نعمة الله، فصارت نعمة الله على آل لوط بالنجاة وإهلاك العدو ﴿كذلك نجزي من شكر﴾ أي: مثل هذا الجزاء، وهو الإنجاء والنعمة ﴿نجزي من شكر﴾ نعمة الله، وشكر نعمة الله تعالى هي القيام بطاعته، وليست مجرد قول الإنسان: أشكر الله، بل لابد من القيام بالطاعة، ولهذا من قال أشكر الله، وهو مقيم على معاصيه فإنه ليس بشاكر، بل هو كافر بالنعمة مستهزئ بالله - ﷿ -، إذ إن مقتضى النعمة أن يشكر الله، ولكنه عكس الأمر، قال الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ فكل من شكر الله فإن الله تعالى ينجيه ويهلك عدوه، ﴿ولقد أنذرهم بطشتنا﴾ يعني أن لوطًا ﵊ أنذر قومه البطشة، وهي الأخذ بالقوة
[ ٢٨٥ ]
﴿فتماروا بالنذر﴾ أي: تشككوا فيه ولم يؤمنوا به، ﴿ولقد راودوه عن ضيفه﴾، أي: راودوا لوطًا عن ضيفه الذي جاء إليه من الملائكة، وكان الله تعالى قد بعث إليه الملائكة على صورة شباب مُرد، ذوي جمال وهيئة، امتحانًا من الله - ﷿ -، فلما سمع قوم لوط بهؤلاء الضيف أتوا يهرعون إليه يسرعون، يريدون هؤلاء الضيف، ليفعلوا بهم الفاحشة - والعياذ بالله - ﴿فطمسنا أعينهم﴾ أي: فطمس الله أعينهم، أما كيف طمس أعينهم هل جبريل ﵇ ضربهم بجناحه أو غير ذلك؟ الله أعلم، إنما علينا أن نؤمن بأن الله تعالى طمس أعينهم، حتى أصبحوا لا يبصرون، ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ الأمر هنا للامتهان، أو إنه أمر كوني، يعني أن الله أمرهم أمر إهانة، أو أمرًا كونيًا أن يذوقوا العذاب، ومثل هذا قول الله ﵎ عن صاحب الجحيم ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ فإن هذا الأمر أمر إهانة بلا شك وليس أمر إكرام ولا أمر إباحة، ﴿ولقد صبحهم بكرةً عذاب
مستقر﴾ يعني أن العذاب صبحهم أتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم، واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحد منهم يفكر فيما يفعل هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم، نسأل الله العافية ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ ﴿ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر﴾ من العبر في هذه الآية أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم اقتلعها من أساسها حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء
[ ٢٨٦ ]
قدير، وإن لم يصح فليس لنا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن، أنهم أمطروا بحجارة من سجيل، فتهدم البناء عليهم (^١)،
وأخذ أهل العلم من ذلك أن اللوطي يقتل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح أن اللواط يجب فيه القتل على كل حال وليس كالزنا، فالزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال مادام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين، فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، فليس عليه شيء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: أجمع الصحابة - ﵃ - على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان، فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتا، وقال بعضهم: يقتلان بأن يلقيا من أعلى مكان في البلد ويتبعان بالحجارة، وحرق أبو بكر - ﵁ - اللوطي بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية حرقوهم بالنار لعظم جرمهم - والعياذ بالله -، ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قوم صار الرجال نساء، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة - والعياذ بالله - وانقلبت الأوضاع وضاع النسل بمعنى أن الناس ينصرفون إلى الذكور، ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال، والتحرز منه صعب، لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا؟ لكن لو وجدنا رجلًا وامرأة يمكن التحرز منهما، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث
_________________
(١) انظر تفسير فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى - سورة الصافات، الآيات: ١٣٣ - ١٣٨..
[ ٢٨٧ ]
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (^١)
ولهذا يجب علينا أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا ومن أين جاءوا، ومَن أصدقاءهم، وهل هم على الاستقامة أو لا؛ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث، ثم قال - ﷿ -: ﴿ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر﴾ يسر الله - ﷿ - القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسر سهل، وأنت جرب تدبَّر في آيات الله - ﷿ - لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله - ﷿ - لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثير من الناس، ولهذا قال ﴿فهل من مدكر﴾؟ والاستفهام هنا للتشويق، والمعنى هل أحد يدكر ويتعظ بما في القرآن الكريم.
