* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩].
* * *
قال المفسر رَحَمَهُ اَللهُ: [﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسانِ مِنَ النُّطفَةِ، والطّيرِ مِن البَيْضةِ]: أما البيضَةُ فليس عنْدِي فيها عِلْمٌ فلا نَقْدِرُ أن ننْفِي إنْ كانَ فِيها حياة في بعْضِ الأجْزاءِ التي يتكون منْهَا الطّائِرُ أم لا، والنّطفَةُ باعْتبارِ مَا يظْهَرُ لنا ميتّةَ، وَكَذلِكَ البَيْضةُ، لكِنْ في الواقِع إِنَّ النّطفَة ليْسَتْ ميتّةً، فلقَدْ سُئِل النّبيّ - ﷺ - عَن العَزْل فقَالَ: "هُوَ الوَأْدُ الخَفِيُّ" (^١)، فجَعَله وأدًا، والوَأْدُ لا يكُونُ إِلَّا لحيٍّ، فالحيَوانَاتُ المنوِيَّةُ حيَّةٌ، لكِنَّها لَا تُرى، وهَذهِ النّطْفَةُ البَسيطَةُ التي ليْسَتْ بشَيْءٍ يقُولونَ - والله أعلمُ إنْ كانَ هذَا مبالغةً أو لا - فِيها حواَلي خمْسَةِ مَلايِينَ أوْ أكْثَر مِن الحيَوانَاتِ المنَوِيَّةِ، وهِي التي تُرى بَسِيطَةً.
إِذَنْ: فبِاعْتِبارِ مَا يُرى وَيظْهَر أن النُّطفةَ ميَتّةَ جَمادٌ، لكِنْ باعتِبارِ الحقِيقَةِ ليْسَتْ كَذلِكَ، وإخْراجُ الميِّتِ مِن الحيِّ ليْسَ مشْكِلَةً، لكِنَّ المشْكِلَةَ إخْرَاجُ الحيِّ مِن الميِّت.
وقوْله تَعالَى: ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، هَل المُرادُ الحياةُ الحسيِّة أوِ المعنَوِيَّة؟
والحقِيقَةُ أنَّ المُرادَ الأمْرانِ، فإنَّ الكافر ميِّتٌ معنًى، ويخْرُج منْه المسْلِمُ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب النكاح، باب جواز الغيلة وكراهة العزل، رقم (١٤٤٢).
[ ٩٥ ]
أوِ بالعَكْسِ، قَال الله تَعَالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، يعْنِي أنَّ هَؤُلاءِ الكفَّارَ بمنْزِلةِ الأمْواتِ، والمُؤمِنُ حيٌّ ولا سيِّما العالم، قالَ الله تَعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وسمَّى الله القرآنَ رُوحًا فدَلَّ هَذا عَلَى أنَّ مَن عَمِل بِه فهُوَ حَي فالآية أعمُّ مما قاله المُفَسِّر، وَإِن كَان سياقُها يقْتَضِي أنَّ المرادَ بِها بالأَوْلى الحياةُ الحسِّيَّةُ.
قوْله تَعالَى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بِما أنْزَل الله علَيْها مِن المَطَرِ، ولَا أحَدَ يسْتَطِيعُ أنْ يفْعَل ذَلِك إِلَّا الله ﷿، هَذِهِ الأرْضُ الهامِدَةُ اليَابسَةُ التي ليْس فِيها خُضْرَةٌ يُنزِلُ الله عليْها الماءَ فتُصْبح الأرْضُ مخضَرَّةً بأمْرِ الله تَعَالى، ولَوِ اجْتَمعَ الخلائِقُ كلُّهُم عَلَى أنْ يفْعَلُوا ذَلِك لمَا استْطَاعُوا، ولَنْ يُخْرِجُوا ولَا أدْنى حشِيشَةٍ مِن هَذهِ الحشائِشِ، ولكِنَّ الله تَعالَى بقُدْرَته يفْعَلُ ذَلِكَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: بعْضُ الحشراتِ تتوَلَّدُ وتَخْرُجُ مِنْ طَعامٍ أوْ غيرِه، ونُوَاةُ التَّمر يخْرُج منْهَا نبَاتٌ؟
قُلْنَا: هَذِهِ حياةٌ بِلا إِدْراكٍ، والمتَوَلِّدُ واضِحٌ أيضًا أنَّه حَيٌّ مِن ميِّتٍ؛ لأَنَّ المتَولِّد يخْرُج مِن العفونات والقاذورات وهو حيٌّ يتحرك.
قوْله تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: الكافُ اسْم بمَعْنى مثْل، يعْنِي ومثْلُ ذَلِك الإخراج تخْرُجونَ، فتكونُ مفعُولًا مطْلَقًا، ويجوزُ أنْ تكُونَ هُنا حرْفَ جَرٍّ، و(إذَا) اسْمُ إِشارَةٍ مبْنِيٌّ عَلَى السُّكونِ في محَلِّ جرٍّ، يعْنِي وكَهذا الإخراجِ تخْرُجونَ، ولَا تكُونُ مفعولًا مُطْلَقًا.
