* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أَيْ سَبِّحُوا الله بِمَعْنَى صَلُّوا ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ أَيْ تَدْخُلُونَ في المسَاء وَفِيهِ صَلَاتَانِ المغْرِب وَالعشَاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ تَدْخُلُونَ في الصّبَاح وَفِيهِ صَلَاة الصّبْح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعْتِرَاض وَمَعْنَاهُ يَحْمَدهُ أَهْلهمَا ﴿وَعَشِيًّا﴾ عَطْف عَلَى حِين وَفِيهِ صَلَاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تَدْخُلُونَ في الظّهِيرَة وَفِيهِ صَلَاة الظّهْر] اهـ.
قوله ﵀: [﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبِّحُوا الله]، (سبحان) منصُوبَةٌ عَلَى المفْعُوليَّةِ المطْلَقَةِ، وعامِلُها محذُوفٌ، والمُفَسِّر ﵀ جَعلَ المفْعُولَ المطْلَق بمَعْنى فِعل الأمْر، لَا عَلَى أنَّ عامِلَه محذُوفٌ بَلْ جعَلَه نائبًا عَن فِعلِه.
وتَسْبِيحُ الله ﷾ معْنَاه تنْزِيههُ عمَّا لا يَلِيقُ بِه، والتّنزيهُ يتضمَّنُ أمْرَيْن:
أحدُهما: تَنزيهُ الله عَنْ كُلِّ نَقْصٍ في صِفات كمَاله.
وثَانِيهما: تَنْزيهُ الله عَنْ مُشابَهَةِ المخْلُوقِين.
أمَّا الأوَّلُ: فإِنَّنا نَرى كَثيرًا مَا يَذْكُر الله ﷿ أنَّه لا يَتْعَبُ ولَا يظْلِمُ ولَا يَغْفُل ومَا أشْبَه ذَلِك، لِكمَالِ صِفاتِه.
[ ٨٨ ]
وأمَّا مشابَهةُ المخلُوقِين: فقَدْ قَال الله تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتَنْزيهُ الله عَنْ مُشابَهَةِ المخْلُوقِينَ هُو في الحقِيقَةِ تنْزِيهٌ لهُ عَنِ النّقْص؛ لأَنَّ المخلُوقَ ناقِصٌ، وتشْبِيهُ الكامِل بالنّاقِص يجْعَلُه ناقِصًا، بِل إنَّ المقَارنَةَ بينَهما تحُطُّ مِن رُتبة الكامِل، كَما قِيلَ:
ألم تَرَ أنَّ السّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ السّيْفَ أَمْضَى مِنَ العصَا
قوُله ﵀: [سبحوا الله بمعنى صلوا]: أفادَنا المُفَسِّر بهذَا أنَّ المرادَ بتَسْبِيحِ الله تَعالَى هنَا تَسبِيح خاصٌّ وهُوَ الصّلاة، فلَمْ يجْعل التّسبيحَ عامًّا يشْمَلُ الصّلاةَ وغيْرَها، لتَقْييدِه بهَذِه الأوقاتِ، فإِنَّ تقْييدَه بهَذِه الأوْقَاتِ يدُلُّ عَلَى أنَّ المرَادَ الصّلاةُ وأُطْلِق عَلَى الصّلاةِ تَسْبِيح لأَنَّ التّسبِيحَ مِن واجِباتِها كَما قَال الله تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤] قَالَ النّبيُّ - ﷺ -: "اجْعَلُوها في رُكوعِكُمْ"، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: "اجْعَلُوهَا في سُجُودِكمْ" (^١)، وعَلى هَذا فتكُونُ الصّلاةُ هِي المرَادُ بالتّسبِيحِ، وَيدُلُّ عَلَى التّخِصيصِ تقْييدُها بأوْقَاتِ الصّلاةِ، وأيضا التّسبيحُ المطْلَقُ خصّهُ الله بوَقْتَيْنِ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، وَلمَّا جعَل هَذا خمْسَةَ أوْقَاتٍ عُلِم مِنْ قَرينَةِ التّقْسِيمِ في الوَقْتِ أنَّ المرادَ بِذَلِكَ الصّلواتُ الخمْسُ.
قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ مبْتَدأٌ وخَبرٌ، والخبَرُ مُقدَّمٌ لإِفادَةِ الحصْرِ، فَلَهُ وحْدَه الحمْدُ، وحَمْدُ الله تَعالَى يختَصُّ بأنَّه حمْدٌ يستَحِقُّه المحمودُ؛ وَلهذا نقُولُ: إِنَّ (اللامَ)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥، رقم ١٧٤٥٠)، وأبو داود: كتاب الصّلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، رقم (٨٦٩)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصّلاة والسّنة فيها، باب التسبيح في الرّكوع والسّجود، رقم (٨٨٧).
[ ٨٩ ]
هُنا للاستِحْقاقِ والاخْتِصَاصِ، وقولُه (أَل) في (الحمْد) للعُمُوم، يعْنِي جميعُ المحامِدِ لله ﷾ في السّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وهُو ﷾ محْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكانَ النّبيّ - ﷺ - إِذا أصَابَه ما يَسرُّه قَال: "الحمْدُ للهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمّ الصّالحاتُ"، وَإِذا كَان الأمْرُ عَلَى خِلافِ ذَلِك قَالَ: "الحمْدُ للهِ عَلَى كُلّ حَالٍ" (^١)، وأمَّا مَا يقُولُه بعْضُ العامَّةِ: (الحمد لله الَّذي لا يُحمَدُ عَلَى مكروهٍ سواه) فهَذا وِإن كانَ حقًّا لكِنَّهُ لا ينْبَغِي التّعبِيرُ بِهَذا الشّيْءِ؛ لأَنَ فِيه شيئًا مِن العتب عَلَى الله ﷿ في قولهِ: (الَّذي لا يُحْمَد عَلَى مكروه سواه)، وإِنَّما يُقالُ كَما قالَ النّبيّ ﵊: "الحمْدُ للهِ عَلَى كُلَ حَالٍ".
قوْلُه ﵀: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعْتِرَاضٌ، ومَعْنَاهُ يَحْمَدُهُ أهْلُهُمَا): لا شَكَّ أنَّه داخِلٌ في الآية، وأنَّ قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْد﴾ يَعْني أنَّه يُحْمَدُ، ولكِنْ ينْبَغِي أنْ يُقالَ بَما هُو أعَمُّ، أيْ أنَّ مَا خَلَقَهُ في السّموِاتِ والأرْضِ فإِنَّهُ مُستَحِقّ لِلْحَمْدِ علَيْه، سواء حُمِدَ أمْ لم يُحْمَدْ، فكُلُّ مَا في السّموَات وَالأرْضِ فإِنَّهُ شيْءٌ يُحمَدُ الله علَيْه، أمَّا في أمُورِ الخيِر فظَاهِرٌ، وأمَّا في أُمُورِ الشّرِّ فيَظْهَرُ ذَلِك؛ لأَنَّ الشّرَّ بالنّسبةِ لفِعْلِ الله وإيجَادِه لَه ليْسَ بِشَرٍّ، بَل قالَ النّبيُّ ﵊: "وَالشّرّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (^٢)، فلا يُنْسَب إِلَيْهِ الشّرُّ.
مثَالُ ذَلِكَ: الجدْبُ والمرضُ والفقْرُ والجهْلُ والاقْتِتالُ بينَ النّاسِ والخسوفاتُ في الأرْضِ، هَذِهِ كلُّها بالنّسبَةِ لِلإِنْسَانِ شَرٌّ، لكِنَّها بالنّسبَةِ لقَضاءِ الله خيْرٌ لأَنَّ الله ما قَضاهَا إلا لحِكْمَةٍ، وحِينَئِذٍ يكونُ محْمُودًا علَيْها، والشّر في المقْضِيِّ لا في القضاءِ؛
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل الحامدين، رقم (٣٨٠٣).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدّعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (٧٧١).
