* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرّوم: ٢٨].
* * *
قوْله تَعالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾: المَثل بمَعْنى الشَّبَه والنَّظير، يعْنِي: ضَرب لكُمْ أمْرًا نَظِيرًا لما فعَلْتُم أنْتُم في جَانِب الله ﷿، وهَذا المثل: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [وَهُوَ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾]، (مِمَّا) أيْ مِنَ الَّذي ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ مِن مَمَالِيكِكُم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لَكُمْ].
قوْله ﷾: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾: أيْ مِن الَّذِي ملكَتْ أيمانُكُم ﴿مَلَكَتْ﴾، هَذِهِ هِي صِلَةُ المَوْصولِ، والعَائِدُ محْذُوفٌ، والتَّقْديرُ ملَكَتْه أيْمانُكُم.
وقوْله تَعالَى: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الإِيمَان جَمْعُ يَمِينٍ، وهِي اليَدُ، وأُضِيفَ المُلْكُ إِلَى اليَدِ؛ لأَنَّ غالِب تصرُّفاتِ الاِنسانِ بِيَدِه، وأُضِيف إِلَى اليَمِينِ لأنَّهُ أشرَفُ مِن اليَسَارِ.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: المُرادُ مَا ملَكَتِ الإِيمَان مِن الإِنسانِ؛ وَهذا قالَ المُفَسّر ﵀: [أَيْ مِنْ مَمَالِيكِكُمْ].
[ ١٥٧ ]
وقولُه ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾: مبْتَدَأ، و﴿لَكُمْ﴾ خَبَرُها مُقدَّمٌ، ولكِنَّ المُبتدَأ دخَلتْ علَيْهِ ﴿مِّنْ﴾ لأَجْل العُمُومِ أوْ للتَّنْصِيص عَلَى العُمُومِ، لأَنَّ ﴿مِّنْ﴾ الزَّائدة تُفيدُ التَّنصيصَ عَلَى العُمُوم، ولكنَّه قدْ يشْكل علَيْنا أنَّ ﴿مِّنْ﴾ لا تُزاد إِلا بعدَ النَّفي، وابْنُ مالك ﵀ يقُولُ في هَذِهِ المسأَلةِ (^١):
وَزِيدَ في نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ نَكِرَةً كـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
فـ ﴿مِنْ﴾ زائِدةٌ إعْرابًا، ولكِنَّها في المَعْنى لهَا معْنَى، وهُوَ التَّنصِيصُ عَلَى العُمُومِ، وذَكر ابْنُ مالِكِ ﵀ أنَّها لا تُزادُ إِلَّا بعْدَ نفْيٍ وشِبْهِه، وهُنا سُبِقت بشِبْهِ نفْيٍ؛ لأنَّهُ اسْتِفْهامٌ بمَعْنى النَّفْي، يعْنِي: مَا لكُمْ مِمَّا ملَكَتْ أَيْمانُكُم مِن شُرَكاءَ فِيما رَزَقْنَاكُم.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾: أيْ مُشارِكِينَ لكُمْ.
قالَ المُفَسر ﵀: [﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِنَ الأَمْوالِ وغيْرِها فأَنْتم وهُمْ ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾]، قوْله تَعالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليْسَتْ عائِدَةً عَلَى النَّفْي، لكِنَّها عائِدَةٌ عَلَى المنْفِيِّ، يعْنِي: فهَلْ أنْتُم سَواءٌ فِيما رَزقْنَاكُمْ.