﴿ولقد جاء ءال فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾ الجملة مؤكدة بالقسم المقدر واللام وقد، ﴿ولقد جاء ءال فرعون النذر﴾ يعني قومه وعلى رأسهم فرعون، كما أخبر الله تعالى في آيات أخرى متعددة أنه أرسل موسى إلى فرعون وملئه، والنذر قيل: بمعنى الإنذار والتخويف. وقيل: إنه جمع نذير وهو كل ما ينذر به العبد، والمراد به الآيات التي جاء بها موسى، كما قال الله تعالى: ﴿ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات﴾ وهذا الأخير هو الصحيح أن النذر جمع نذير، وليست بمعنى الإنذار، ويدل لهذا قوله ﴿كذبوا بآياتنا كلها﴾ أي: كل الآيات الدالة
_________________
(١) تقدم (ص ٨٦) ..
[ ٢٨٨ ]
على صدق رسالة موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كذبوا بها وقالوا: إن موسى مجنون، وإنه ساحر، حتى إن فرعون من كبريائه قال: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾، ولما كذبوا بالآيات أخذهم الله ﴿أخذ عزيز﴾ أي: غالب، ﴿مقتدر﴾ أي: قادر، ولكنها أبلغ من كلمة (قادر) لما فيها من زيادة الحروف، وإنما ذكر الله تعالى أنه أخذهم ﴿أخذ عزيز مقتدر﴾ لأن فرعون كان متكبرًا، وكان يقول: ﴿أنا ربكم الأَعلى﴾، وكان يسخر من موسى ومن أرسله، فناسب أن يذكر الله تعالى أخذه أخذ عزيز مقتدر، وقد أجمل الله تعالى هذه القصة في هذه الآية، ولكنه بينها في آيات كثيرة، وأن أخذهم كان بإغراقهم في البحر، فأغرقه الله - ﷿ - بمثل ما كان يفتخر به، لأنه كان يقول لقومه: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، يقررهم بهذا، سيقولون: بلى، أفلا تبصرون.
﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾، يعني بذلك موسى، فأغرقهم الله في اليم حين جمع فرعون جنوده واتبع موسى ومن اتبعه ليقضي عليهم، ولكن الله بحمده وعزته قضى عليهم، ثم قال تعالى: ﴿أكفاركم خير من أولائكم﴾ الخطاب هنا لقريش، أي: يعني هل كفاركم خير من هذه الأمم السابقة التي أهلكها الله؟ ﴿أم لكم براءة في الزبر﴾ يعني أم لكم براءة في الكتب أن الله مبرئكم من عاقبة أفعالكم؟ والجواب لا هذا ولا هذا، يعني إما أن يكون كفاركم خير من الكفار السابقين، وإما أن يكون لكم براءة من الله - ﷿ - كتبها الله لكم ألا يعاقبكم، وكل هذا لم يكن، فليس كفارهم خيرًا من
[ ٢٨٩ ]
الكفار السابقين، وليس لهم براءة في الزبر، ولهم دعوى ثالثة ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر﴾، أم هنا بمعنى بل الإضرابية، وهي إضراب الانتقال، يعني: بل يقولون نحن، والضمير لقريش ﴿جميع منتصر﴾، جميع هنا بمعنى جمع، ولهذا قال ﴿منتصر﴾، ولم يقل منتصرون، يعني جمع كثير منتصر على محمد وقومه، هذا معنى كلامهم، فأعجبوا بأنفسهم، وظنوا أنهم قادرون على القضاء على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورسالته، فماذا كان جوابهم من الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ أي: يخذلون شر خذيلة، ويولون الدبر، ولا يستطيعون المقاومة ولا المدافعة ولا المهاجمة، مع أنهم كانوا يقولون نحن جميع منتصر، ولكن لا انتصار لهم، وهذا هو الذي وقع ولله الحمد، وأول ما وقع في غزوة بدر حين اجتمع كبراؤهم ورؤساؤهم وصناديدهم في نحو ما بين تسعمائة إلى ألف رجل، في مقابل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا مع النبي ﷺ فهزموا - والحمد لله - شر هزيمة، وتحدثت بهم الأخبار، وألقي أربعة وعشرون نفرًا من رؤسائهم في قليب من قلب بدر خبيثة منتنة، وهذه شر هزيمة لا شك، ولذا قال:
﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾، هذه عقوبتهم في الدنيا، أما في الآخرة: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ يعني أضف إلى ذلك أن الساعة موعدهم وهو يوم البعث ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ أي: أشد فتكًا، وأمرُّ مذاقًا، لأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ثم قال الله - ﷿ - مبينًا ماذا يحدث لهم ولأمثالهم فقال: ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾
[ ٢٩٠ ]
الضلال في الدنيا لا يهتدون، والسعر في الآخرة، أي: في نار شديدة التأجج تحرقهم، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها، ليذوقوا العذاب.
