* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠].
قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستِدراكُ من أحسَن ما يَكون؛ فلمَّا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي﴾ استَدرَك هذه الحالَ، أَعنِي: حالَ مَن لا يَدخُل النار، فقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ إلخ.
لكن هنا لا تَعمَل؛ لأنها مخُفَّفة، وإذا خُفِّفَت تَكون لمُجرَّد العَطْف فقَطْ، ومَعناها: الاستِدْراك، وعليه يَكون ﴿الَّذِينَ﴾ مُبتَدَأ، وخبَرُه جُملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾.
وقال المُفَسِّر ﵀: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أَطاعوه فأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ بأن التَّقوى هي الطاعة، وأَجمَع ما قِيل في التَّقوى: أنها طاعة الله ﷿ بامتِثال أَمْره، واجتِناب نَهيِه؛ لأنه أَمَر ونهَى لا للهَوى؛ ولهذا مَن أَطاع الله تعالى لمُجرَّد الهوى لا يَكون كمَن أَطاع الله تعالى؛ لأن الله تعالى أمَر أو نَهَى، هناك كثيرٌ من الناس يُطيع الله تعالى؛ لأن نَفْسه تَهْوى ذلك، لكن الطاعة الحقيقية هي التي يَكون الباعِث عليها امتِثال أمر الله تعالى تَرْكًا للمَنهِيَّات وفِعْلًا للمَأمورات.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تَقواهم مَبنِيَّة
[ ١٦٢ ]
على أَساس؛ لأنه ربهم، والرُّبوبية هنا تَشمَل الربوبية القدَرية والرُّبوبية الشَّرْعية؛ لأن الله تعالى ربٌّ مالِكٌ للكون قدَرًا، ومالِكٌ للحُكْم شَرْعًا، فهُمْ يَتَّقون ربهم؛ لأنه الذي خلَقَهم، ورَزَقهم، وأَعَدَّهم، وأَمَدَّهم، يَعبُدون ربهم؛ لأنه الحاكِم فيهم، وهو الذي يَأمُرهم ويَنهاهُم، فتقومون بأَمْره ويَدَعون نَهيَه.
مَسأَلة: هناك بعض الناس عندما يُؤدِّي عِبادة من العِبادات يَتَّخِذها عادةً ليس كأَمْر من الله تعالى، فهل يُؤجَر على فِعْل هذا؟
الجَوابُ: أنه على كل حال تَبرَأ الذِّمَّة بذلك، لكنه لم يَصِل إلى درَجة الكَمال؛ ولهذا نحن نَقول دائِمًا: يَنبَغي للإنسان عند فِعْل العِبادة أن تَكون له ثلاثُ نوايا: نِيَّة العمَل، ونِيَّة المَعمول له، ونِيَّة المُتابَعة.
فنِيَّة العمَل هي أن الرجُل يَنوِي عند الظُّهر صلاة الظُّهر، ونِيَّة المَعمول له أنه يُريد بذلك التَّقرُّب لله ﷿، وهذا كثيرًا ما يَغفُل الإنسان عنه، ويَصُدُّه الشيطان عن ذلك.
ونِيَّة المُتابَعة للرسول - ﷺ -، فكُلُّ هذه المَعاني - نَسأَل الله تعالى أن يَعفوَ عنَّا - تَغيب عنَّا كثيرًا؛ لأنك إذا نوَيْت أو إذا شعَرْت بهذه النِّيةِ أَحبَبْت الله ﷿، وأَحبَبْت الرسول - ﷺ -، وشعَرْت بأنك عبد لله مُتَّبع للرسول - ﷺ -، وتَجِد للعِبادة طَعمًا لا تَجِده إذا أَتَيْت بها على سَبيل العادة.
ولهذا نَقول: عادات المُوظَّف عِبادات، وعِبادات الغافِل عادات.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ غُرَف جمع غُرْفة، والغُرْفة هي البِناء العالي؛ لأن البِناء العاليَ إذا كان في الأسفَل يُسمَّى: حُجْرة، وإذا كان فوقُ
[ ١٦٣ ]
يُسمَّى: غُرْفة، وهذه الغُرَفُ مَبنيَّة يَقول عنها: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يَعنِي: طبَقات قُصور عالية شامِخة، مَبنيَّة من لبِنات من الذهَب والفِضَّة، فلهم جَنَّتان من ذهَب آنيَتُهما وما فيهما، وجَنَّتان من فِضَّة آنيَتُهما وما فيهما، وهذه الغُرَفُ المَبنيَّةُ من الذهَب والفِضَّة أيضًا ليست على ما نُشاهِد في الدنيا من اللَّمَعان والحُسْن الجَذَّاب، بل هي أَشَدُّ وأعظَمُ، فلا يُمكِن أن نَتَصوَّر حُسْن هذه الغُرَفِ، ولا مَوادَّ بِنائِها أبدًا، لأن الله تعالى يَقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ويَقول في الحديث القُدسيِّ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" (١). وهي ليس فيها شيء ممَّا في الدُّنيا إلَّا الأَسْماء فقط، لكن الحقائِق تَختَلِف اختِلافًا عظيمًا، فهي فيها عِنَب، نَخْل، ورُمَّان، لكن ليس كالمَوجود عِندنا في الدُّنيا، بل هي شيء لا يُمكِن أن يَتصَوَّره الإنسان، فهذه الجَنَّةُ مُعدَّة للمُتَّقين الذين اتَّقَوْا ربهم كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
فالعمَل يَسير والعِوَض كثير، فالعمَل يَسير على مَن يَسَّرَه الله تعالى عليه، والله تعالى يُيَسِّره على مَن صدَق النِّيَّة في التَّوجُّه إلى الله تعالى، ولم يَركَن إلى الدنيا، لأن الرُّكون إلى الدُّنيا ولا سيَّما ممَّن أَعطاه الله تعالى العِلْم ذُلٌّ وانحِطاط؛ قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، والمَثَل أخَسُّ الأمثال؛ قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، رقم (٣٢٤٤)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم (٢٨٢٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٦٤ ]
تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ﴾ إلخ [الأعراف: ١٧٤ - ١٧٦].