قوْلُه ﵀: [﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أيْ أمثالِكُمْ مِنَ الأَحْرَارِ]، فجَعل الأنْفُس هُنا بمَعْنى الجِنْس؛ لأَنَّ النَّفْس تأْتِي بمَعْنى الجِنْس، يعْنِي: هَل هَؤُلاءِ المَمالِيكُ شرُكاءُ لكُمْ في رزْقِكُم مِن الأمْوالِ والأَولادِ ومُساوُونَ لَكُم وتَخافُونَهُمْ كَما تخافُونَ مِن أنْفُسِكُمْ؟
والجوابُ: لَا، ليْسَ لَنا مِمَّا مَلكَتْ أَيمانُنا شُركاءُ فِيما رُزِقْنا، فالمَمْلوكُ لَا يُشارِكُك في مالِكَ، ولَا يُشارِكُك أيْضًا في وَلدِكَ، ولَا يُشارِكُكَ في أيِّ شيْءٍ تملِكُه، فإِذا كَان كَذَلِكَ فلِماذَا تجْعَلُون هَذِهِ الأصْنامَ شُركاءَ مَع الله وهِي مخْلُوقةٌ لَهُ ممْلُوكةٌ مرْبُوبةٌ لَه؟ !
_________________
(١) البيت رقم (٣٧٠) من ألفيته.
[ ١٥٨ ]
إِذَن: المثَلُ واضِحٌ جدًّا في أنَّ هَؤُلاءِ المُشْركِينَ يُفرِّقونَ بيْنَ المُتماثِلَيْن، فكَما أنَّكُم الآنَ وبإقْرَارِكُم أنَّ عَبِيدَكُم لا يُساوُونَكُم في المنزلةِ ولَا يُشارِكُونَكُم في الرِّزقِ، فكَذَلِك أيْضًا مَا يمْلِكُه الله ﷿ مِن هَذِهِ الأصنامِ وغيْرِها لَا يُساوُونَ الله تَعالَى في المَنْزلَةِ، ولَا يُشارِكُونَه في الحُقوقِ، وَهَذا مَثَلٌ ظاهِرٌ جدًّا.
ومثالُه مِن أنْفُسِنا نَحْنُ: هَذا رجُلٌ يُؤدِّبُ ولدَه إِذا أخْطَأ، فقَال لَهُ بعْضُ النَّاسِ: لماذَا تضرِبُه؟ لماذَا تنْهَرُه؟ فإنَّه سيَقُولُ: ألَسْت تفْعَلُ بِولَدِك مثْلَ هَذَا؟ !
والجوابُ: بَلى، إِذَنْ كيْفَ تلُومُني عَلَى شيْءٍ تفْعلُه أنْتَ؟ !
فيُقالُ لهَم: كيْف تَجْعلُون مَع الله شَرِيكًا فِيما يسْتَحِقُّه وحدَه، وأنتم لَا تجْعَلُون لأنْفُسِكُم شرِيكًا مِن عَبيدِكُم فِيما تخْتَصُّونَ بِه مِنَ الرِّزْقِ؟ ! هَذا الَّذِي ذَكر الله عنْهُم.
والعجِيبُ أن هَذِهِ الآيَةَ استدَلَّ بِها مَن يَرَوْن الاشْتِراكِيَّة (^١)، فأوَّل مَا ظهرَتْ الاشْتراكِيَّةُ في العالَم العربيِّ بدَؤُوا يأْتُون بالنُّصوصِ المُتشابِهَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صرِيحَةٌ في الاشْتراكِيَّةِ؛ لأَنَّهُ يقولُ: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، فانْظُرْ: كيف التّلبيسُ؟ وهذِه ليْسَتْ عَلَى ما أرَادُوا، إذْ هِي داخلَةٌ في النَّفْي، يعْني لسْتُم فِيه سَواءً، لكِن دَائِمًا أهْلُ الباطِلِ يُلَبِّسونَ لبَاطِلِهم بمُتَشابَهِ النُّصوصِ، وهَذهِ مِنْ حكْمَةِ الله ﷿، أنَّه جعَل في النُّصوصِ أشْياءَ متُشابِهةً ليضِلَّ بِها مَن يضِلُّ.
وقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَنْتُمْ﴾ وَهُمْ ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾]، المُفَسِّر ﵀ أَتَى بكَلِمة (وَهُم) لأَنَّ المُساواةَ لَا تكُونُ إِلا بيْنَ شيْئَيْنِ؛ فلِهَذا أتَى بقَوْله: (وَهُم)، ولَا حاجَة إلَيْها في الحقِيقَةِ، فالكلامُ تامٌّ بدُونِها إِذْ مِن المُمْكِنِ أنْ نقُولَ: ﴿فَأَنْتُمْ﴾،
_________________
(١) انظر كتاب (بطلان الاشتراكية) لفضيلة الشّيخ ﵀.
[ ١٥٩ ]
الضَّميرُ يعُودُ عَلَى المالِك والمَمْلوكِ فأنْتُم أيُّها المالِكُون والمَمْلوُكونَ فِيه سواءٌ، وحِينَئِذٍ لا نحْتاجُ إِلَى تقْدِير (وَهُمْ).
وقوْله تَعالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: هَذَا الَّذي تسلَّطَ علَيْه النَّفْيُ، يعْنِي لسْتُم فِيه سواءً.
قوْله تَعالَى: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: الضَّمِيُر يعُودُ عَلَى (مَا)، بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لأَنَّ (مَا) لَو عادَ إِلَيْها الضَّمِيرُ باعْتِبارِ اللَّفْظ لعَادَ إِلَيْها مُفْردًا، فلمَّا عادَ إِلَيْها جَمْعًا صَار باعْتِبَارِ المَعْنى.
وقوْله تَعالَى: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: المُفَسِّر ﵀ جعَل الأنْفُس بمَعْنى الجِنْس، يعْنِي كَما تخافُونَ مِن جِنْسِكُم، ولهِذَا قالَ: [أيْ أمثالُكم مِنَ الأَحْرَارِ]، ويُمْكِن أنْ يُقال أنَّه يَعُودُ عَلَى ذَاتِ الإنْسَانِ، ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، يعْنِي كَما أنَّ لكُم التّسلُّطَ عَلَى أموالِكُم، فأَنْتُم تخافُونَ أنْ يتسلَّطُوا عَلَى هَذِهِ الأموالِ كَما تتسلَّطُ أنْفُسُكُمْ.
وقوْله تَعالَى: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: مصدْرٌ مضافٌ إِلَى الفاعِل، و(أنفُسَ) هِي المفْعولُ.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [والاسْتِفْهامُ بمَعْنى النَّفْي، أيْ لَيْس مماليككم شُركاءَ لكُمْ إِلَى آخِرِه عنْدَكُم، فكَيْف تَجْعلُون بعْضَ مَماليكِ الله شُركاءَ لَهُ]، وَهَذا مثَلٌ واضِحٌ، إِذا كنْتَ أنْتَ الَّذي تمْلِكُ لَا يُشارِكُك في مالِك، وفِيما هُو مِنْ خَصائِصِكَ، فكَيْف تجْعَلُ للهِ تَعالَى شَرِيكًا فِيما هُو مِن خَصائِصِه، الكلامُ واضِحٌ جِدًّا في إلزْامِ هَؤُلاءِ بعَدمِ الشّرْكِ، وَلهذَا قالَ الله تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، قالَ المُفَسِّر: [نُبيَنها مثْلَ ذَلِك التَّفْصِيلِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتَدبَّرونَ].
