* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩].
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلِمة العَذاب؟ قال المُفَسِّر ﵀: هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].
وقيل: كلِمة العَذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وهذا القولُ أقرَبُ للصواب؛ لأن هذا القَوْلَ أخَصُّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] لا تَدُلُّ على شخصٍ بعَيْنه، بل تَدُلُّ على أن كلِمة الله ﷾ اقتَضَت أن تُملَأ النَّار، لكن ﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قَوْم بعَيْنهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
فالصحيح أن المُراد بـ ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ هي ما ذكَرَه الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] أنهم من أهل النار هؤلاءِ لا يُمكِن أن يُؤمِنوا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلِمة: ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلِمات: (الهَمْزة والفاء
[ ١٥٣ ]
ومَنْ) فالهَمْزة للاستِفْهام، والفاء عاطِفة، و(مَن) يَقول المُفَسِّر ﵀ عنها: إنها [شَرْطية]. ويَقول آخَرون: إنها مَوْصولة، ويَكون مَعناها حينئذٍ: (أَفالَّذي حَقَّ عليه كلِمة العذاب).
فإن قيل: إن حديث: "خَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ" (١) قد يُخالِف هذه الآيةَ في المَعنَى؟
قُلنا: لا، لأن مَعنَى قوله - ﷺ -: "خَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ" أن العرَب كانوا قبائِلَ، وبعض القبائِل أشرَفُ من بعضٍ، فقال ﵊ من كان له حسَبٌ وشَرَف في الجاهِلية، فهذا حسَبُه وشرَفُه له إذا فَقِه في دِين الله تعالى.
والرجُل الذَّكيُّ لا يَنطَبِق عليه هذا الحديثُ؛ لأن كونَه ذكيًّا، ثُم يَكون عاقِلًا قد يُحمَد وقد لا يُحمَد، ولاحِظْ أنه أحيانًا قد يَكون الذَّكاء المُفرِط سببًا للضلال - والعِياذُ بالله -؛ لأن الرجُل الذَّكيَّ يُورِد على نفسه أشياءَ، ويَفتَح على نفسه أشياءَ مثل: لو كان كذا لكان كذا، ولو كان غافِلًا عن هذا لكان أحسَنَ له؛ ولهذا ما ضَرَّ أصحابَ الكلام والمَنطِق والفلاسِفة إلَّا حِدَّةُ ذَكائِهم، لكن السليم هو الذي يَستَمِرُّ، وقد تَمنَّى بعض أهل الكَلام أن يَموت على دِين عجائِزِ نَيْسابورَ.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الهمزة هنا كما بيَّنَّا للاستِفهام، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ به الاستِفْهامَ الحقيقيَّ، أو أن المُراد به الإنكار، ويَتبَيَّن ذلك من تفسيرها.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ الآية، رقم (٣٣٧٤)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف ﵇، رقم (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي: وجَبَ عليه، وذُكِر الفِعْل مع أن لَفْظة ﴿كَلِمَةُ﴾ مُؤنَّث؛ لوَجْهين:
الوجه الأوَّل: أن تأنيث لفظة ﴿كَلِمَةُ﴾ مَجازِيٌّ.
والوجه الآخَر: أنه مُنفَصِل عن عامِله، ولا يَجِب تأنيث الفِعْل إلَّا إذا كان الفاعِل مُؤنَّثًا حقيقيًّا مُتَّصِلًا، كما قال ابنُ مالك ﵀:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتِ حِرِ (١)
يَقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾، أي: وجَب عليه كلِمة العَذاب وهي أنهم لا يُؤمِنون ولو جاءتَهم كلُّ آية، أو كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] والأوَّلُ أَظهَرُ.
وقوله تعالى: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يَعنِي: الكلمة التي يَستَحِقُّون بها العَذاب، وهي أن كلَّ مَن خالَف أَمْر الله تعالى فإنه مُستَحِقٌّ للعَذاب.
