* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾] اهـ.
في هذه الآيَة بَيان للْقِسْمِ الثّانِي، وَهُمُ الَّذِين كفَرُوا بتَرْك العمل الصّالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلَمْ يُؤْمِنُوا.
وقولُه ﵀: [﴿بِآيَاتِنَا﴾ القرْآن]، غيرُ صحِيحٍ، بَل قطْعًا يشْمَلُ القرآنَ وغَيْرَ القرآنِ؛ لأَنَّ الَّذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالحاتِ والَّذِين كَفَرُوا وكذَّبُوا بِآياتِ الله ولقَائِهِ هَؤُلاءِ يَكُونُونَ في هَذِهِ الأمَّةِ وَيكُونُونَ في غيْرِها.
وقوْلهُ ﵀: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ البعْثِ وغَيْرِه]، البعْثُ الإخراج مِنَ القبورِ وغَيْرُه مِن الحسَابِ والجزاءِ وَالجنَّةِ والنّار، فيُكَذِّبُونَ بِها فتقُولونَ لَا تُوجدُ جَنَّةٌ ولا نَارٌ ولا حِسابٌ ولَا عَذابٌ، والعجِيبُ أنَّ هَذا القوْلَ الباطِلَ الفاسِدَ نَحا إِلَيْهِ مَنْ يُسمُّونَ أنفسَهُم بِالحكمَاءِ وهُمُ الفلاسِفة، يقولون أنه لا توجَد جنة ولا نَارٌ ولا بَعْثٌ، ولكِنّ الرّسلَ قَالوا لِلنَّاسِ هَذا مِن أجْل إقامَتِهم عَلَى الطّريق التي اختَرعُوها لهم، وَيزْعُمونَ - وَالعياذُ بِاللهِ - أنَّ الرّسُلَ رجَالٌ عبَاقِرَةٌ عنْدَهُم ذكَاءٌ وحُسْنُ سِيرةٍ وتنْظِيمٌ، لكِنَّهم
[ ٨١ ]
لَو قَالُوا لِلنَّاس: افْعَلُوا كَذا أوْ لَا تفْعَلُوا كَذا بدُونِ ترْهِيبٍ ولَا ترْغِيبٍ مَا أطَاعَهُم النّاسُ، فكَانُوا يقُولونَ لِلنَّاسِ: إِنَّ لكُم ربًّا عظِيمًا وإلهًا قادِرًا، وإِنَّ لكُم معادًا يَكُونُ فِيه الجنَّة أوِ النَّارُ، والأمْرُ ليْسَ كَذَلِكَ عنْدَهُم، يعْنِي إِنَّما ذَكَرُوا ذَلِك مِنْ أجْلِ إِقَامَةِ النّاسِ عَلَى الطّريقِ التي سَنُّوها لهم، وَهَذا معْنَاهُ الكفْر بالبعْثِ وَبِالرّسالَةِ وحتَّى بأنفُسِهم؛ لأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ باللهِ ﷿ فقَدْ كَفَر أوَّلَ مَا كَفَر بنَفْسِه؛ لأنهُ أنْكَرُ أنْ يكُونَ لَه خالقٌ.
قوْله تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أعُوذُ باللهِ، المرَادُ بِالعذَابِ هُنَا العقوبَةُ، وجَعل العذابَ ظرْفًا لهم لأنَّهُ محِيطٌ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، كَما قَالَ الله تَعالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥].
وقوْله تَعالَى: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مِن الإحْضَارِ أحْضَرْتُه، بمَعْنى: جعَلْتُه يَحْضُر هَذا الشّيْءَ، فهَؤُلاءِ محُضرُونَ في العذابِ بدُونِ اخْتِيارِهِمْ، لَوْ رَجع الأمْرُ إِلَى أنْفُسِهم مَا حَضَرُوا، لكِنَّهم يُحْضَرونَ فِيه كَرْهًا.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: إثْبَات القيَامَةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾.
الفائدة الثانية: أنَّه في ذَلِك اليَومِ يتفَرَّقُ النّاسُ إِلَى فَريقَيْنِ: فَريقٌ في الجنَّةِ، وفَريقٌ في السّعِيرِ.