فهذه الغُرَفُ التي أَعدَّها الله تعالى للمُتَّقين الذين أَخلَصوا النِّيَّة لله تعالى رجاءَ الوُصول إلى ثوابه، ولا يَفعَلون طاعة إلَّا وهُمْ يُؤمِنون بأنَّ لها ثوابًا في هذه الجَنَّةِ؛ لأن هذه العَقيدةِ يَحمِلك على إحسان العِبادة، فإذا علِمْت أنه ما من عِبادة تَقوم بها إلَّا من أَجْل الحُصول على هذا الثوابِ سَوْف تَحرِص على العمَل، وتُتقِن العمَل.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تَحْت هذه الغُرَفِ العُليا وما تَحتَها.
و﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهْر أو نهَر؛ لأن نهر أو نهر من الكلمات الثلاثية التي ثانيها حرفُ حَلْق؛ ومثلها بحر، فيَجوز فيها تَسكين الحَرْف الثاني وفَتْحُه، تَقول:
و﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهْر أو نهَر؛ لأن الكلِماتِ الثلاثيةَ التي ثانيها حَرْف حَلْق مثل كلمة نَهْر وبَحْر يَجوز فيها تَسكين الحَرْف الثاني وفَتْحُه، تَقول: نَهَر ونَهْر وبَحْر وبَحَر، فهنا نَقول: أنهار جَمْع: نَهْر، وهي أربعة أنواع بيَّنها الله تعالى في سورة القِتال، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]؛ فهذه أربعةُ أنواعٍ.
فمِن نِعَم الله تعالى ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، يَعنِي: غير قابل لأَنْ يَكون آسِنًا، والآسٍ هو المُتغيِّر، وأنتم تَعلَمون أن الماء إذا بَقِيَ في الإناء مُدَّة أو في مَقرِّه في البِئْر مُدَّة يَتغيَّر.
ومِن نِعَم الله تعالى أنها أنهار لا تُحلَب من الضُّروع، ولا تَأتِي من نَحْل؛ أنهار
[ ١٦٥ ]
تَمشِي على الأرض تَجرِي، وقد جاء في الأثَر: "أنَّها تَجرِي بلا أُخدودٍ" (١) أي: بلا مجَارٍ على وجهِ الأَرْض، ولا تَحتاج إلى حَفْر سَواقٍ، ولا إلى جُدران تَمنَع من سَيَلان الماء، بل تَجرِي بدون شيء، وورَد أيضًا: "أنها تَجرِي باختِيار الإنسان حيث يُوجِّه النهرَ حيث شاء، ويُمسِكه حيث شاء" (٢)؛ لأن الله تعالى يَقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، نَسأَل الله تعالى أن يَجعَلنا وإيَّاكم مِنهم.
ومِن نِعَم الله تعالى علينا في الأرض أن: نَهْر النِّيل وسَيْحونَ وجَيْحونَ من الجَنَّة، وقد ورَد فيه الحديث أنها "مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ" (٣)، لكن المَعنى أنها تُشبِه أنهار الجَنَّة بالصَّفاء، وليس مَعناه: أنها نزَلَت من السَّماء، فهو من باب التَّشبيه البَليغ.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾: ﴿وَعْدَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [مَنصوب بفِعْله المُقدَّر]، أي: وعَدوا وَعْدَ الله، أو على رأيٍ آخَرَ محُتَمَل: التَّقدير أَنجَزوا وعدَ الله، يَعنِي: أَنجَز الله لهم وَعْده، وعلى هذا يَكون مَنصوبًا بفِعْلٍ مُقدَّر من غير فِعْله، أمَّا على رأيِ المُفَسِّر ﵀ فهو مَصدَرٌ مَحذوف العامِل.
قوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: وَعْدَهُ فأَفادَنا بأنَّ (أل) هُنا نائِبة مَناب الضمير، وأن الِميعاد بمَعنَى: الوَعْد؛ فقوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي: أنه لا يُخلِف ما وعَدَه بشيء آخَرَ؛ لأن لفظة (أَخلَفَ) تَدُلُّ على
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٧٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٤٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٨/ ٤٠٧)، عن مسروق من كلامه.
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٤٠).
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، رقم (٢٨٣٩)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٦٦ ]
إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، بخِلاف (خلَف) فإنها تَدُلُّ على خُلفِ شيءٍ لشيءٍ، فيُقال: خلَفَه. أي: أتَى بعدَه، أَخلَفَه بمَعنَى: جعَل له بَديلًا؛ ولهذا يَقول المُصاب: "اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا" (١)، يَعنِي: أَعطِني بدَلًا عنها.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صِدْقه، وكمال قُدْرته، لأن إخلاف الميعاد إمَّا أن يَكون لكذِب الواعِد، وإمَّا أن يَكون لعَجْزه، والله ﷿ مُنزَّهٌ عن هذا وهذا، فهو كامِل الصِّدْق كامِل القُدْرة.