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ فقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ الخِطاب للرسول - ﷺ -، يَعنِي: هل تُنقِذه إذا حقَّتْ عليه كلِمة العَذاب؟
الجواب: (لا)، وإذا كان الجَوابُ: (لا)، فهو عَلامة على أن الاستِفْهام للنَّفيِ، وهنا نَسأَل الهَمْزة في ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهَمْزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحِدة مَعنًى مُستَقِلٌّ، أو أن الثانية تَوْكيد للأُولى؟
الجواب: إن كانت الجُمْلتان جُمْلةً واحِدة فالثانية تَوْكيد للأُولى، وإن كانت كلُّ جُملة مُستَقِلَّة عن الأخرى فالثانية أَصلِيَّة، يَعنِي: تَأسيسية لا تَوْكيدية، ومَهما يَكُن من
_________________
(١) الألفية (ص: ٢٥).
[ ١٥٥ ]
أَمْر فإن مثل هذا التَّركيبِ أَعنِي: إذا أَتَت همزة الاستِفْهام وبعدها حَرْف عَطْف - قد سبَقَ لنا مِرارًا - أن لعُلماء النَّحْو في ذلك قَوْلين في الإعراب:
القول الأوَّلُ: منهم مَن يَرَى أن الهَمْزة داخِلة على جُملة مُقدَّر تُناسِب المَقام، وحَرْف العَطْف على تِلكَ الجُمْلةِ المَحذوفة.
القولُ الآخَرُ: ومِنهم مَن يَرَى أن الهَمْزة داخِلة على الجُمْلة التي بعد حَرْف العَطْف، فيَكون حرف العَطْف على ما سبَقَ، وقُدِّمَت الهَمْزة للصدارة.
والقول الثاني أيسَرُ؛ لأن القول الأوَّلُ صعوبتُه أنه قد يَتعَذَّر على الإنسان مَعرِفة المُناسِب للسِّياق، أو ربَّما يُقدِّر ما يَظُنُّه مُناسِبًا، وليس بمُناسِب.
وقوله تعالى: ﴿تُنْقِذُ﴾ فسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بمَعنَى: [تُخرِج]، لكنه تَفسير قاصِر؛ لأن كلِمة (تُخرِج) لا تَدُلُّ على أنه مُنقِذٌ من هلَكة، بل تَدُلُّ على معنًى أَخصَّ، ولا يَنبَغي أن نُفسِّر الأخصَّ بالأَعَمِّ؛ لأنك إذا فسَّرْت الأخصَّ بالأعَمِّ نقَصْتَ التَّفسير، فالإخراج يَكون إنقاذًا ويَكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يَكون عن هلَكة، ولهذا لو فسَّر ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ (تُنجِي) لكان أَوْضَحَ؛ لأن الإِنْجاء أيضًا يَكون من هلَكة، وَيكون قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تُنجِي مَن في النار، أي: مِن عَذابها.
قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي النَّار﴾: ﴿مَنْ﴾ بمَعنَى (الذي)، ومَوْقعها الإعرابي مَفعولٌ به للفِعْل ﴿تُنْقِذُ﴾، وجُملة ﴿فِي النَّار﴾ جارٌّ ومجَرور مُتعَلِّق بالفِعْل ﴿تُنْقِذُ﴾، والتَّقدير: مَن دخَل في النار، أو يُقدَّر بما يُناسِب السِّياق، فان قُدِّر بكَلِمة (داخِل) مثَلًا قُلْنا: لا يَصلُح في صِلة المَوْصول؛ لأنك إذا قَدَّرْت (داخِل) تَحتاج إلى تَقدير مُبتَدَأ لتَكون جُملة، لكن إذا قدَّرْت فِعْلًا ما احتَجْنا إلى تقدير شيءٍ آخَرَ، فنَقول: إنه في جميع صِلات
[ ١٥٦ ]
المَوْصول لا يُقدَّر فيها إلَّا فِعْل؛ لأنك لو قَدَّرتَ اسمًا احتَجْت إلى تَقدير مُبتَدَأ؛ لتَتِمَّ الجُملة، فيَكون التقدير مرَّتَيْن، أمَّا إذا قدَّرْت فِعْلًا صار التَّقدير مرَّة واحِدة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: (مَنْ) شَرْطية، وهذا أَحَدُ الوَجهين في (مَن).