وقوْلهُ ﵀: [تَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ]: ظاهِرُ الآيات الكَريمَاتِ أنَّ خُروجَ النّاسِ مِنَ القُبورِ يُشْبِهُ خُروجَ النّباتِ مِنَ الأرْضِ، وخُروجُ النّباتِ مِنَ الأرْضِ
[ ٩٦ ]
يكُون بِنُزولِ المَطرِ علَيْها، فيَكُونُ في هَذِهِ الآية إشَارَةٌ إِلَى مَا ورَد في الحديثِ مِنْ أنَّ الله تَعالَى يُمْطِرُ عَلَى القُبورِ مَطرًا غَلِيظًا كَمَنِيِّ الرّجالِ أرْبَعِينَ يوْمَا تنْبتُ مِنْهُ الأجسادُ في القُبورِ (^١)، ثمَّ بعْدَ ذَلِك تخْرُج إِذا نُفِخ في الصّور، وَهَذا ورَدَتْ بِه أحادِيث في إسْنَادِها مقَالٌ، لكِنَّ مجمُوعَها يقْضِي بأنّها أحادِيثُ حسَنَةٌ، وظَاهِرُ القرآنِ أيضًا يُشيرُ إلَيه.
وقوْلهُ ﵀: [بالبِنَاءِ للْفَاعِل والمْفُعولِ]: البَناءُ للفاعل "تَخْرجُون"، وللمَفْعول "تُخْرجَوُن"، قراءَتَانِ سبْعِيَّتانِ (^٢)، لأَنَّ مِن عادَةِ المُفَسِّر ﵀ أنَّه إِذا إلى بقِرَاءَةِ شاذَّةِ يقولُ: (وَقُرِئ).
من فوائد الآية الكريمة::
الفائدة الأولى: بَيانُ قُدْرَةِ الله ﷿؛ حيْثُ يُخرِجُ الحيَّ مِن الميَتِ وبالعَكْس، وَهَذا مِن تمَامِ القُدْرَة أنَّه يُخرِج الشّيْءَ مِن ضِدِّه.
الفائدة الثانية: قُدْرَتُه عَلَى إحْيَاءِ الأرْض مِنْ بعْدِ موتها؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
الفائدة الثالثة: ثُبوتُ قِيامِ الأفْعَالِ الاخْتِيارَّية باللهِ ﷿، وَالأفْعالُ الاخْتِيارِّيةُ هِي التي يفْعَلُها بمشِيئَتِه، إِنْ شَاء فَعَلَ وإِنْ شاءَ لَمْ يفْعَلْ؛ تُؤخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى:
_________________
(١) أخرج الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٩٧) من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "ثُمَّ يَكُونُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكُونَ، فَلَيْسَ مِنْ بَني آدَمَ خَلْق إِلَاّ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَيُرْسلُ الله مَاءَ مِنْ تَحْتِ العَرْش كمَنيِّ الرِّجَالِ، فَتَنْبُتُ لحُمَانُهُمْ وَجُثْمانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، كما يُنْبتُ الأَرْضُ مِنَ الثَّرَى"، ثُمّ قَرَأَ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩].
(٢) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر (ص: ٣٩٥).
[ ٩٧ ]
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، وقوْلِه تَعالَى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ والبَعْدِيَّةُ تقْتَضِي حُدوثَ هَذَا الشّيْءِ، وقِيامُ الأفْعَالِ الاخْتِيارَّيةِ باللهِ ﷿ هُو الَّذي علَيْهِ أهْلُ السّنَّةِ والجمَاعةِ قاطِبَةً، ولَا أحَدَ منْهُمْ أنْكَر ذَلِك، فيُثْبِتُونَ الاسْتِواءَ عَلَى العرْشِ فعْلًا لله، والنزولَ إِلَى السَّماءِ الدّنْيا فعْلًا لله، والمَجِيءَ للفَصْل بيْنَ العِبادِ فعْلًا لله، والعجَبَ فعْلًا لله، والضَّحِكَ فعْلًا لله، والخلْقُ فِعْلًا لله، وَيقُولونَ إِنَّ الله تَعالَى يفْعَلُ مَا يشَاءُ، كيْفَ شَاءَ، متَى شَاءَ.