[ ١٦٠ ]
قوْله تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكَافُ اسْمٌ بمَعْنى مثْلِ، فهُو إِذَنْ مفْعُولٌ مطْلَقٌ عامِلُه ﴿نُفَصِّلُ﴾، أيْ مثْلَ ذَلِك التَّفْصيلِ والتَّبْيينِ، نُفصِّلُ الآيَاتِ، ولكِن مَن الَّذي ينتفِعُ بِها ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الله تَعالَى فصَّل الآيَات للعَاقِلِينَ وغَيْرِ العاقِلِينَ، فلمَاذا خصَّ ذَلِك بالعاقِلِينَ؟
فالجوابُ؛ لأنَّهم المنتفعونَ بِهَذا التَّفْصيلِ، مثْلَ مَا وصَفَ الله القُرآنَ بأنَّه هُدًى للمُتَّقِينَ، وَفِي آيَاتٍ أُخْرى هُدًى للنَّاسِ عامَّة، فبِاعْتبارِ الهِدايَةِ المُطْلَقةِ هُو عامٌّ، وبِاعْتبارِ الانْتِفاعِ هُو خاصٌّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى:: رحْمَةُ الله تَعالَى بخلْقِه بضَرْب الأمْثَالِ لهم؛ ليَصِلوا إِلَى الكمَال بِالِهدَايَةِ.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: بَلاغَةُ القُرآنِ بضَرْب الأَمْثالِ، وهُو أسْلوبٌ مِن أسَاليبِ اللُّغَة العرَبِيَّة في مُنْتهى البَلاغَةِ.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: المُناداةُ بجَهْل هَؤُلاءِ المُشْرِكينَ وعِنادِهم؛ لأنَّهم جَعلُوا للهِ شُرَكاءَ مِن ممْلُوكِيهم، وأمَّا عِنادُهم؛ لأَنَّ الأمْرَ واضِحٌ؛ وَلِهَذا قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، ومَع هَذا عانَدُوا وأصَرُّوا عَلَى الشِّرْك، حتَّى إنَّهُم في تلْبِيَتِهم يقُولونَ: لبَّيْك لَا شَرِيكَ لكَ، إِلا شَرِيكٌ هُو لَكَ، تَمْلِكُه وَما مَلَك (^١) فانْظُرِ الجهْلَ.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، رقم (١١٨٥).
[ ١٦١ ]
الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ العَبِيدَ لا يَمْلِكُونَ؛ وجْهُ ذَلِك أنَّه إِذا انْتَفَتْ مُشارَكَتُهم لأَسْيادِهِم في أموالهِم فغَيْرُهم مْن بَاب أَوْلى، وانْفِرادُهم أيْضًا مِن باب أَوْلى إِذا كَانُوا لَا يمْلِكُون المُشارَكَةَ مِع أسْيَادِهم، فَالغَير مِن بَاب أَوْلى، والَّذِي لَا يمْلِكُ المُشارَكةَ لَا يمْلِكُ الانْفِرادَ، فالَّذِي لا يَمْلكُ المُشارَكَة مَع سيِّدِه وَهُو أقْرَبُ مِن غيْرِه فَلا يمْلِكُ مَع غيْرِه، هَذا مَع أنَّه جاءَ في الحدِيث الصَّحيحٍ عَنْ رَسُول الله ﵊ أنَّه قَال: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُه لِلَّذِي بَاعَهُ إِلّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (^١)، قَالَ: "فَمَالُه لِلَّذِي بَاعَهُ".
ولَا تظُنَّ أنَّ هَذا مِن بَاب التَّنافُرِ حيْثُ أضَافَ المَالَ إِلَيْهِ ثمَّ قَال: "مالُه لِلَّذِي بَاعَهُ"؛ لأَنَّ الإِضافَةَ ليْسَتْ لِلتَّمْليكِ ولكِنَّها للاخْتِصَاصِ كَما تَقُول: سَرْجُ الدَّابَّةِ، وزِمَامُ الدَّابَّةِ، وحُجرة الدَّابَّةِ، ومَا أشْبَه ذَلِك.
الفائِدَةُ الخامسةُ: الرَّدُّ عَلَى أهْلِ الاشْتراكِيَّةِ الَّذِين قالُوا: إِنَّ الآيَةَ تدُلُّ عَلَى ثُبوتِ الاشْتراكِيَّةِ؛ لقوْلِه ﷾: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، يعْني ليْسَ فِيها دَليلٌ عَلَى ثُبوت الاشْتَراكِيَّة خِلافًا لمَنْ قَال ذَلِك، بَلْ فِيها دَليل عَلَى نَفْي الاشْتِراكِيَّةِ؛ لأَنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ مِن مَدْخُولِ النَّفْي، ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ يعْنِي: لا يُمْكِنُ أنْ يكُونَ هكَذا، فالمَمْلوكُ لَا يكُونُ شَرِيكًا.