ويحتمل أن قوله ﴿في ضلال﴾ أي: في ضلال عن الطريق الذي يهتدون به إلى الجنة، لأنهم ضلوا في الدنيا فضلوا في الآخرة ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ يسحبون سحبًا كما تسحب الجيفة، ليبعد بها عن المنازل، وليسوا يسحبون على ظهورهم ولكن على وجوههم - والعياذ بالله - ويقال: ﴿ذوقوا مس سقر﴾ ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ أي: يتقي بوجهه وكان يتقي في الدنيا الحر بيديه لوقاية وجهه، لكنه في النار ليس له ما يقي وجهه النار، بل يتقي بوجهه نسأل الله العافية، فهم يسحبون في النار على وجوههم، وهذه ليست أساطير الأولين، وليست قصصًا تقال، هذه حقيقة نشهد بها - والله - كأننا نراها رأي العين، لابد أن يكون هذا لكل مجرم ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ الساحب هم الملائكة الموكلين بهم، لأن للنار ملائكة موكلين بها، ويقال ﴿ذوقوا مس سقر﴾، انظر إلى الإذلال: جسدي وقلبي، الجسدي هو أنهم يسحبون على وجوههم، والقلبي أنهم يوبخون، ويقال: ﴿ذوقوا مس سقر﴾، مس أي: صلاها، وسقر من أسماء النار - نسأل الله العافية ثم قال - جل وعلا -: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ لما ذكر عذاب أهل النار ثم سيذكر نعيم أهل الجنة، ذكر بينهما أن هذا الخلق وتفاوته بقدر الله - ﷿ - فكل شيء مخلوق فهو بقدر، كل ذرة في رملة فهي مخلوقة بقدر،
[ ٢٩١ ]
وكل نقطة تقع على الأرض من السحاب فهي مخلوقة بقدر، وكل شيء تعم ما سوى الخالق، لأنه ما ثم إلا مخلوق وخالق، فإذا كان كل شيء مخلوقًا كان الخالق وحده الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، قال النبي ﷺ: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (^١)
العجز يعني تكاسل الإنسان، والكيس يعني حزم الإنسان ونشاطه في طلب ما ينفعه والبعد عما يضره، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الإنسان مخلوق لله تعالى، وأن أفعاله مخلوقة لله، وأن كل شيء قد قدر وانتهى، وإذا كان كذلك فيلجأ الإنسان إذا أصابته ضراء إلى الله الخالق، وإذا أراد السراء أيضًا يلتجىء إلى الله الخالق، لا يفخرن ويعجبن بنفسه إذا حصل له مطلوب، ولا ييأسن إذا أصابه المكروب، فالأمر بيد الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» (^٢) القوي في إيمانه، والقوي في إرادته وهمته ونشاطه، وليس المراد القوي في بدنه، فقوة البدن إما لك وإما عليك، إن استعملتها في العمل الصالح فهي لك، وإن عجزت عنه مع فعلك إياه في حال القوة كتب لك، وإن استعملت هذه القوة في معصية الله كانت عليك، لكن المراد بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «القوي» أي: في إيمانه وإرادته، أما قوة البدن فهي لك أو عليك، قال: «وفي كلِّ خير» أي: في كل
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب كل شيء بقدر (٢٦٥٥) ..
(٢) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب الأمر بالقوة وترك العجز (٢٦٦٤) .