ولكِنَّ أهْلَ البدَعِ مِن المُعْتزِلة والأشعَرِيَّة وغيرِهم يُنْكِرُون قِيامَ الأفْعالِ الاخْتِيارِّيةِ بِه، وَيقُولونَ لَو قامَتْ بِه الحوادِثُ لكَان حادِثًا، واللهُ تَعالَى لَمْ وَلا يَزالُ، فنَقُولُ: هَذا قولٌ بَاطِلٌ؛ أوَّلًا لأنهُ قِياسٌ في مُقابَلَةِ النّصِّ، فإِنَّ النُّصوصَ متكاثِرَةٌ في إثْبَات الأفعالِ الاخْتِيارِّية للهِ ﷿ التي تتعَلَّقُ بمشِيئَتِه، وثَانِيًا قوْلُكُم إِنَّ الحوادِثَ لَا تَقُوم إِلا بحَادِثٍ ليْسَ بِصَحِيحٍ فإِنَّ الحوادِثَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِكامِلٍ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ، أمَّا كوْنُها لَا تقُومُ إِلا بحَادِثٍ فَما هُو العَقْلُ الَّذي يُوجِبُ هَذا.
الفائدة الرابعة: قِياسُ الغِائِبِ عَلَى الشّاهِدِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، فإِنَّ قِياسَ الغائِب عَلَى الشّاهِد لَيَحْمِلُ عَلَى الإقرار بِه طريقَةً مُتبعَةً.
الفائدة الخامسة: إثْبَاتُ البَعْثِ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
الفائدة السادسة: إثْبَاتُ القِياسِ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإثْبَاتُ القِياسِ لَه أدِلَّةٌ كثِيرَةٌ في القُرآنِ منْهَا عَلَى سَبِيل التّعْمِيم والحدِّ كُلُّ مَثَلٍ ضَربَه الله في القُرْآنِ فَهُو وإلى عَلَى ثبُوتِ القِيَاسِ، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] و﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] ومَا أشْبَه ذَلِك، فإِنَّ الأمْثَالَ ضَرْبُها تشْبِيهُ حالٍ بحالٍ، أوْ فَرْدٍ بِفَرْدٍ، فتكُونُ دالَّةً عَلَى ثُبُوتِ القِياسِ، وَكَذلِكَ القَصَصُ التي قَال الله
[ ٩٨ ]
تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وفي السُّنَّة أيْضا كثِيرٌ مِن ذَلِك، مثْلَ قوْلِه - ﷺ -: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ؟ " قال: نعم، قال: "فما لَوْنُه" قال: حمر (^١)، الحديثَ، وقوْلُه: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْن أَكُنْتِ قَاضِيتَهُ" (^٢).
وَكَذلِكَ العَقْلُ يقْتَضِي ثُبوتَ القِيَاسِ، فإِنَّ العَقْلَ السّلِيمَ الصَّرِيحَ لَا يُمْكِنُ أنْ يُفَرِّقَ بيْنَ مُتماثِلَيْنِ أبدًا، ودَائِمًا حتَّى الصّبيُّ إِذا منَعْتَه مِن شَيْءٍ وأبحْتَ لَهُ نَظِيرَه، قَال: لماذا؟ ألَيْسَ هَذا مثْلَ هَذَا؟ ! فهَذا مما تشْهَدُ العُقولُ وَالنّصوصُ والفِطَرُ بثُبوتِه، لكنَّ القِياسَ الباطِلَ الَّذي يتوَسَّعُ فِيه بعضُ النّاسِ حتَّى يُعطِّلُوا دِلالَةَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ لا شَكَّ أنَّه بَاطِل، أمَّا القِيَاسُ الصَّحِيحُ فإِنَّهُ لَا ريبَ في ثُبوتِهِ، والَّذِين أنكَرُوا القِيَاسَ هُمْ في الحقِيقَةِ مُضطَّرِبُونَ، فأحْيَانًا يقُولُونَ بالقِياسِ مِن حيْثُ لا يَشْعُرونَ وَلا يُمْكِنُهم إِلَّا أنْ يقيسُوا لأَنَّنا لَو أرَدْنا أنْ نَحْصرَ دَلالةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلَى الأحْكامِ عَلَى سَبِيلِ العُمُوم والقَواعِدِ والضَّوابِطِ فهِي وَافِيةٌ، لكِنَّ الأفْرادَ والجزْئِيَّاتِ لَا مُنتهى لَها وَلا حصْرَ لَها، وهُمْ لا بُدَّ أنْ يُضطَّرُوا إِلَى إثْبَاتِ ذَلِك.
يدخلُ في العُمُومِ مِن حيْثُ الشُّمولُ اللَّفْظِي إِنْ كَان داخِلًا في اللَّفْظِ أحْيانًا لَا يدْخُلُ في اللَّفْظ لكِنْ يشْمَلُه العُمُومُ المعنَوِيُّ وهُوَ القِياسُ؛ لأَنَّ العُمُومَ المعْنَوِيَّ هُو القِيَاسُ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب إذا عرض بنفي الولد، رقم (٥٣٠٥)، ومسلم: كتاب اللعان، رقم (١٥٠٠).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل، رقم (٧٣١٥).
[ ٩٩ ]