الفائدة الثالثة: أنَّ الآباءَ مَع أوْلادِهِم والأمَّهاتِ مَع أوْلَادِهم إِذا كانَ أحَدُهم كافِرًا والثّاني مُؤْمِنًا يتَفرَّقونَ، ولَا يُمْكِنُ أنْ يُنْقِذَ أحَدٌ أحدًا في ذَلِك اليَوْمِ لِعُمُوم قوْله تَعالَى: ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يَسْتَثْنِ الأوْلادَ مَع والدِيهم
[ ٨٢ ]
أوْ بالعكْس فَفي ذَلِكَ اليَومِ لَا يُوجَدُ اجتِماعٌ إلا إِذا كَانُوا عَلَى الحقِّ، وَهَذا لا يَشْمَلُ المؤْمِنينَ؛ لأَنَّ المؤْمِنينَ تَفرُّقُهم إِلَى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وَهذا قَال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجَعلَهُم قِسْمَيْنِ: إمَّا في منَازِلهِم في الجنَّةِ، كُلٌّ في منْزِلَتِه لكِنْ في عَرُصاتِ القيَامَةِ يَكُونُ فَرِيقُ المؤْمِنينَ جَمِيعًا، وفَرِيقُ الكفَّارِ جَمِيعًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل كُلُّ إِنْسَانِ مستقِلٌّ بنفْسِه حتَّى ولَوْ كانَ مُؤْمِنًا؟
قُلْنَا: هَذا لَيْسَ بظَاهِرٍ؛ لأَنَّ قوْلَه ﷾: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقولَه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقْتَضِي أنَّ المقْصُودَ تفرَّقُ الجِنْس ينْقَسِمُونَ مثْلَ مَا قَالَ الله تَعالَى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
الفائدة الرابعة: إثْبَات الجزَاءِ، لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾، وقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
الفائِدتَانِ الخامِسَةُ والسّادِسَةُ: فضِيلَةُ الإِيمَان والعمَلِ الصّالح؛ حيْثُ كانَ جَزاؤُه مَا ذَكر والتّحْذِيرُ مِنَ الكفْر، حيْثُ كَان جَزاؤُه مَا ذَكر أيْضًا.
الفائدة السابعة: أنَّ الإِيمَان والعمل يتَّفِقانِ إِذا افْتَرقَا ويَخْتلِفانِ إِذا اجتْمَعا، فعَلى هَذا يكُونُ كُلٌّ منْهُما بمَعْنَى الآخر عنْدَ الانْفِرادِ، ويخْتَلِفُ كلٌّ منْهُما عَنِ الآخر عنْدَ الاجْتِماعِ.
الفائِدتَانِ الثّامِنةُ والتّاسِعةُ: أنَّ العمَل لا ينْفَعُ إلا إِذا كَان صَالحًا، لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وحيْثُ إِنَّنا فسَّرْنا الصّالح بأنَّه مَا اجْتَمع فِيه الإِخْلاص والمتابَعَةُ يُسْتَفادُ مِنْهُ أنَّ العمَل الَّذي فِيه الشّرْكُ لَا ينْفَعُ صاحِبَهُ، وَهَذا واضِحٌ، وِفي
[ ٨٣ ]
الصّحيحِ مِن حَدِيثِ أَبي هُريْرَةَ - ﵁ - عَنِ النّبيِّ ﵊ أنَّ الله قَال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ترَكْتُه وَشِرْكَهُ" (^١)، وهَل هَذا يشْمَلُ الشّركَ في الصّفَةِ، وفِي أصْل العمَلِ، أوْ نَقُولُ: إِذا كَانَ أصْلُ العمَلِ لَا شِرْكَ فِيه والصّفَةُ فِيها شِرْكٌ قُبِل أصْلُ العمَل دُونَ صِفَتِه، مثَلًا رجَلٌ أرَادَ أنْ يُصلِّي الرّاتِبةَ لكِنَّهُ أحَسنَها وأتْقَنَها واطمَأَنَّ فِيها رياءً، فإِنَّ هَذا لا ينْفَعُه، فَمَنْ ذَكَر الله: يُسَبِّحُ مرَّةً واحِدَةً، ولكنَّه من باب الرّياءِ يُسَبِّحُ ثلاثًا، فَتسبِيحُه الثّلاثُ لَا ينْفَعُه، لكِنْ لا نقُولُ أنَّه يحْبَطُ عَمَلُه، بَل يأْثَمُ عَلَى ذَلِك؛ لقوْلِه ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فالشرك مِن خصائِصه ولَوْ كانَ أصْغَر ألا يُغفَر إلا بتَوْبَةٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَل يُفرَّقُ بيْنَ الاسْتمرارِ عَلَى الشرْك الأصْغَرِ وعَدمِ الاسْتمرارِ؟