الفائِدَةُ السادسةُ: أنَّ هَذا القُرآنَ مُفَصِّلٌ للآيَاتِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في العبد يباع وله مال، رقم (٣٤٣٣)، والترمذي: كتاب البيوع، باب ما جاء في ابتياع النخل بعد التأبير والعبد وله مال، رقم (١٢٤٤)، والنسائي: كتاب البيوع، باب العبد يباع ويستثنى المشتري ماله، رقم (٤٦٣٦).
[ ١٦٢ ]
الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّه لَا يُدْرِكُ هَذا التَّفْصيلَ إِلا أهْلُ العَقْل؛ والدَّليلُ قوله تَعالَى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الفائِدَةُ الثّامِنةُ: مدْحُ العَقْل؛ لأَنَّ بِه يُدْرِكُ الإنْسانُ هَذا التَّفْصِيلَ الَّذي يُفصّلُه الله ﷿.
الفائِدَةُ التاسعةُ: إثْبَاتُ عظَمَةِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿نُفَصِّلُ﴾؛ لأَنَّ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أيْ نحْنُ، وهَذِه لا تَكُون إِلا للْمُعَظّم نفسَه، أوِ الَّذِي معَه غيْرُه، وكوْنُه معَه غيْرُه ممْتَنِعٌ، فيَكُونُ دالًّا عَلَى التَّعْظِيم.
الفائِدَةُ العاشرة: أنَّ المعْبُودَ مِن دُونِ الله مِلْكٌ لله؛ لأَنَّ الله قال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وَلَا شكَّ أنَّ كُلَّ مَا في السَّموَاتِ وَالأرْضِ فهُو مِلْكٌ للهِ.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عشْرَةَ: أنَّ الرَّزقَ لَا يُنالُ بالكَسْب، وَإِنَّما هُو فَضْلٌ مِن الله، لكِنْ لَه أسبْابٌ لا شَكَّ، مثْل غيْرِه مِن الأُمورِ، لقوْلِه ﷾: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لكِنَّ هَذا الرِّزْقَ لَه أسبَابٌ شرعيَّةٌ، وأسبَابٌ كونِيَّةٌ، فمَثلًا مِن الأَسْبابِ الشَّرعيَّةِ انْتِقَالُ المَالِ بالإِرْثِ، واسْتِحقاقُ الفَقيرِ مِن الزّكاةِ، وَما أشْبَه ذَلِك، والأسْبَابُ الكونِيَّةُ أنَّ الإنْسانَ يسْعَى لحِرَاثَةِ الأرْضِ وَالبَيْع والشِّراءِ وَما أشْبَه ذَلِك.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ عشرة: إثْبَاتُ القِيَاسِ؛ وجْهُ ذَلِك ضرْبُ المَثَل، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ عشرة: أنَّ كوْنَ القِيَاسِ دَليلًا هُو مِن طَرِيق العَقْل؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ ولأَنَّ إلحاقَ الفرعِ بالأَصْلَ وهُو القِياسُ يَحْتاجُ إِلَى علَّةٍ جَامِعَةٍ تُدْرَكُ بالعَقْل.
[ ١٦٣ ]
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِذا قُلْتم إنَّ طَرِيقَ القِيَاسِ هُو العَقْل، فكَيْف يصِحُّ أنْ يكُونَ دَليلًا شرعيًّا؟
فالجوابُ: أنَّ الشّارعَ اعتْبَره وجعَلَه دَليلًا شرْعِيًّا، بِدَليلِ ضَرْب الأَمْثالِ، وقوْله تَعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
* * *
[ ١٦٤ ]