والوجهُ الآخَرُ: قال بعض العُلَماء ﵏: إن (مَن) اسمُ مَوْصول، والمَعنَى: أَفالَّذي حَقَّ عليه كلِمة العَذاب تُنقِذه أنت، ودائِمًا اسمُ الشَّرْط والمَوصول يَتَعاوَران، أي: يُستَعار بعضُهما مَكانَ الآخَر.
قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: جواب الشَّرْط: وأُقيم فيه الظاهِر مَقام المُضمَر ومَعنى كلامه أنه أُقيم فيه الظاهِر الذي هو (مَن) مَقام المُضمَر، وَيكون المَعنى على هذا الوَجْهِ: أفمَنْ حَقَّ عليه كلِمة العَذاب أفأَنْت تُنقِذه وكلام المُفَسِّر ﵀ هذا يُوحِي بأن الجُملَتَيْن مُرتَبِطَتان، وليس كلُّ واحِدة مُستَقِلَّة عن الأخرى.
ولكِنْ هناك احتِمالٌ آخَرُ خِلافُ ما قاله المُفَسِّر ﵀ وهو أن الثانية مُنفَصِلة عن الأُولى، وأن تَقدير الجُملة الأُولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تَدفَع عنه أو كلِمة نحوها، يَعنِي: أَفتَدْفَع عمَّن حَقَّ عليه كلِمة العَذاب، ثُمَّ استَأنَف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، ولها مَعنَيان؛ الأوَّلُ: أن تَجعَله مُؤمِنًا بحيث لا يَستَحِقُّ النار، والثاني: تُنقِذه مِن النار إذا دخَل فيها.
والحاصِلُ: أن مُؤدَّى الجُمْلتين واحِد: أن مَن حَقَّ عليه كلِمة العَذاب فإنه لا يُمكِن لا للرسول - ﷺ - ولا لغيره أن يُنقِذه من النار.
[ ١٥٧ ]
وقول المُفَسِّر ﵀: [وأُقيم فيه الظاهِر مَقام المُضمَر يُفيد مَعانِيَ، منها: أن مَن حَقَّ عليه كلِمة العذاب فهو في النار، لأنه لو قال: أَفأَنْتَ تُنقِذه. لكان الإنسان يَقول: من أيِّ شَيءٍ أُنقِذه، فإذا قال: أَفأَنْتَ تُنقِذ مَن في النار. علِمْنا أن هذا الذي حَقَّ عليه كلِمة العَذاب في النار.
يَقول المُفَسِّر ﵀: والهمزة للإنكار يَعنِي الهَمزة المَوْجودة في: ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهُما هَمْزة واحِدة على القول بأن الجُمْلتين واحِدة، فَتَكون الثانية تَوْكيدًا للأُولى.
والحاصِلُ: أن الله تعالى يَقول للرسول ﵊: هل مَن حقَّتْ عليه كلِمة العذاب يُمكِن أن تمَنَعه مِنِ استِحْقاقها، وتُنقِذه.
والجَوابُ: أنه لا يُمكِن لا هذا ولا هذا؛ لأن النبيَّ - ﷺ - لا يَملِك أن يَهدِيَ أحدًا حتى لا تَحِقُّ عليه كلِمة العَذاب، ولا يُمكِن أن يُنقِذ أحَدًا من النار؛ وَيدُلُّ عليه قوله ﵊ حين نزَل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمَعَ أَقارِبَه وصار يُخصِّصُهم: يا فُلان ابنَ فلان لا أُغنِي عنك من الله شَيئًا. إلى أن قال - ﷺ -: "يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا" (١)، فهي ابنتُه يَقول لها: المال أَستَطيع أن أَنفَعَكِ به، ولكن لا أُغنِي عنكِ من الله شيئًا، فإذا كان لا يُغنِي عن ابنَتِه شيئًا فمَن سِواها من بابِ أَوْلى.