قُلْنَا: لا يُفرَّق بَيْنَهُما، مَا دامَ أنَّه لَا يصِلُ إِلَى حدِّ الأكبْرَ فهُوَ أصْغَرُ، لكِنْ يُفَرَّقُ بيْنَهم مِن جِهَةِ الإصْرارِ علَيْه، فيَكُون أعْظَم مِن فِعْلِه من ثمَّ ترْكِه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الرّياءُ إِذا طرَأَ في أثْنَاءِ العبادَةِ، هلْ يَكُون مُبْطِلًا للعِبادَةِ؟
قُلْنَا: الرّياءُ إِذا طَرأَ في أثْناءِ العبادَةِ فإِنْ كافَحَه ودَافَعه مَا ضَرَّه، وإِنِ اسْتَرْسَل معَه واطمأَنَّ إِلَيْهِ فإِنَّهُ يضُرُّه، أمَّا هَل يكُونُ مُبْطِلًا للعِبادَةِ أوْ غيْرَ مُبْطِلٍ فإِنْ كانَتِ العبادَةُ تتَجَزَّأُ، كَما لَو أرَادَ أنْ يتَصدَّقَ بصَاعَيْنِ فأخْرَج صاعًا بدُونِ رِياءٍ، ثمَّ أخْرَج الثّانِي بِريَاءٍ فإِنَّ البطْلانَ يخْتَصُّ بِما حصَل بِه الرّياءُ فقَطْ، يعْني الأوَّلُ يكُونُ صحِيحًا، وَإِنْ كانَتِ العبادةُ لا تتجَزَّأُ - كَما في الصّلاةِ - فإِنَّ مِن أهْلِ العلْمِ مَن يَرى أنَّ الصّلاةَ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الزّهد والرّقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (٢٩٨٥).
[ ٨٤ ]
تبْطُل لأَنَّ الرّياءَ طَرَأَ عليْهَا وهِي لا تتَجَزَّأُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ أوَّلهُا دُونَ آخِرِها ومنْهُم مَن يقُولُ: لَا تَبْطُل لأَنَّ أصْلَ هَذا العمَلِ خَالصٌ للهِ ﷿، فَلا يُبْطِلُه الرّياءُ.
الفائدة العاشرة: أنَّ الجنَّة روْضَةٌ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، ويُرْوَى أنَّ إبْرَاهِيمَ ﵊ قَال لِلنَّبيِّ - ﷺ - ليْلَة عُرِج بِه: "أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السّلَامَ، وَأَخْبِرهُمْ أنَّ الجنّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَها: سُبْحَانَ الله، وَالحمْدُ لله، وَلَا إله إلا الله، وَاللهُ أَكْبَرُ" (^١).
الفائدة الحادية عشرة: أنَّ هَذِهِ الجنّةَ مملُوءَةٌ بالسّرورِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾؛ لأَنَّ الحبورَ معْنَاه التّنَعُّمُ والسّرور الَّذي لا شيْءَ فوْقَهُ.
الفائدة الثانية عشرة: أنَّ الكفْر أعَمُّ مِن التكذِيبِ؛ لأَنَّ العطْفَ يقْتَضِي المغايَرَةَ، كَفَرُوا وكَذَّبُوا لأَنَّ الكفْر ينْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا جحْدٌ وإِمَّا اسْتِكْبَارٌ، وَهذا كَان أعَمَّ مِنَ التكْذِيبِ.
الفائدة الثالثة عشرة: أنَّ الكتُبَ المنَزَّلَةَ مِن آياتِ الله، وسبَقَ قبْلَ قلِيلٍ وجْهُ كونِها مِنْ آيَاتِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
الفائدة الرابعة عشرة: إثْبَات البعْثِ، وأنَّ مُنْكِرَه كافِرٌ؛ لقوْ لِه تَعالَى: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، هَذا اللِّقاءُ العظِيمُ الَّذي يتَلاقَى فِيه كُلُّ المخْلُوقاتِ، ويُلاقُونَ الله تَعالَى.
الفائدة الخامسة عشرة: أنَّ هَؤُلاءِ المكذِّبِينَ الكافِرينَ يُحْضَرونَ إِلَى العذَابِ قصْرًا وقهْرًا؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وهُوَ كقوْلِه تَعالَى:
_________________
(١) أخرجه التّرمذي: كتاب الدّعوات، باب ما جاء في فضل التّسبيح والتّكبير والتّهليل والتحميد، رقم (٣٤٦٢).