[ ٩٠ ]
وَهذا في حَدِيث الحسَنِ بْنِ عَليٍّ قَال: "وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ" (^١)، أيْ شَرَّ الَّذي قضَيْتَ، فأَضافَ الشّرَّ إِلَى المقْضيِّ لَا إِلَى القضاءِ.
واعْلَم أيْضا أنَّ المقْضِيَّ نفسَه ليْسَ شَرًّا محْضًا، بَل هُو شَرٌّ مِنْ وَجْهٍ، خَيْرٌ مِنْ وجْهٍ آخَر، أوْ شَرّ في محَلٍّ، خير في محل آخَر، مثَلا الفسادُ في البرِ والبحْرِ شَرّ، لكِنَّهُ خير مِن جِهَة عاقِبَتِه، لأَنَّ الله قالَ: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
إِذَنْ: هَذا خَيْرٌ، كَذَلِكَ أيْضا قدْ يَكُون شَرًّا في مكَانٍ لكِنَّهُ خيْر في مَكَانٍ آخَر، فإهْلَاكُ الأمَم السّابِقينَ بذُنُوبِهم شَر بالنّسْبةِ لهمْ، فقدْ أُهْلكوا ولم يَرْجِعُوا ولَم يَسْتَفِيدُوا، لكِنْ بالنّسْبَةِ لغَيْرِهم ممَّن يَعْتَبِرُ بحالهم خيْر، فيَكُونُ هَذا شرًّا في محَلِّه خيرًا في محَل آخَر.
والمُهِمُّ: أنَّ قضَاء الله نفسَه ليْسَ فِيه شَرٌّ أبدًا، بَل هُو خَيْرٌ، وَهذا قالَ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في جَمِيعِ الأحْوَالِ، المقْضِيُّ يَكُون فِيه الشّرُّ، ومَع ذَلِك فإنَّنا نَقُولُ أيْ مَع إثْبَاتنا أنَّ الشّرَّ في المفْعُولاتِ لَا في الفعْل، نَقُول أيْضًا إِنَّ هَذا الشّرَّ في المفْعُولاتِ ليْسَ شرًّا محْضًا لَا خَيْرَ فِيه، بَلْ قَدْ يَكُونُ شرًّا مِن وَجْهٍ وخيرًا مِنْ وَجْهٍ في نفْسِ المحَلِّ، كقوْلِه تَعالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] وقدْ يَكُون أكثرًّا في محَلِّه خيرًا في محَل آخَر.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الصّلاة، باب القنوت في الوتر، رقم (١٤٢٥)، والّترمذي: كتاب الصّلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم (٤٦٤)، والنّسائي: كتاب قيام الليل وتطوع النّهار، باب الدّعاء في الوتر، رقم (١٧٤٥)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصّلاة والسّنة فيها، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم (١١٧٨).
[ ٩١ ]
وقوْلُه ﷾: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خصَّهُما بِالذّكْر لأنَّهُما محَلُّ نُفوذِ فعْلِه، فإِنَّ الَّذي في السّموَات وَالأرْض مِن الملائِكَةِ والبشر والجنِّ وغيرِها كلُّها تَحْمَدُ الله، وكلُّها محَلُّ حمْدِه.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هلِ الكافِرُ يحَمَدُ الله؟
فالجوابُ: بِلِسانِ المقَالِ لَا، أمّا بِلسَانِ الحالِ فنَعم، بمَعْنى أنَّ حاله تسْتَوْجِبُ لمَنْ تأمَّلَها أنْ يَحْمَدَ الله، هَذا معْنَى قوْلهِم: إِنَّ هَذا يحْمَدُ بلِسَانِ الحالِ، أوْ يُسَبِّحُ بِلسانِ الحالِ، يَعْنِي أنَّ حاله مَن تأمَّلَها عرَفَ بِها مَا يسْتَحِقُّه الله تَعالَى مِنَ الحمْدِ والتّنْزِيه.