[ ٢٩٢ ]
من القوي والضعيف خير، وهذه الجملة يسميها علماء البلاغة جملة احترازية، لأنه لما قال: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» يظن الظان أن المؤمن الضعيف ليس فيه خير، فقال: «وفي كل خير» .
ولها نظائر قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ يعني من قبل صلح الحديبية ﴿أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ كلًاّ من هؤلاء وهؤلاء، يعني فلا تظنوا أن هذا التفاوت يحط من قدر الآخرين ويحرمهم الخير، وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا﴾ فهنا قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (^١) فإذا فعلت ذلك حرصت على ما ينفع واستعنت بالله، وكنت حازمًا نشيطًا وقويًّا في مرادك، إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله يعني هذا قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان، أنت عليك أن تسعى للخير، وليس عليك أن يتم لك ما تريد، المهم أن كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، فمن قدر الله له الهداية، ومن قدر له الشقاء فهو بقدر، ولكن السبب لتقدير الله الشقاء على العبد هو نفس العبد، لقول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾ .
_________________
(١) تقدم ص ٢٩٢.
[ ٢٩٣ ]
﴿ومآ أمرنا إلا واحدة﴾ يعني ما أمرنا فيما نريد أن يكون ﴿إلا واحدة﴾ أي: إلا مرة واحدة، بدون تكرار ﴿كلمح بالبصر﴾ بدون تأخر - سبحان الله - أمر الله - ﷿ - واحدة لا تكرار، بسرعة فورية أسرع ما يمكن أن يكون كلمح للبصر، كن فيكون، واشتهر عند العوام يقولون: يا من أمره بين الكاف والنون، وهذا غلط ليس أمر الله بين الكاف والنون، بل بعد الكاف والنون، لأن الله قال: كن فيكون، بعد كن، فقولهم بين الكاف والنون غلط لأنه لا يتم الأمر بين الكاف والنون، بل لا يتم الأمر إلا بالكاف والنون، أي بعد الكاف والنون فورًا كلمح بالبصر، وإن شئت أن ترى عجائب ذلك فانظر إلى الزلازل تصيب مئات القرى، أو آلاف القرى وبلحظة واحدة تعدمها، لو جاءت المعاول والدركترات والقنابل ما فعلت مثل فعل لحظة واحدة من أمر الله - ﷿ -، واسأل الخبراء بالزلازل تجد الجواب، وانظر إلى ما هو أعظم من ذلك، الموتى في قبورهم، والحشرات والحيوانات وكل الأشياء تبعث يوم القيامة بكلمة واحدة، كما قال - جل وعلا -: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ صيحة واحدة فقط، ﴿فإذا هم جميع﴾، كلهم ﴿لدينا﴾ أي عندنا ﴿محضرون﴾ فصدق الله - ﷿ - وعده ﴿ومآ أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ مثل لمح البصر.
﴿ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر﴾ الخطاب لكفار قريش، وقوله: ﴿أشياعكم فهل من مدكر﴾ أي: أشباهكم من الكفار السابقين، وقد قص الله - ﷾ - في هذه السورة من
[ ٢٩٤ ]
نبئهم ما فيه عبرة وعظة، قص علينا ما حصل لقوم نوح، وما حصل لعاد، ولثمود، ولقوم لوط، ولآل فرعون، وفي هذا مدكر لمن أراد الادكار، ولهذا قال: ﴿فهل من مدكر﴾، يعني هل من متعظ ومعتبر بما جرى على السابقين أن يجري على اللاحقين، لأن الله ﷾ ليس بينه وبين عباده محاباة أو نسب، بل أكرمهم عند الله أتقاهم له من أي جنس كان، وفي أي مكان كان، وفي أي زمان كان، كما قال الله - ﵎ -: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ثم قال الله - ﷿ -: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ كل مبتدأ ﴿في الزبر﴾ خبره، وليس هذا من باب الاشتغال، بل هو خبر محض، لأن (كل) لا يمكن أن تكون مفعولًا لفعلوه، بل هي مبتدأ، ﴿وكل شيء فعلوه﴾ أي: فعلته الأمم السابقة، أو الأمم اللاحقة، فإنه مكتوب ﴿في الزبر﴾ أي في الكتب، وكتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة.
والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة لاحقة وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، وبما قررناه يزول الإشكال عند بعض الناس في قول الله ﵎: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾ فإن بعض الناس قد يشكل عليه هذه الآية، كيف يقول - ﷿ - ﴿حتى نعلم﴾ وهو
[ ٢٩٥ ]
قد علم؟ فيقال: ﴿حتى نعلم﴾ يعني العلم الذي يترتب عليه الثواب، وأما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب.
والكتابة السابقة معناها أن الله ﷾ كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح: «أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة» (^١) . فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، نؤمن بهذا، قال الله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأَرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾ . وقال - ﷿ -: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأَرض يرثها عبادي الصالحون﴾ أما الكتابة اللاحقة فهي أن الله ﷾ إذا عمل الإنسان عملًا كتبه، قال الله تعالى: ﴿كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كرامًا كاتبين﴾ وهذه الكتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾، ومعنى الآية: أن كل شيء يفعله الإنسان فإنه مكتوب، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبدًا، كما قال ﷿: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾ .
سبحان الله، بعد
_________________
(١) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ن والقلم (رقم ٣٣١٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ٢٩٦ ]
مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضرًا، لا يظلم ربك أحدًا، ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾، كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات، وأوصافها، وأعمالها، ﴿مستطر﴾، أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغير وكبير حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك، أو فعلك، أو تركك، لأن كل شيء مكتوب، قال الله - ﷿ -: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب عتيد، لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فما تنطق به لا يحصى، فإذا كانت الأقوال تكتب، فالأفعال من باب أولى، فعليك أن تتقي الله - ﷿ - ولا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول خبرًا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئًا أمرًا، فقل: آمنت به سمعًا وطاعة، نهيًا آمنت به، وسمعًا وطاعة.
فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به، ﴿إن المتقين في جنات ونهر﴾ هذا مقابل قوله: ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ ﴿إن المتقين في جنات ونهر﴾ الجنات جمع جنة، وقد ذكر الله تعالى أصنافها في سورة الرحمن فقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ فهي إذن أربع ذكرها الله في سورة الرحمن، إذًا ﴿في جنات﴾ يعني في هذه الجنات الأربع، هذه الأصناف لكن أنواعها
[ ٢٩٧ ]
كثيرة، والجنات نفسرها بأنها شرعًا هي: (الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، لكن عندما تقرأ قول الله تعالى: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة﴾ تفسر الجنة بأنها البستان الكثير الأشجار، وعندما تقرأ: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ تفسر بأنها بستان كثير الأشجار، لكن لا تفسر جنة النعيم في الآخرة بهذا التفسير، لأنك إن فسرتها بهذا التفسير قلَّت الرغبة فيها وهبطت عظمتها في قلوب الناس، لكن قل: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سكانها خير البشر، النبيون، والصديقون، والشهداء والصالحون، حتى تحفز النفوس على العمل لها، وحتى لا يتصور الجاهل أن ما فيها كأمثال ما في الدنيا وقوله: ﴿ونهر﴾ يعني بذلك الأنهار، وذكر الله تعالى أصنافها أربعة في سورة القتال: ﴿أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ .
أما المكان: ﴿في مقعد صدق عند مليك﴾ يعني في مقعد صدق ليس فيه كذب لا في الخبر عنه ولا في وصفه، كله حق وعند من؟ ﴿عند مليك مقتدر﴾ وهو الله جل وعلا، - اللهم اجعلنا منهم - عند مليك مقتدر، يتنعمون بلذة النظر إلى الله - ﷿ - وهو أنعم ما يكون لأهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقال تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ يعني حسنة بهية يكسوها الله تعالى نضرًا، أي: حسنًا وجمالًا وبهاءً؛ لتكون مستعدة للنظر إلى الله - ﷿ -
[ ٢٩٨ ]
﴿إلى ربها ناظرة﴾ ثم ينظرون إلى الله فيزدادون حسنًا إلى حسنهم، ولهذا إذا رجعوا إلى أهلهم، قال لهم أهلوهم: إنكم ازددتم بعدنا حسنًا بالنظر إلى وجه الله ﵎ (^١)، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا أن تجعلنا من هؤلاء بمنك وكرمك، إنك على كل شيء قدير.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم الجمال (رقم ٢٨٣٣) .
[ ٢٩٩ ]