[ ٨٥ ]
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] يعْنِي يُدْفَعُونَ بعُنْفٍ وشِدَّةٍ - والعياذُ باللهِ -، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] ومعْلُومٌ أنَّهم لوْ رجَعَ الأمْرُ لاخْتِيارِهِم لَا يدْخُلونَ، لكنَّهم يُدْفَعُونَ بعُنْفٍ وشِدَّةٍ حتَّى يدْخُلُوها.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الصّحِيحُ فيمَنْ تُوفِّي قبْلَ البلُوغِ؟
قُلْنَا: الصّحِيحُ فيمَنْ تُوفِّي دُونَ البلوغِ ومَنْ لَمْ تبلُغْه الدّعوَةُ أيْضًا، إنْ كانَ مَن تُوفِّي قبْلَ البلوغ مِن أوْلادِ المؤْمِنينَ فهُو مؤْمِن مطلقا؛ تبعًا لأبوَيْه أوْ للمُؤْمِن منْهُما، ولَا يُشْهَدُ لهم بالجنَّةِ كَما لَا يُشْهَد لآبائِهم، لكِنْ يُشْهَد بالعُمُوم والجِنْس، فنَشْهَدُ لكلِّ مُؤمِنٍ بأنَّه في الجنَّةِ، وأَمَّا التعيينُ فيَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ، وأمَّا مَن تُوفِّي وهُو لَمْ يُميِّزْ، يعْنِي قبْلَ البلُوغِ، وهُو مِن الكفَّارِ فالمنَاطُ التّمْييزُ لَا البلوغُ، فإنَّ أصَحَّ الأقْوالِ فِيه أنَّه يُمْتَحَنُ يومَ القيامَةِ بِما يشَاءُ الله ﷿، ثمَّ تَكونُ النّتيجَةُ إمَّا إِلَى الجنَّةِ وإِمَّا إِلَى النّارِ، والامْتِحانُ ورَد فِيه آثَارٌ: أحادِيثُ ضعيفَةٌ وآثَارٌ عنِ الصّحابَةِ.
وقَدْ وَرَد حدِيثَانِ في أوْلادِ المشْرِكينَ، قَال - ﷺ -: "هُمْ مِنْهُمْ" (^١)، وقال: "الله أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (^٢)، أما قولُه: "هُمْ مِنْهُمْ" فالمرادُ بِه أحكامُ الدّنْيا، فوَلَدُ المشْرِكِ الَّذي أبواهُ كافِرَانِ يُحْكَمُ بأنه كافِرٌ فَلا يُغَسَّلُ، ولَا يُكَفَّنُ، ولَا يُصَلَّى علَيْهِ، ولَا يُدْفَنُ مِع المسْلِمينَ، ولكِنْ في الآخرةِ يكونُ الجوَابُ الثّاني، حِينَ قالَ الرّسولُ - ﷺ - لِعَائِشَةَ: "الله أعْلَمُ بِما كَانُوا عَامِلِينَ".
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسّير، باب أهل الدّار يبيتون فيصاب الولدان والذّراري، رقم (٣٠١٣)، ومسلم: كتاب الجهاد والسّير، باب جواز قتل النّساء والصّبيان في البيات، رقم (١٧٤٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم (١٣٨٣)، ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم (٢٦٥٨).
[ ٨٦ ]
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لو امتُحِنَ لآمَنَ؛ لأَنَّ الله هُو الممْتَحِنُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِن أهْوالِ القيَامَةِ أمَامَه؟
فالجوابُ: أنَّ الله ﷿ يقُولُ: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، فالآيات التي جاءَتْ بِها الرّسلُ واضِحَةٌ، ومَعَ ذَلِك كفَرُوا وأيْضًا قدْ لَا يُمْتَحن بأنْ يُقالَ لَهُ: هَل تُصدِّقُ بِهَذا اليْومِ أوْ لَا؟ وقَدْ يُمْتَحَن في أُمورٍ أُخْرَى؛ وَهذا قُلنَا: الله أعْلَمُ فِيما يمتَحِنُه بِه، قَدْ يمتَحِنُه بأمْرٍ يُمْكِنُ أنْ يَقع فِيه اشْتِبَاهٌ.
* * *
[ ٨٧ ]