وقوْله تَعالَى: ﴿وَعَشِيًّا﴾: معْطوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، يعْنِي وسَبِّحُوا الله عَشِيًّا، والعشِيُّ مِنَ الزّوالِ إِلَى غُروبِ الشّمْسِ، وَفي حدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ في المسِيءِ في صَلاتِه قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله - ﷺ - إِحْدَىَ صَلَاتَي العشِيِّ" (^١).
قوْله تَعالَى: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: معْطوفٌ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، والقاعِدَةُ في المعطُوفاتِ أنْ يكُونَ العطْفُ عَلَى أوَّلِ واحِدٍ لأنهُ هُو المحَلُّ الَّذي وَقع علَيْه عمَلُ العامِلِ، فيَكُونُ العطْفُ عَلَى الأوَّلِ، فإِذا قُلْتَ: (قامَ زيْدٌ وبَكْرٌ وعمْرٌو) فإِن عمرًا معْطُوفٌ عَلَى زيدٍ، فهَذِهِ الأوْقاتُ الخمْسَةُ هِي أبْسَطُ مَا ذكَرهُ الله تَعالَى في القرآنِ مِن أوْقَاتِ الصّلَواتِ وذَكَرها مُجْمَلَةً في قوْلِه تَعالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ففِي هَذِهِ الآية ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، يَعْنِي وقْتَ دُلُوكِ الشّمْسِ؛ لأَنَّ (اللامَ) للتَّوْقِيتِ مثْلَ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أيْ وقْتَ اسْتِقبَالِ عِدَّتِهِنَّ، فَـ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لِزَوالها
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصّلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم (٤٨٢)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب السّهو في الصّلاة والسّجود له، رقم (٥٧٣).
[ ٩٢ ]
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، أي نصْفِه، وهُو شِدَّةُ ظلْمَتِه، وَذَلِكَ عنْدَ انتِصافِه؛ لأَنَّ أشدَّ ما يَكُون اللَّيلُ ظلْمَةً إِذا انْتصفَ، لأَنَّ نصفَ اللَّيْل هُو أبْعَدُ مَا تكُون الشّمْسُ عَن سطْحِ الأرْضِ، ويدْخُل في هَذا - مِن زَوالِ الشّمْسِ إِلَى نصْفِ اللَّيلِ - أرْبَعُ صلَواتٍ: الظّهرُ والعصْرُ والمغْرِبُ والعشاءُ ثمَّ قالَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فَفَصَلَه والمرَادُ بِه صلاةُ الصّبحِ، وفَصْلُه عمَّا قبْلَه يدُلُّ عَلَى أنَّ وقْتَ العشاءِ ينتهي بنِصْفِ اللَّيْلِ، وَهَذا هُو الَّذي دلَّتْ علَيْهِ السّنّة أيْضًا، ومَنْ قَال أنَّه ينتهِي بِطُلوعِ الفجْر فلَا دَلِيلَ لَه، وهَذِه المسألَةُ ينْبَنِي علَيْها مَا لو طَهُرت المرْأَةُ في نصْفِ اللَّيلِ الثّاني هَلْ يلْزَمُها صلَاةُ العشَاءِ؟ فعَلى قَوْل مَن يقُولُ إِنَّ وقْتَ العشَاءِ يمتَدُّ إِلَى طُلوعِ الفجْر يلْزَمُها العشَاءُ، وَكَذلِكَ المغْرِبُ أيْضًا، وعَلى القوْل الرّاجِح لا تلْزَمُها صَلاةُ العشَاءِ لأَنَّ صلاةَ العشَاءِ إِلَى مُنتصَفِ اللَّيلِ.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: رحْمَةُ الله تَعالَى بعِبَادِه؛ حيْثُ علَّمَهُم مَا فِيه مصْلَحَتُهم.