فإن قال قائِل: كيف نَجمَع بين هذا وبين شفاعة النبيِّ - ﷺ - لعَمِّه أبي طالب
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، رقم (٢٧٥٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، رقم (٢٠٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٥٨ ]
حتى كان في ضَحضاحٍ من نار وعليه نَعْلان من نارٍ يَغِلي منهما دِماغُه (١)؛ فكيف هنا أَغنَى شَفْع ونَفَعَتْه الشفاعة؟
فيُقال: أوَّلًا: الرسول ﵊ لم يَتمَكَّن من إخراجه من النار، وإذا لم يَتمَكَّن من إخراجه من النار لم يَكُن مُعارِضًا للآية، لأن الله تعالى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، والنبيُّ - ﷺ - ما أَنقَذَه.
ثانيًا: أن التَّخفيف عن أبي طالِب ليس من أجل أنه عمُّ الرسول - ﷺ -، فهذا أبو لَهَبٍ عَمُّه ولكن لم يُغْنِ عنه شيئًا، لكن لِما قام به أبو طالب من الدِّفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام - ﷺ -، فإنه دافَع عنه مُدافَعةً عظيمة، بل إنه كان يَمدَح الرسول - ﷺ - في المَحافِل وشَهِد له بالرِّسالة، فقال:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ (٢)
هذا بَيْتٌ من لامِيَّته المشهورة التي قال عنها ابنُ كثيرٍ (٢) ﵀ قال: "هذه يَنبَغي أن يمون من المُعلَّقات، بل هي أَبلَغُ من المُعلَّقات، والمُعلَّقات هي قصائِدُ اختارَها العرَب وسَمَّوها: المُعلَّقاتِ السَّبعَ، وأَضافوا إليها ثلاثًا سمَّوْها: المُعلَّقاتِ العَشرَ، وهذه القصائِدُ علَّقوها في جوف الكعبة حِفاظًا عليها وتَنويهًا بها، لكن لامِيَّة أبي طالب أشَدُّ وأشَدُّ، يَعنِي: أحسَنُ وأعذَبُ، فشهِد للرسول - ﷺ - بأنه غير مُكذَّب، وأنه لا يُعنَى بقول الأَباطِل: السحَرة، بل إنه - ﷺ - أصدَقُ الناس وأنزَهُ الناس.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٦٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب، رقم (٢١٠)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٠)، وديوان أبي طالب (ص ٨٤). وقال ابن هشام بعد أن ذكرها: هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
(٣) البداية والنهاية (٤/ ١٤٢ - ١٤٣).
[ ١٥٩ ]
ثُمَّ يَقول في قصيدةٍ أُخرى:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حَذَارِ مَسَبَّةٍ لَرَأَيْتَنِي سمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا (١)
مثل هذا الكَلامِ لو سمِعه الناس آمَنوا، فهو في الحقيقة داعِية للإسلام لكنه غير مُسلِمٍ، نَسأَل اللهَ تعالى العافِيةَ!.
إِذَنِ: التَّخفيفُ عنه لا من أَجْل أنه عمُّ الرسول - ﷺ -، لكن لأَجْل أنه دافَع عن الإسلام وحمَى النبيَّ - ﷺ - حِمايةً تامَّة، وأَعاله أيضًا فإنه بَعْد موت جدِّه عبد المُطَّلِب كان عند عَمِّه أبي طالِب، وهذا معروف، فمِن عدْل الله - ﷿ - أن الله شكَرَ هذا العَمَلَ وخفَّف عنه بشفاعة النبيِّ - ﷺ - حتى صار "فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغلي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ"، أَعاذَني الله تعالى وإيَّاكم من النار.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: والمعنى: لا تَقدِر على هِدايته فتُنقِذه من النار وصدَق الله ﷾، فالإنسان لا يُمكِن أن يُنقِذ أحَدًا من النار أبَدًا، فإذا كان نبيُّ الله - ﷺ - لا يَقدِر على ذلك فمَن دُونَه من بابِ أَوْلى.