الفائدة الثانية: أنَّ الصّلاةَ تسْبِيحٌ وتنْزِيهٌ للهِ؛ لأَنَّ الله أطْلَقَ علَيْها اسْمَ التّسْبيحِ.
الفائدة الثالثة: وُجوبُ التّسبيحِ في الصّلاةِ؛ لأنَّ القاعِدة أنَّه إِذا أُطْلِق عَلَى العبادَةِ جُزْءٌ منْهَا دَلَّ ذَلِك عَلَى أنَّ هَذا الجزْء مِن وَاجِباتِها، وأَنَّه لا بُدَّ منْهُ فِيها.
الفائدة الرابعة: بَيان الأوْقَاتِ الخمْسَةِ مفصَّلَةً؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
الفائِدَتانِ الخامِسَةُ والسّادِسَةُ: أنَّ المسَاء يُطلَقُ عَلَى أوَّلِ اللَّيلِ، فإنَّ قوْله تَعالَى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يدْخُل فِيه المغْرِبُ والعشَاءُ، وقَدْ يُؤْخَذُ مِن هَذا جَوازُ رَمْيِ الجمَراتِ
[ ٩٣ ]
ليْلًا؛ لأَنَّ رجُلًا قَال: يَا رسُولَ الله! رَمَيْتُ بعْدَ مَا أمْسَيْتُ؟ فقَالَ: "لَا حَرَجَ" (^١)، فإِذا كَان المسَاءُ يُطْلقُ عَلَى أوَّلِ اللَّيْل، وأطْلَق النّبيُّ - ﷺ - نَفْيَ الحرَجِ، عُلِمَ أنَّه جَائِزٌ.
الفائدة السابعة: حِكْمَةُ الله ﷿ في تَوْزِيع الصّلوَاتِ عَلَى هَذِهِ الأوْقَاتِ، ووَجْهُ الحكْمَةِ أمْرَانِ:
الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّها لَو جُمِعَت في وقْتٍ واحِدٍ لخلَتْ بقيَّةُ الأوْقَاتِ عَن الاتِّصال باللهِ ﷾، يعْني لَو جَعَل الإنسان يُصلي في الفجْرِ كُلَّ الصّلواتِ الخمْسِ جميعًا فسَيَبْقى بقيَّةَ النّهارِ واللَّيْل بِلا صَلواتٍ مفْروضَةٍ.
الأمْرُ الثّانِي: أنَّه لو جُعِلت هَذه في وقْتٍ واحدٍ لكَان في ذَلِك نَوعٌ مِن المشَقَّةِ، يعْنِي يُوجِبُ عَلَى الإنسان أنْ يُصَلِّي سبع عشَرْةَ ركْعَةً في آنٍ واحِدٍ، فَهَذا فِيه مشقَةٌ عَلَى الأقْوِياءِ الأصحَّاءِ، فكَيْف بِالضّعفَاءِ والمرْضَى؟ !
الفائدة الثامنة: كَمالُ الله ﷿؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الفائدة التاسعة: أنَّه وحْدَه المستَحِقُّ لأَنْ يُحمَد عَلَى وَجْهِ الإطْلاقِ؛ نأْخُذه مِن تقْدِيم الخبَرِ في ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾.
الفائدة العاشرة: أنَّ كُلَّ ما يحْدُث في السّموَات وَالأرْضِ مِن خيْرٍ أوْ شَرٍّ فإنَّ الله تَعالَى يستَحِقُّ علَيْه الحمْدَ؛ تُؤْخَذُ مِن الإطْلاقِ في قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾، ولم يَقُلْ: عَلَى الخيْر أوْ عَلَى مَا يَنْفَعُ، بَلْ أطْلَق، فيُسْتفادُ مِنْه أنَّ الله تَعالَى محمُودٌ عَلَى كُلَ حَالٍ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الذّبح قبل الحلق، رقم (١٧٢٣).
[ ٩٤ ]